علماء وفلاسفة

ابن باجة .. الفيلسوف والفلكي الشاعر

له مكانة كبيرة عند الغرب حيث أُطلق عليه اسم "Avenpace"

اسمه ونشأته:-

محمد بن يحيى بن الصَّائغ بن باجَّهْ، أبو بكر التُّجِيْبِيُّ الأندلسي السَّرَقُسْطِيُّ، الفيلسوف الشاعر، وباجَّه تعني الفضة بلغة فرنج المغرب، وقد وُلِدَ في سَرَقُسْطة الأندلسية أواخر القرن الخامس الهجري.

مكانة ابن باجة العلمية:-

كان يضرب به المثل في الذكاء، وآراء الأوائل، ومعرفة الأنساب، والطب، والموسيقى، ودقائق الفلسفة، يُنَظَّرُ بِـالفَارَابِيِّ، وعنه أخذ: ابن رشد الحفيد، وابن الإمام الكاتب، وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن ابن باجة يحظى بمكانة عالية وتقدير علماء الغرب له الذين أطلقوا عليه اسم Avenpace.

اشتغاله بالسياسة:-

اشتغل بالسياسة، حيث كان وزيراً لأبي بكر إبراهيم صهر علي بن يوسف المرابطي، الذي كان والياً على غرناطة ثم على سَرَقُسْطة.

حظي ابن باجة بمكانة مرموقة في غرناطة
حظي ابن باجة بمكانة مرموقة في غرناطة

ملاحظات ابن باجه على النظام الفلكي:-

ويذكر حافظ قدري طوقان أن ابن باجَّهْ كانت له ملاحظات قيِّمة على النظام الفلكي الذي وضعه بطليموس، فقد انتقد هذا النظام وبيَّن مواضع الضعف فيه، وقد أَيَّدَ سارطون هذه الفكرة، وقال: “إنَّ البِطْرَوْجِيَّ تأثر بآراء ابن باجَّهْ في الفلك”، كما أن ابن البيطار استشهد في كتابه «الأدوية المفردة» بابن باجَّهْ، واعتمد على رسالته في الطب.

مكانة ابن باجة الشعرية:-

كان شاعرا مجيداً، من شعره:

أَسُكَّانَ نَعمانِ الأَراكِ تَيَقَّنوا
                     بِأَنَّكُمُ في رَبعِ قَلبِيَ سُكَّانُ
وَدوموا عَلى حِفظِ الوِدادِ فَطالَما
                   بُلينا بِأَقوامٍ إِذا حُفِظوا خانوا
سَلوا اللَّيلَ عَنّي مُذ تَناءَت دِيارُكُم
                 هَلِ اِكتَحَلَت بالغمضِ لي فيهِ أَجفانُ
وَهَل جَرَّدَت أَسيافَ بَرقٍ دِيارُكُم
               فَكانَتْ لَها إِلَّا جُفونِيَ أَجفانُ

الفيلسوف ( ابن باجة ) أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ بن باجة التجيبي

ومن شعره:

ضربوا القِبابَ على أقاحة روضةٍ
                خَطَر النَّسيمُ بها ففاحَ عبيرا
وتركْتُ قلبي سارٍ بَيْنَ حمولِهم
                   دامي الكلومِ يسوقُ تلك العيرا
هلَّا سألْتَ أسيرَهُم هَلْ عندَهم
                   عانٍ يُفَكُّ ولو سألْتَ غيورا
لا والَّذي جعلَ الغصونَ مَعَاطِفاً
                   لهم وصَاغ الأقْحُوَانَ ثغورا
ما مرَّ بي رِيحُ الصَّبا مِنْ بعدِهم
                   إلَّا شهقْتُ لَهُ، فعادَ سعيرا

ابن باجة الفيلسوف – ملامح عامة:-

  • أشار النقاد إلى حصول تحوُّل في الفكر الفلسفي لابن باجه، والذي كان ذا نزعة عقلية واقعية واتجاه أرسطي (نسبة إلى أرسطو) في بداية حياته الفكرية، ثم اتجه في آخر مسيرته الفكرية؛ إلى تبني أحد ألوان الأفلاطونية المحدثة مع ميل إلى قدرٍ محدود من التصوف.
  • يعتبر أول من قدَّم إنتاجاً فلسفياً في بلاد الأندلس، إذ لم يسبقه في ذلك إلا بعض أصحاب بعض الاجتهادات والأعمال الفلسفية التي لم ترّقَ لما بلغه ابن باجه، من قبيل انتاج ابن حزم الفلسفي.
  • العمل بالفلسفة في عصره، كان يتطلب شجاعة وجرأة، لأن ذلك كان يُجابه بمعاداة الجمهور والفقهاء، وبعض الأمراء المشتغلين بالفلسفة، حيث ذكر ابن الإمام أن ملك بن وهيب الإشبيلي، الذي كان معاصراً لابن باجة؛ قد اضطر إلى الرجوع عن الاشتغال بالفلسفة مؤثِراً سلامة العاقبة.
  • يؤكد على مكانة ابن باجة الفلسفية؛ شهادة معاصِر كبير له، وهو الفيلسوف ابن طفيل والذي يعتبر تلميذاً غير مباشر للأول، حيث تعرَّض الثاني في قصَّة “حي بن يقظان” لوصف مكانة ابن باجة ومؤلفاته وذلك في سياق حديثه عن الحالة العقلية السائدة في الأندلس.
  • وقال ابن طفيل: “… ثم خلف من بعدهم خلفاً آخر أحذق منهم نظراً وأقرب إلى الحقيقة، ولم يكن فيهم أثقب ذهناً ولا أصحُ نظراً ولا أصدق رؤية من أبي بكر بن الصائغ (ابن باجة)، غير أن شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه وبث خفايا حكمته، وأكثر ما يوجد له من التآليف إنما هي كاملة ولكنها مجتزأة في أواخرها، ككتابه في النفس وتدبير المتوحِّد وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة”.
  • وزاد ابن طفيل في سياق حديثه عن ابن ماجة: “وأما كتبه الكاملة؛ فهي كتب وجيزة ورسائل مختلفة وقد صرَّح هو نفسه بذلك وذكر أن المعنى المقصود ببرهانه في رسالة الاتصال ليس يعطيه ذلك القول إعطاء بيناً إلا بعد عسر واستكراه شديد وأن ترتيب عباراته على غير الطريق الأكمل ولو اتسع له الوقت؛ مال لتبديلها، فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل ونحنُ لم نلقَ شخصه”.
  • هذا الشهادة -التي تأتي من مفكر وفيلسوف بحجم ابن طفيل- جاءت لتثني على ابن ماجة، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى صعوبة النصوص التي خلَّفها وراءه، خصوصاً وأنه كان من نوعية الشخصيات التي تتحدث عن الفكرة ولا تتمها أو تشير لها في مواضع أخرى من كتاباتها.
  • ينبغي ألا نغفل موقف ابن باجة من كتابات حُجة الإسلام أبي حامد الغزالي، فصحيح أن ابن رشد ردَّ على “تهافت الفلاسفة” للغزالي بكتابه “تهافت التهافت”، غير أن ابن طفيل ردَّ على مضمون ما أورده الغزالي في “المنقذ من الضلال”.
  • ويقول ابن باجة في هذا الصدد: إن -ما أسماها- إدعاءات الغزالي مشاهدة أمور إلهية وبلوغ قصة السعادة من خلال اعتزاله، ما هي إلا أوهام باطلة، وأن ما ذكره من مشاهداته للجواهر الروحانية مجرد ظن لا أكثر.

كتب ابن باجه: منها الموجود، ومنها المفقود

ترك ابن باجَّهْ عدداً من المؤلفات بلغت الثلاثين في المنطق، والفلسفة، والرياضيات، والطب، والطبيعة، والنبات، والأدوية؛ لكن ضاع معظمها، ولم يبق منها إلا رسائل وصفحات في ترجمات لاتينية وعبرية؛ منها:

  1. مجموعة في الفلسفة والطب والطبيعيات.
  2. رسالة الوداع.
  3. رسالة تدبير المتوحد.
  4. اتصال العقل.
  5. النبات.
  6. النفس.
  7. تعليق على كتاب العبارة للفارابي.
  8. تعليق على كتاب الفارابي في القياس.
  9. شرح كتاب «السماع الطبيعي» لأرسطوطاليس.
  10. قول على بعض كتاب «الكون والفساد» لأرسطوطاليس.
  11. كلام على شيء من كتاب «الأدوية المفردة» لجالينوس.
  12. اختصار «الحاوي» للرازي.
  13. كلام على بعض كتاب النبات.
  14. قولٌ ذُكِر فيه الشوق الطبيعي وماهيته وابتداء أن يعطي أسباب البرهان وحقيقته.
  15. كلام في الغاية الإنسانية.
  16. فصول قليلة في السياسة المدينة وكيفية المدن وحال المتوحد منها.
  17. كتاب التجريبيين على أدوية ابن وافد، حيث اشترك في تأليف هذا الكتاب، كل من ابن باجة وأبي الحسن ابن سفيان.

وفاة ابن باجة مسموماً في فاس:-

بعد استيلاء ألفونس الأول على مدينة سَرَقُسْطة، هاجر ابن باجَّهْ إلى إشبيلية سنة 513هـ، ثم إلى غرناطة، وذهب بعد ذلك إلى فاس وقصد بلاط المرابطين، وعمل طبيباً به، وهنا تحامل عليه أعداؤه ورموه بالإلحاد والجهل، وتوفي مسموماً في مدينة فاس المغربية، في شهر رمضان، سنة 533هـ وما زال في ريعان شبابه.

مدينة فاس - المغرب
مدينة فاس – المغرب

المصادر:

  • الأعلام (7/137).
  • بُناة الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية (رقم 27).
  • سير أعلام النبلاء (20/93/رقم 54).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/169).
  • وفيات الأعيان (4/426/رقم 670).
  • ابن باجه الأندلسي، الفيلسوف الخلّاق ، الشيخ كامل محمد عويضة.
  • جوانب من فلسفة ابن باجة وتحقيق بعض رسائله الفلسفية، زهور الطالبي.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق