أعلام

ابن المعتز … مُؤسس علم البديع

انغمسَ في ميادينِ الفنونِ والأدبِ والبلاغةِ وشعابِها الواسعة، إنَّه سيدُ الأوصافِ وأميرُ التشبيهِ ولمْ يكنْ لِأحدٍ مثلَ تشبيهاتِه

تمهيد:-

إنَّ فنَّ البلاغةِ من أرقِّ فنون الكَلِم وأدقَّها، وهو يتطلَّبُ شاعرًا ذواقة لِينهلَ من بحورِها الفيَّاضة، وقد كان ابن المعتز صاحبَ الأناملِ الذهبيَّةِ والحسِّ المليحِ هو أولَ من صنَّف في علم البديع وكشفَ أجناسَه وجذورَه، ورسمَ فنونَه، فكان فخرَ التراثِ الأدبيِّ والبلاغيِّ وكان صاحبَ السبقِ لتأسيسِ علم البديع.

من هو ابن المُعتز ؟

هو أبو العباسِ عبدُ اللهِ بن المُتوكِّل بن المُعتصم بن هارون الرشيد العباسيّ، وُلِدَ في مدينةِ سامرَّاء بالعراق، وقد كان أدبيًا بليغًا وشاعرًا فصيحًا رائعَ الإبداعِ، وهو مُؤسسُ علم البديع كَعِلمٍ مُستقلٍ، وقد تبوأ عرشَ المُلكِ فلمْ تَلبثْ أن تطأه قدماه حتى آثرَ أن يَستَعِيضَ عنه بِمَلَكَةِ الشعرِ ومُلْكِه السَّرمديّ، فانغمسَ في ميادينِ الفنونِ والأدبِ والبلاغةِ وشعابِها الواسعة، إنَّه سيدُ الأوصافِ وأميرُ التشبيهِ ولمْ يكنْ لِأحدٍ مثلَ تشبيهاتِه.

سامراء.. أو سُر من رأى حيث توفي محمد بن جابر بن سنان البتاني حيث ولِدَ ابن المعتز
سامراء.. أو سُر من رأى حيث ولِدَ ابن المعتز

كتابُ البديع:-

إنَّ هذا الكتاب التراثيّ أحدث ضجةً ونقلةً نوعيةً في عالمِ الأدبِ والبلاغةِ والنقد؛ حيثُ تناولَ فيه ابن المعتز – لِأولِ مرة – البلاغةَ كَعلمٍ قائم بذاته غير مُتداخلٍ مع غيرِه من العلومِ، وهذا كان يُعدُّ سبقًا فريدًا لمْ يسبقْه إليه أحدٌ.

وقد جمعَ فيه ما اكتشفه في الشعرِ من المُحسِّناتِ البديعيةِ والبلاغيَّةِ، وقد كان مُتأثرًا بنظريَّةِ الجَاحظِ في كتاباتِه ومذهبِه، ومُستفيدًا من الأمثلةِ التي أوردها في كتابِه ” البَيان والتبيين “، لكنه لم يُسهِبْ في التعليقِ على الشواهدِ والنُّصوصِ التي أَوْردَها في كتابِه.[1]

يقولُ ابن المعتز عنْ كتابِه:

  • “إنَّ البديع اسمٌ لِفنونِ الشِّعرِ يذكرها الشعراءُ والنُّقادُ فيما بينهم، أمَّا العلماءُ باللُّغةِ والشعراء في الجاهليَّةِ والمُخَضرمين لا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو”.
  • ” قدْ قدَّمنا في أبوابِ كتابِنا هذا ما وجدْنا في القرآنِ واللُّغةِ وأحاديثِ رسول الله -صليٰ الله عليه وسلَّم – وكلامِ الصُّحابةِ والأعرابِ وغيرهم، وأشعارِ المُتقدِّمين من الكلامِ الذي سمَّاه المُحدثون؛ لِيُعْلَمَ أنَّ بشَّارًا ومُسلمًا وأبا نوَّاس ومَنْ تقبَّلَهم وسلكَ سبيلَهم لمْ يَسبقوا إلى هذا الفنّ ولكنَّه كَثُرَ في أشعارِهم فَعُرِفَ في زمانِهم حتَّي سُمِّيَ بهذا الاسم فَأعربَ ودَلَّ عليه”.

أبوابُ البديع:-

قسَّم ابن المعتز كتابه إلى بابين كبيرين وتحدَّثَ عنْ كلِّ نوعٍ منهما بِشواهدِه المُنوَّعةِ وهما:

البابُ الأولُ : الذي أَسْمَاه ” أبواب البديع ” وقد ذكرَ فيه خمسةَ أبواب وهي:

  1. التَّجنيس.
  2. المُطابَقَة.
  3. الإستعارة.
  4. ورد العجز على الصدر.
  5. المذهب الكلامي.

البابُ الثاني : الذي أَسْمَاه “محاسن الكلام” وقد ذكرَ فيه ثلاثةَ عشرَ مُحسِّنًا وهي:

  1. باب الإلتفات.
  2. اعتراض كلام في كلام.
  3. الرجوع.
  4. حسن الخروج.
  5. تأكيد المدح بما يُشبه الذم.
  6. تجاهل العارف.
  7. هَزْل يُرَاد به الجد.
  8. حُسن التضمينِ.
  9. التَّعريضُ والكنايةُ.
  10. الإفراطُ في الصفةِ.
  11. حسنُ التشبيهِ.
  12. إعاناتُ القوافي.
  13. حُسنُ الإبتداءات.[2]
مختارات شعرية ابن المعتز

آراءُ الأدباءِ والكُتَّابِ في ابن المعتز وكتابه:-

  • يقولُ شوقي ضيف عن الكتابِ :” ومن أهمِّ ما يميزه في الكتابِ، دقَّةُ ذَوقه، وصفائه في إختيارِ الأمثلةِ والشَّواهدِ، ويكفيه فضلًا أنَّه أوَّلُ منْ صنَّفَ في علم البديع ، ورسمَ فنونَه وكشفَ عن أجناسِها وجذورِها بِدَلالاتِ البيئةِ والشَّواهدِ النَّاطقةِ؛ بحيث أصبح إمامًا لِكُلِّ مَنْ صنَّفَ في البديعِ بعدَه، ونبراسًا يهديهُم الطريق”[3]
  • يقولُ ابنُ رَشيقُ القَيْروانِيِّ عنه : “وما أعلمُ شاعرًا أكملَ ولا أعجبَ تصنيعًا من عبد الله بن المعتز ؛ فإنَّ صنعتَه خفيَّةٌ لطيفةٌ لا تكادُ تظهرُ في بعضِ المواضعِ إلَّا للبصيرِ بدقائقِ الشعرِ، وهو عِندي ألطفُ أصحابه شعرًا وأكثرُهم بديعًا وامتنانًا، وأقربُهم قوافي وأوزانًا، ولا أرى وراءَه غايةً لِطالبها في هذا الباب”[4]
  • يقولُ المُستشرقُ الروسيُّ أغناطيوس كرتوشوفسكي عنْ ابنِ المُعتزِ : “إنَّه شاعرٌ ذو علمٍ واسعٍ وخبرةٍ شاملةٍ بِقضايا التاريخِ، درسَ الشعرَ وفنونَه وأشكالَه كما درسَ الأساليبَ اللغويَّةَ والشعريَّةَ بِدقَّةٍ وإتقانٍ ثمّ كرَّسَ اهتمامَه لِلكلمةِ وفنِّ التَّعبيرِ”، وجديرٌ بالذكرِ أنَّ هذا المُستشرق هو الذي حقّقَ كتاب البديع، وإنْ دلّ اهتمامه بهذا الكتاب فإنما يدلّ على أنه يحوي متنًا يُعدُّ أُنموذجًا فريدًا للفنون البلاغية والنقديّة.
  • ويُقالُ أيضًا : “إنَّ كتابَ ابن المعتز يمثلُ مُنعَرَجًا حاسمًا في التأليفِ البلاغيِّ، ومُساهمةً فاعلةً في بلورةِ حدود العلمِ وتخليصه من تبعيَّةِ العلومِ الأخرى؛ فهو أوَّلُ تأليف مُخصص لجمعِ الأساليبِ البلاغيَّةِ بِكيفيَّةٍ لم يسبقْ لها مثيل”.

وَلَقَـدْ يَــشُــقُّ بِــيَ الْكَتِيبَـــةَ قَـــــارِحٌ .. حَتَّــى أُخَضِّبَ بِــالدِّمَــاءِ سِلَاحِـي

ذُو غُـــــــرَّةٍ فِــي دَهْمَـــــةٍ فَكـَـــأنَّــــهُ .. لَــــيْـــــلٌ تَبَــــرْقَـــعَ وَجْـهُـــهُ بِصَبَــــاحِ

ابن المعتز يصف الخيل.

البديعُ في الكلام كالمِلحِ في الطعامِ:-

انقسم الشعراءُ والأدباءُ واللغويين في عصرِ ابن المعتز إلى ثلاثةِ أقسامٍ أو مذاهبٍ بالنسبةِ لاتجاهاتهم في استخدامِ البديع وهم:

المذهب الأول : هم بعض النُحاةِ و واللُّغويين الذين رأَوا أنَّ البديعَ مُتكلِّفٌ، وهذا التكلُّف يُذهبُ ببهاءِ الشعر وصفاء الكلمات وسحر الموهبة، وهذا عندهم أمرٌ مذموم.

المذهب الثاني : استحسنَ أصحابُ هذا المذهب استخدامَ فنون البديعِ في الشعرِ، وأكثروا من ذلك، فقد رأوا أنَّه يزيدُ أشعارَهم رونقًا ودلالًا، فأسرفوا فيه حتى أثقلوا النصَّ الأدبيّ وحمّلوه مالا يحتمل.

المذهب الثالث : وهو مذهب ابن المعتز وأصحابه، وهو عَينُ مذهب الجاحظ الذي بيَّنه في كتابه البيان والتبيين، وهو المذهب الوسط، بحيث يعتبرون فنونَ البديعِ شأنها شأن “المِلح في الطعامِ” بغيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ، وماعدا ذلك فهو تكلُّف خارجٌ عن الطبعِ والإلهامِ[5].

الجاحظ الأديب المتهكم اللاذع والفيلسوف المعتزلي و ابن المعتز
الجاحظ.. الأديب والفيلسوف

مُؤلَّفاتُ ابن المعتز:-

تركَ ابن المعتز الكثيرَ من الكتبِ والمُؤلفاتِ والمُصنَّفاتِ التي كوَّنتْ تراثًا أدبيًا وبلاغيًا زاخرًا، فكانت نِبراسًا ومرجعًا ينهلْ منه المُريدين إلى يومِنا هذا ومنها:

  • الزّهرُ والرياضُ.
  • الجوارحُ والصَّيدُ.
  • الآداب.
  • أشعارُ الملوكِ.
  • حُلى الأخبارِ.
  • الجامعُ في الغناءِ.
  • طبقاتُ الشعراءِ.
  • ديوانُ ابنُ المعتزِ.
  • البديع.

من مقولات ابن المعتز:-

  • البيان تُرْجُمان القُلوب، وصقيل العقول، وَمُجْلي الشُّبهة، وموجب الحِجة، والحاكم عند اختصام الظُّنون، والمفرِّق بينَ الشَّك واليقين، وخير البيان ما كان مصرِّحاً عن المعنى، ليسرع إلى الفهم تلقِّيه، أو موجَزاً ليخفَّ على اللَّفظ تعاطيه.
  • وَوَصَفَ المَكارِمَ قائلاً: ” لن تكسب – أعزَّكَ الله- المَحامِدَ، وتستوجِب الشَّرَف، إِلَّا بالحَمْل على النَّفسِ والحَال، والنُّهوض بحِمل الأثقال، وبذلِ الجاه والمال، ولو كانت المَكارِمُ تُنالُ بغيرِ مؤونة؛ لاشتَرَكَ فيها السفل والأحرار، وَتَسَاهَمَهَا الوُضعاء وذَوو الأخطار، ولكِنّ اللهَ تعالى خَصَّ الكُرَماء الذين جَعَلَهُم أهلَها، فخفَّفَ عليهِم حِملها وَسَوَّغهم فَضْلها وحَظَرَها على السَّفلة لصِغَرِ أقدارِهِم عَنها وَبُعْدِ طِباعِهم منها، ونُفورِها عنهُم واقَشِعْرارها مِنهم.

وقـالَتْ كَـبِرْتَ وانتُضيـتَ مِـن الصِّبَـا..

فقُـلْتُ لـهَا: مـا عِـشْتُ إلَّا لأَ كْـبَرَا

ابن المعتز.

وفاة ابن المعتز:-

ماتَ ابن المعتزِ مقتولًا على يد خادمه سنة 296 ھ، بعد أنْ بايعَه كبارُ أعيان بغداد من القَادةِ والقُضاةِ على الخلافة، وبقتله لم تستمرْ خلافَته سِوى يومٍ وليلة، وقد رثاه الكثيرُ من الشعراء ِ لِقدره ومكانتِه، لكنّ بصماته البلاغيّة والأدبيّة والنقديّة ستبقي حيةً لِتكونَ شاهدةً على أنَّ ابن المعتز العباسيّ كان فخرًا لِتُراثِنا العربيِّ.

وقال بعض الشُّعرَاء في مقتل ابن المعتز الذي جاء في وقتٍ عمَّ الناس الفوضى والاضطراب، في ظلِّ تَحَكُّم الأتراك في الخُلَفاء:

قتلُـــوهُ طُــلْمَــاً وَجَــــوْرَاً وَغَــــدْرَاً .. حيـنَ أهـدوْا حتفـاً مُرِيحَاً

نَضَّــــرَ اللهُ ذلكَ الـوَجْــــه وجْهَــــاً .. وسَــقَـــى الله ذلكَ الرُّوح روحا

أيُّهَـــا التُّـــرْكُ تُلَقَّــــون للدَّهْـــرِ .. سُـيُوفَــــاً لا تَستبِــلُّ الجَرِيحَـا

فاستعِـدُّوا للسَّيْفِ عــــاقِبَـــة الأَمْـــ .. ــرِ فقــد جئتُمُ فَعَالاً قبيحاً

المصادر:-

 [1] د. محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب ،2007

[2] عبد الله بن المعتز : البديع في البديع، دار الجيل 1990

[3] البلاغة تطوّر وتاريخ  ص 75

[4] ابن رشيق القيرواني/ العمدة/تحقيق محي الدين عبد الحميد/بيروت: دار الجيل 1934

[5] الجاحظ: البيان والتبيين، بيروت: دار ومكتبة الهلال 1423هـ

[6] ابن خلكان: وفيات الأعيان، 3/ 77,

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، جمع وتأليف المرحوم السيد أحمد الهاشمي.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى