علماء وفلاسفة

ابن اللبودي .. الطبيب والفلكي والرياضي و الأديب

اختصر وشرح كثيراً من كتب ابن سينا وحنين بن إسحاق

من هو ابن اللبودي ؟

ابن اللبودي هو يحيى بن عبدان بن عبد الواحد، نجم الدين الصاحب، الأديب والشاعر والحكيم والطبيب والفلكي والرياضي الحلبي الولادة والدمشقي النشأة والوفاة، وتخلل ذلك انتقاله لفترة  للديار المصرية.

ولد ابن اللبودي في مدينة حلب  سنة 607 هجرية (1210 م)، وقد قصد دمشق لأغراض التعلُّم من مشاهير الطِب فيها، وفيها بادر بتأسيس المدرسة اللبودية المختصة بالطب وذلك سنة 1246 م (644 هجرية)، كما انكَبَّ على التدريس والعلاج في البيمارستان النوري الكبير بدمشق.

وقبيل أن تواتيه المنية عام 1267 م؛ كان قد أوقف المدرسة اللبودية التي عند حمام الفلك بدمشق، وقد دُفِنَ في حرمها.

اتصاله بالملوك:-

خدم الْملك الظَّاهِر غياث الدّين غَازِي بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَأقَام عِنْده بحلب، وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الظَّاهِر سنة 613 هـ.

وقد اتصل ابن اللبودي بالملك المنصور صاحب حمص فاستوزره وفوَّض إليه أمور دولته، ثم انتقل إلى مصر (سنة 643 هـ) بعد وفاة المنصور، فأكرمه  الملك الصالح أيوب غَايَة الاكرام وَوَصله بجزيل الانعام وَجعله نَاظرا على الدِّيوَان بالاسكندرية وَله مِنْهُ الْمنزلَة الْعلية وَجعل مقرره فِي كل شهر ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة .

ثم عاد إلى دمشق فكان ناظراً على الديوان في جميع الأعمال الشامية حتى سنة 661 هـ.

ابن اللبودي أمضى الشطر الأكبر من حياته في دمشق.

حديث ابن أبي أصيبعة عن ابن اللبودي :-

وصف ابن أبي أصيبعة ؛ ابن اللبودي بكونه صاحب همَّة عالية، وفطرة سليمة، وذكاء مفرط، وحرص بالغ، إذ تميَّز في العلوم، متقناً الحِكمة، وصناعة الطب، مضيفاً “وصار قوياً في المُناظرة جيِّداً في الجدَل، يُعَد من الأئمة الذين يُقتدى بهم، والمشايخ الذين يُرجع إليهم.

وقال ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” : ” هُوَ الْحَكِيم الإِمَام الْعَالم الْكَبِير شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَبْدَانِ بن عبد الْوَاحِد بن اللبودي، عَلامَة وقته وَأفضل أهل زَمَانه فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَفِي علم الطِّبّ، سَافر من الشَّام إِلَى بِلَاد الْعَجم واشتغل هُنَاكَ بالحكمة على نجيب الدّين أسعد الْهَمدَانِي”.

وزاد ابن أصيبعة ” وقرأ (ابن اللبودي) صناعَة الطِّبّ على رجل من أكَابِر الْعلمَاء وأعيانهم فِي بِلَاد الْعَجم، كَانَ أَخذ الصِّنَاعَة عَن تلميذ لِابْنِ سهلان عَن السَّيِّد الأيلاقي مُحَمَّد..”.

شعره:-

ابن اللبودي صاحب شعر حسن، ومن ذلك قوله وهو عائد من مصر نحو الشَّام مروراً بمدينة الخليل حيث مثوى سيدنا إبراهيم عليه السلام:

لَــو أَن قســــا حَاضــــراً متمثــلاً … يَـوْمــــاً لديك حسبته هُوَ بَاقِل

هَل تقدر الفُصحاء يَوْماً أن يرَوا … وبيانهم عَن ذِي الْجلَال يناضل

وَبِك اقْتدى جُـلّ النَّبِيين الأولى … ولديك أضحت حجَّة وَدَلَائِل

أظهرت إبراهيم أسباب الْهدى … وَالْخَيْر وَالْمَعْرُوف أنت الْعَامِل

شيدت أركــــان الشَّــــرِيعَة مُعْلنا … ومقــرراً أن الإله الْفَاعِل

مَا زَالَ بَيْتك مهبط الْوَحْي الَّذِي … لجلالـه مقفر ربعك آهل

وبهرت فِي كُـــــل الأمــــور بمعجــز … مَــــا أَن يُخَالف فِيهِ يَوْمًا عَاقل

وَكَفــــاك يَوْم الْفَخــــر أَن مُحَمَّدًا … يَــوْم التناسب فِي النجار مواصل

مَـــا زلت تنقل للنبـوءة ســـــرها … حَتَّــى غَدا لمُحَمد هُوَ حَاصِل

فعليكمــا صلـــوَات رب لم يزل … يأتيكمـــا مِنْهُ ثَنَا وفواضل

وَقد التجأت إلى جنابك خــاضعــاً … متوسلا وَأَنا الْفَقِير السَّائِل

أرجوك تسْأَل لي لَدَى رب الْعلَا … غفران مَا قد كنت فِيهِ ازاول

وَأرى وَقد غفرت لَدَيْهِ خطيتي … وَبَلغت مقصودي وَمَا أَنا آمل

وَرجعــت مُنْـقَطِـعـــًا إلــى أبـــوابــه … لَا ألتقي عَن غَيره أَنا سَائل

وَلَقَد سَأَلت لكـــامل فِي جـــوده … يُعْطــي بِلَا من وَلَا هُوَ باخل

فحـقيقـــة أَنِّـــي بلغـت إرادتــي … سِيمَـــا وَأَنت لما سَأَلت الْحَامِل

وَقَالَ شعراً نظمه فِي الْقُدس الشريف عِنْد عوده من مصر:

أَلا يَا خَلِيل الله عِنْدِي صبَــابَــة … وشــوق إِلَى لقياك زَاد بهَا كربي

فَأَنت الَّذِي سننت للنَّاس مذهبا … فَكنت بِهِ الْهَادِي إِلَى السّنَن الرحب

وأوضحت فِي طرق النُّبُوَّة منهجاً … فـراح من الأشواق يَعْلُو على الشهب

بِمَا كنت مبديه من الْحجَـج الَّتِي … قـوين فَلَا يدفعن بالقدح والثلب

وَكَـــانَ بـودي لَو أَتَيْتُــك زَائِـــرًا … أعفـــر فِي مغناك خدي على الترب

وأقضي حقوقا وَاجِبَات لفضلكم … غَدَتْ لكم بِالْفَضْلِ فِي أفضل الْكتب

وأنهي مَا عِنْدِي من الوجد والأسى … وَمَا بَات من هم وَأصْبح فِي قلبِي

وَأَن اللَّيَالِــي قد رمتني بصــرفهـــا … بِمَـــا حطَّ من شأني وقلَّل من غربي

وَأَنت الَّذِي أرجوك فِي كُل شدَّة … لتكشف عني كل مستكره صَعب

وَتشفــع لــي عِنْد الْإِلَـــه فأنثنــــي … وَقـد فرج الرَّحْمَن مَا بِي من الْخطب

وَلَا سِيمَــــا وَالْعَبْد فِي شِيمَـــة الَّذِي … بِهِ شرفت كُل الْأَعَاجِم وَالْعرب

وَذَلِكَ خيــــر النَّــــاس أَعنِي مُحَمَّدًا … وَمــن كَانَ فِي الْأُمَرَاء فِي غَايَة الْقرب

وَمن كنتمــا ذخْـــرا لَهُ ووسيلة … وكنــزا عَظِيما رَاح فِي السّلم وَالْحَرب

فَــلَا عجبـــا أَن رَاح وَهُــــوَ مُسـلــم … مـن الْبَأْس وَالضَّرَّاء والعتب وَالسَّلب

وَغير بديــع أَن يرى غيـــر خَــــائِف … يبــات قريراً آمن الْقلب والسرب

فيا صَـــاحِبي طـرق النُّبُـــوَّة وَالْهدى … أقيلا عثاري شافعين إِلَى رَبِّي

فحسبكمـــا لي شـــافعــــان فإنني … لأعْلم أَن الله حِينَئِذٍ حسبي

مؤلفاته:-

مؤلفات عديدة في مجالات متنوعة تركها ابن اللبودي ، من أشهرها:

  • اللمعات في الحكمة.
  • آفاق الاستشراق ، وهو مؤلَّفٌ في الحكمة.
  • المناهج القدسية، مؤلَّفٌ في الحكمة أيضاً.
  • تحقيق المباحث الطبية.
  • غاية الغايات في المحتاج إليه من إقليدس والمتوسِّطات.
  • الرسالة الكاملة في علم الجبر والمقابلة.
  • الرسالة المنصورية في الأعداد الوقفية.
  • الزيج المقرب المبني على الرصد المجرب.
  • إيضاح الرأي السَّخيف من كلام الموفق عبد اللطيف.
  • نزهة الناظر في المثل السَّائر.
  • كافية الحساب .
  • مقالة في البرشعثا.
  • اختصر وشرح كثيراً من كتب ابن سينا وحنين بن إسحاق.
ابن اللبودي عاصر عدداً من كبار الأطباء.

اقرأ أيضاً: البيمارستان النوري في دمشق .. أحد أبرز تجليات تقدم المسلمين في المجال الطبي

المصادر:-

  • عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ابن أبي أصيبعة.
  • الأعلام، الزركلي.
  • الطب في مصر وبلاد الشَّام في العصر المملوكي، كعدان والصغير.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى