أعلام

ابن النديم .. صاحب مصنف “الفهرست” الشهير

كان تلميذاً للفقيه السِّيرافي، وللشاعر الأصفهاني، وللمؤرخ المرزوقي

اسمه ونشأته:-

ابن النديم هو محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق، أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم ، الورَّاق مصنف كتاب «الفهرست»، وُلِدَ في بغداد، وهو من أصل فارسي.

قال المرزباني إن ابن النديم وُلِدَ في جمادى الآخرة من سنة 297 هجرية.

قال عنه ياقوت الحموي في كتابه “معجم الأدباء”: ” محمد بن إسحاق النديم ، كنيته أبو فرج، وكنية أبيه أبو يعقوب، مصنِّف كتاب الفهرست الذي جوَّد فيه واستوعب استيعاباً يدل على اطلاعه على فنون من العلم وتحققه بجميع الكتب، ولا أبعد أن يكون قد كان ورَّاقاً يبيع الكتب”.

مكانته العلمية:-

بدأ ابن النديم تعليمه في سن السادسة، حيث اطَّلع على الدراسات الإسلامية، والتاريخ، والجغرافيا، والدين المقارن، والعلوم، والنحو، والبلاغة، والتفسير القرآني.

كان تلميذاً للفقيه أبو سعيد السِّيرافي، والشاعر أبو الفرج الأصفهاني، والمؤرخ أبو عبد الله المرزوقي، وغيرهم، ولكنه لم يقتبس منهم شيئاً، فكان له طابعه واتجاهه الخاص، وعمل على إحياء مهنة والده، وهي مخطوطات الكتب، حيث كان يملك والده مكتبة مزدهرة وكبيرة، فاستغلها ابن النديم بشراء المخطوطات من التجار والعمل في نسخ وكتابة الكتب مع بعض الخطاطين الآخرين العاملين.

قلعة حلب في عام 1898 م وهي أشهر معالم المدينة التي زارها ابن النديم
قلعة حلب في عام 1898 م وهي أشهر معالم المدينة التي زارها ابن النديم – مكتبة الكونغرس

زار ابن النديم فيما بعد المراكز الفكرية في البصرة والكوفة؛ بحثاً عن مواد علمية، كما قيل: إنه زار حلب مركز الأدب والثقافة تحت حكم سيف الدولة، حيث عثر في مكتبة بالموصل على أجزاء من الأعمال الشعرية، كما كان ابن النديم بمثابة رفيق في المحكمة إلى ناصر الدولة، وهو الحاكم حمدان الذي روج للتعليم.

الوراقة والكتابة:-

الوراقة حِرفة احترفها كثير من العلماء، ووظيفتها انتساخ الكتب وتصحيحها وتجليدها والتجارة فيها، فهذه المهمة في ذلك العصر كانت تقوم مقام الطباعة المعاصرة، بل أكثر منها، إذ كان الورَّاق ينتخب الورق وينسخ الكتاب أو يُنسخ تحت إشرافه ويُصحِّح هذا النسخ لئلا يقع فيه تحريف، ثم يقوم بتجليده وبالتالي بيعه.

وقد اشتهرت الوراقة في عصر ابن النديم ، واكتسبت أهمية كبيرة، ويلاحظ أن الكتب التي نُقِلَت في عصره يدل جودة تصحيحها والعناية بها؛ على مبلغ رقيِّ هذه الصناعة.

وقد اتخذ صناعة الوراقة كثير من الأدباء والعلماء ترجم لهم ياقوت في “معجم الأدباء”، حتى أن الحموي نفسه كان ورَّاقاً ينسخ الكتب ويبيعها وخلَّف وراءه مكتبة كبيرة انتفع بها ابن الأثير صاحب كتاب “الكامل في التاريخ”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي.. يتحدث عن ابن النديم
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

أما الكتابة؛ فقد كانت حرفة تحترفها شريحة من الناس، حيث كانت تتطلب معرفة بفنون واسعة من العلوم وما يتفرع منها و عنها من تفصيلات، على النحو الذي ألَّف فيه الأعشى للقلقشندي، ونهاية الأرب لشهاب الدين النويري.

هاتان الصناعتان، الوراقة والكتابة؛ مكنتا ابن النديم من توسيع مداركه ونطاق اطلاعه على النمط الغريب الذي نعرفه في كتابه ” الفهرست “، والذي كشف النقاب عن عمقه في فنون الدين والتاريخ والأدب والفلسفة، هذا فضلاً عن انتهاجه سياسة دقيقة في تحري الحق، فما رآه يقول: قد رأيته، وما سمعه ينص على أنه لم يرهُ، وبالتالي يُخلي مسؤولياته من تبعاته.

كان ابن النَّديم كأغلبية زملائه من تُجَّار الكُتُب، فقد تلقَّى تربيةً علميةً واسِعَة، فسَمِعَ محاضراتِ الأعلام من فلاسِفة عصره، وزارَ منازِلهم، وتعرَّفَ بالأوسَاط العِلمية التي انتشرت على شكل جماعاتٍ ومدارس في كُلِّ أنحَاءِ العَرَبية خلالَ القَرْن العاشِر؛ وكان ابن النَّديم صديقاً مُقرَّبَاً لعلي بن عيسى، أشهر أطبَّاء العُيون في العُصور الوُسْطى، ولغيره من أئِمَّة العُلمَاء الذين كانَ يقضي معهم السَّهْرَات الطُوال في المُناقشات العلمية المُثمرة، ولم يكُن هذا الرَّجُل المُثقَّف تِلكَ الثَّقافةِ العالية إلَّا نموذَجاً للكثيرين من زملائهِ ناشِري العِلم والمعرفة في تِلْكَ العُصُور.

— زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب.

كتب ابن النديم:-

  1. الفهرست: يعتبر من أقدم كتب التراجم ومن أفضلها، ألَّفه في شبابه، فقد ذكر في مقدمة كتابه أنه صنفه سنة 377هـ، وورد في موضع منه أنه كُتِبَ سنة 412هـ، جوّد فيه واستوعب استيعاباً يدل على اطلاعه على فنون من العلم وتحققه لجميع الكتب.
  2. التشبيهات.

الفهرست:-

يعتبر ” الفهرست ” ذخيرة لا تقدر غرضه أن يحصى جميع الكتب العربية المنقولة من الأمم المختلفة والمؤلفة في جميع أنواع العلوم التي يصفها ويسلِّط الضوء على مترجميها أو مؤلفيها، ويذكر جانباً من حياتهم، كما يعين تاريخ وفاتهم ، فكان الكتاب على هذا النمط أجمع كتاب لإحصاء ما ألَّف الناس إلى آخر القرن الرابع الهجري، وأشمل وثيقة تبين ما بلغه المسلمون في حياتهم العقلية والعملية آنذاك.

وأكثر هذه الكتب التي وصفها ” الفهرست ” قد فُقِدت بتتالي الأزمان والأزمات والحروب والنكسات التي أصابت الأمصار الإسلامية، خصوصاً في فترة الغزو المغولي لبغداد دار السلام عام 656 هجري (1258 م) وتداعي مكتبة بيت الحكمة، ولولا ” الفهرست “؛ لضاعت أسماء ومعالم تلك الكتب المذكورة وأوصافها أيضاً.

مكتبة بيت الحكمة في بغداد
مكتبة بيت الحكمة التي عكست مقدار التطور العلمي العربي الإسلامي في فترة معينة من التاريخ

والقارئ للفهرست، يتعجب من هذا النشاط العلمي الذي شهده العصر العباسي الذي زخر بكثرة المؤلفين والمترجمين في شتى أصناف العلوم، كما ينبهر أيضاً بسعة اطلاع ابن النديم، وشغفه في الوقوف على كل التفاصيل ودقائقها، سواء الأمر متعلق بالدين أو الطائفة أو النحو أو حتى الكيمياء، ثم يدقق ثم يدون ما سمع.

منهجية ابن النديم في “الفهرست”:-

أسلوب ابن النديم في “الفهرست” يحمل طابعاً اقتصادياً ينأى بنفسه عن اللغو والمقدمات والإطالة في أداء المعنى، ويحِب أن يندفع إلى صميم الموضوع ابتداءً من غير مواربة ولا تمهيد.

والنموذج الذي يعكس ذلك؛ قول ابن النديم في فاتحة الكتاب “ربِّ يسر برحمتك”..” النفوس تشرئب إلى النتائج دون المقدمات، وترتاح إلى الغرض المقصود دون التطويل في العبارات، فلذلك اقتصرنا على هذه الكلمات في صدر كتابنا، هذا إذ كانت دالة على ما قصدنا في تأليفه”.

ويأخذ ابن النديم في الكلام في إيجاز ودقة لئلا تستطيع حذف جملة بحجة أن معناها مكرر او عبارتها مترادفة.

لم يسّعَ ابن النديم إلى أن يزوِّق عبارته ويصقلها حسبنا تقتضيه قوانين البلاغة، ولكنه استطاع أن يوصل ما يريد للقارئ، في غاية الضبط والإحكام.

وأمسى “الفهرست” مرجعاً لكل باحث، فهو الذي بات يحتل مكانة العمدة في مجاله، كما كان ذلك في “طبقات الأطباء”  لابن أبي أصيبعة ولجمال الدين القفطي في “أخبار الحكماء”.

يتألف كتاب الفهرست من عشر مقالات على النحو الآتي:-

المقالة الأولى وتشتمل على ثلاثة فنون:-

الأول: وفي وصف لغات الأمم من العرب والعجم، ونعوت أقلامها، وأنواع خطوطها، وأشكال كتاباتها.

الثاني: في أسماء كتب الشرائع المنزلة على مذاهب المسلمين، ومذاهب أهلها.

الثالث: في نعت القرآن الكريم، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأسماء الكتب المصنفة في علومه، وأخبار القُرَّاء وأسماء رواتهم، والشواذ من القراءات.

المقالة الثانية، وتضم أيضاً، ثلاثة فنون في النحويين واللغويين:-

الأول: في ابتداء النحو، وأخبار النحويين البصريين وفصحاء العرب وأسماء كتبهم.

الثاني: في أخبار النحويين واللغويين من الكوفيين، وأسماء كتبهم.

الثالث: في ذكر قوم من النحويين، خلطوا المذهبين، وأسماء كتبهم.

إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني
إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني

المقالة الثالثة وفيها ثلاثة فنون في الأخبار والآداب والسير والأنساب :-

الأول: في أخبار الإخباريين والرواة والنسابين وأصحاب السيَر والأحداث وأسماء كتبهم.

الثاني: في أخبار الملوك والمترسلين، وعمل الخراج وأصحاب الدواوين وأسماء كتبهم.

الثالث: في أخبار الندماء والجلساء والأدباء والمغنين والصفادمة والصفاعنة والمضحكين وأسماء كتبهم.

المقالة الرابعة، وهي في فن الشعر والشعر:-

الأول: في طبقات الشعراء الجاهليين، والإسلاميين ممن لحق الجاهلية، وصناع دواوينهم، وأسماء رواتهم.

الثاني: في طبقات شعراء الإسلاميين وشعراء المحدثين إلى عصره.

الفهرست يضم عمرو بن كلثوم .. الشاعر الحماسي الكبير
عمرو بن كلثوم .. الشاعر الحماسي الكبير

المقالة الخامسة والتي تنطوي على خمسة فنون في الكلام والمتكلمين:-

الأول: في ابتداء أمر الكلام والمتكلمين من المعتزلة والمرجئة وأسماء كتبهم.

الثاني: في أخبار متكلمي الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية وأسماء كتبهم.

الثالث: في أخبار متكلمي المجبّرة والحشوية، وأسماء كتبهم.

الرابع: في أخبار متكلمي الخوارج وأصنافهم، وأسماء كتبهم.

الخامس: في أخبار السيّاح والزهّاد والعُبّاد والمتصوفة المتكلمين على الوسواس والخطرات، وأسماء كتبهم.

المقالة السادسة: وهي ثمانية فنون في الفقه والفقهاء والمحدثين:-

الأول: في أخبار مالك بن أنس وأصحابه وأسماء كتبهم.

الثاني: في أخبار أبي حنيفة النعمان وأصحابه وأسماء كتبهم.

الثالث: في أخبار الإمام الشافعي وأصحابه، وأسماء كتبهم.

الرابع: في أخبار داود وأصحابه، وأسماء كتبهم.

الخامس: في أخبار فقهاء الشيعة، وأسماء كتبهم.

السادس: في أخبار فقهاء أصحاب الحديث والمحدثين، وأسماء كتبهم.

السابع: في أخبار أبي جعفر الطبري وأصحابه وأسماء كتبهم.

الثامن: في أخبار فقهاء الشراة، وأسماء كتبهم.

الفهرست يضم الإمام الشافعي .. ظاهرة عصره - ابن النديم
الإمام الشافعي .. ظاهرة عصره

المقالة السابعة تحتوي على ثلاثة فنون في الفلسفة والعلوم القديمة:-

الأول: في أخبار الفلاسفة الطبيعين والمنطقيين وأسماء كتبهم ونقولها وشروحها والموجودة منها، وما ذُكِرَ ولم يوجد، وما وجد من عدم.

الثاني: في أصحاب التعاليم، المهندسين، والأرثماطيقيين والموسيقيين والحُسَّاب المنجمين وصنَّاع الآلات وأصحاب الحيل والحركات.

الثالث: في ابتداء الطب وأخبار المتطببين من القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم ونقولها وتفاسيرها.

المقالة الثامنة: وهي ثلاثة فنون من الأسماء والخرافات والعزائم والسخر والشعبذة (الشعوذة):-

الأول: في أخبار المسامرين والمخرِّفين والمصورين وأسماء الكتب المصنفة في الأسمار والخُرافات.

الثاني: في أخبار المعزمين والمشعبذين والسحرة وأسماء كتبهم.

الثالث: في أسماء الكتب المصنفة في معانٍ شتى لا يٌعرف مصنفوها ولا مؤلفوها.

المقالة التاسعة: وهي فنان في المذاهب والاعتقادات:-

الأول: في وصف مذاهب الحرَّانية الكلدانيين المعروفين بالصابئة ، ومذاهب الثنويه، من المنانية والديصانية والخرمية والمرقيونية والمزدكية وغيرهم وأسماء كتبهم.

الثاني: في وصف المذاهب الغريبة كمذاهب الصين والهند وغيرهم من أجناس العالم.

المقالة العاشرة، وتضم أخبار الكيميائيين والصنعويين من الفلاسفة القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم.

الفهرست يضم جابر بن حيان - ابن النديم
جابر بن حيان .. أشهر الكيميائيين المسلمين على الإطلاق

وفاة ابن النديم:.

توفي ابن النديم في شهر شعبان، سنة 384هـ، وعاش قراب 90 سنة.

قال ابن النجَّار في كتابه “ذيل تاريخ بغداد” : إن ابن النديم : صنَّف الفهرست في شعبان سنة 377 ، ومات يوم الأربعاء لعشر بقين من شعبان سنة 385 هجرية”.

النَّاظِرْ لكتاب “الفهرسْت” يُعْجَب لهَذا النَّشَاط العِلْمي الذي قامَ بهِ المسلمونَ في هذه العُصُور، وكثرةِ المؤلِّفين والمُتَرْجِمين في جميع نواحي العِلْم، كما يُعْجَب بسِعَةِ اطلاع ابن النَّديم وحُبِّهِ للوقوف على كُلِّ شيءٍ حتَّى في أدقِّ مسائل الأديان المُخْتَلِفَة، والمَذَاهِب المُتنوِّعَة، ويستقصي البَحْث عن أحوالِ الصِّيْن والهِنْد، كَمَا يستقصي البحْث عن الشَّام والعِرَاق، وهُوَ في كُلِّ ذلكَ يقابل أصحاب النَّحَل المُخْتَلِفَة، ويُسائلَهُم ويُدَقِّق في أخبارِهِم، ثمَّ يُدَّوِن ما يصلُ إليهِ عِلْمِهِ.

— أحمد أمين، ظُهْر الإسلام.

المصادر:

  • الأعلام (6/29).
  • كتاب الفهرست للنديم، تحقيق رضا- تجدّد.
  • الفهرست لابن النديم ، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
  • لسان الميزان (6/557/رقم 6479).
  • معجم الأدباء (6/2427/رقم 999).

http://downloadislamic-books.blogspot.com/2019/05/pdf_28.html

https://murtahil.com/54698/سيرة-ذاتية-عن-ابن-النديم/

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

تعليق واحد

  1. في نعت القرآن الكريم، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأسماء الكتب المصنفة في علومه، وأخبار القُرَّاء وأسماء رواتهم، والشواذ من القراءات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى