أعلام

ابن الكيزاني .. الواعظ والأديب والشاعر

كان زاهداً ورعاً عابداً قنوعاً من الدنيا باليسير

الأديب ابن الكيزاني:-

محمد بن إبراهيم بن ثابت بن إبراهيم بن فرح، أبو عبد الله المصري المقرئ، الواعظ والأديب والشاعر المصري، أحد شعراء مصر في النصف الأول من القرن السادس الهجري، المعروف باسم “ابن الكيزاني”، والكِيْزَانِي نسبة إلى عمل الكِيْزَان وبيعها، حيث كان أحد أجداده يصنع الكُوْز، فنُسِبَ إليه.

كان محمد بن إبراهيم بن ثابت زاهداً ورعاً عابداً قنوعاً من الدنيا باليسير، تصوَّف ونُسِبَت إليه طائفة “الكيزانية“، وهي من الطوائف المتصوفة بمصر.
أخذ عنه نصر بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن علي بن الحسين النحوي.

شعر ابن الكيزاني:-

يعتبر ابن الكيزاني من شعراء الحب الإلهي وما يتصل به من الأحوال والمقامات، قال عماد الدين الكاتب: “له ديوان شعر يتهافت الناس على تحصيله وتعظيمه وتبجيله؛ لما أودع فيه من المعنى الدقيق، واللفظ الرشيق، والوزن الموافق، والوعظ اللائق، والتذكير الرائع الرائق، والقافية القافية آثار الحكم، والكلمة الكاشفة أسرار الكرم”.

للشاعر محمد بن إبراهيم بن ثابت ديوان شعري أكثره في الزهد والوعظ؛ منه قوله:

وإذا لاق بالمحــــبِّ غرامُ

فكذا الوصلُ بالحبيبِ يليقُ

اشتهر الأديب ابن الكيزاني بورعه وصلاحه وزهده
اشتهر الأديب ابن الكيزاني بورعه وصلاحه وزهده

والكِيْزَاني مثله مثل شعراء الحب الإلهي جميعاً، الذين رفعوا كل الحواجز بينهم وبين أصحاب الغزل العذري، معبرين بما في غزلهم من حسية واضحة عن رموزٍ ومعانٍ صوفية، فنراه يقول:

يا ضنى جسمي تحكَّم أو فدع
عــــنَّفُوني والهـــوى يغلبُـــنِي
سألــوني: هل يوافي طيــــفها

ليس في السُّلوان عن ليلى طمع
وأطالوا العتبَ لو كــــان نفــــــع
إنَّما يعلــــم هــــذا من هجــــــع

ودائماً نجد عند ابن الكيزاني هذه اللوعة ونارها التي توشك أن تحرق قلبه، إنه ليس حباً فقط، بل هو حب ومحنة، وسعادة وعذاب، وهو راضٍ بذلك كل الرضا، لا يطلب لحبِّه دواءً ولا شفاءً، فيقول:

اصْرِفوا عنِّي طَبِيــــبي
عَلِّلــــوا قلبي بذكــــرا
طابَ هَتْكي في هـــواهُ
لا أُبالي بفَـوَات النَّفْـــ
ليسَ مَنْ لامَ وإن أَطْــ
جَسَدي راضٍ بسُقْمي


وَدَعُوني وَحَبيــبي
هُ فقد زادَ لهـــيبي
بَيْنَ وَاشٍ ورقـــيبِ
ـسِ ما دامَ نصيبي
ـنَبَ فيه بمُصـــيبِ
وَجُفُوني بنَحـــيبي

ودائماً يتعلق ابن الكيزاني بخيطٍ من الأمل في مشاهدة محبوبه، ونوره يتألق له ولا يراه، ويبحث عنه بين الأطلال، ويسأل عنه العيس، وهي ملحة في المسير، لتلتفت إليه، وهو هائم على وجهه غارق في دموعه، ونار الحب تتقد في أحشائه، يقول:

يَا مَنْ يَتِيه عَلَى الزَّمَان بِحُســــنهِ
أَضحَى يَخَاف عَلَى احترَاقِ فُؤَاده

اعْطِفْ عَلَى الصَّبِّ المَشُوق التَّائِهِ
أَســــفاً لأَنَّك مِنْــــهُ فِي سَودَائِــــهِ

وتبوح من أشعاره روائح الحِكَم والمواعظِ، فنسمعه يقول في حفظ السر:

أَسْعَدُ النَّاسِ مَنْ يُكاتِمُ سِرَّهْ
إنَّما يُعْـــرَفُ اللَّبيــــبُ إذا ما
إن يجــد مَرَّةً حلاوةَ شكــــوا

ويرى بَذْلَهُ عليــــه مَعَــــرَّهْ
حَفِظ السِّرَّ عَنْ أخيهِ فَسَرَّهُ
هُ سيلقى نَدامَةً ألفَ مَــــرَّه

أقوال العلماء فيه:

  • قال ابن خَلِّكان: “في شعره أشياء حسنة”.
  • قال يوسف بن تَغْري بَرْدي: “للكِيْزَانِي كلام في علم الطريق، ولسان حلو في الوعظ، وكان للناس فيه محبةٌ، ولكلامه تأثيرٌ في القلوب”.
  • قال عنه الإمام الذهبي: “الإمام، المقرئ، الزاهد، الأثري … له تلامذةٌ وأصحابٌ، وله شعرٌ كثير مدونٌ، وكلامٌ في السنة”.
  • قال عماد الدين الكاتب: “فقيهٌ واعظٌ مُذكِّر،ٌ حسن العبارة، مليح الإشارة، لكلامه رِقَّة وطَلاوة، ولِنَظْمِه عُذوبةٌ وحلاوةٌ، مصري الدار، عالم بالأصول والفروع، عالم بالمعقول والمشروع، مشهود له بألسنة القَبول، مشهور بالتحقيق في علم الأصول، وكان ذا رواية ودراية بعلم الحديث”.

وفاته:-

توفي الشاعر الصوفي ابن الكيزاني في مصر، ليلة الثلاثاء، 9 ربيع الأول، وقيل: في شهر محرم، سنة 562هـ، ودُفِنَ بالقرب من قبة الإمام الشافعي بالقرافة الصغرى، ثم نُقِلَ إلى سفح الْمُقَطَّم بقرب الحوض المعروف بأم مودود، وقبره مشهور هناك يزار.

قال أبو الْمُظَفَّرِ سِبْطُ ابن الجوزي: “كان يقول: أفعال العباد قديمة، وبينه وبين أهل بلده نزاعٌ، وكان قد دُفِنَ عند ضريح الشافعي، فتعصب عليه الخُبُوْشَانِيّ، ونبشه، وقال: هذا حَشَوِيٌّ لا يكون عند الإمام، ودُفِنَ في موضع آخر”.


المصادر:

  • الأعلام (5/296).
  • خريدة القصر وجريدة العصر (2/723).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (7/353).
  • سير أعلام النبلاء (20/454/رقم 290).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (5/367).
  • الوافي بالوفيات (1/257).
  • وفيات الأعيان (4/461/رقم 678).
  • Image by Heather Plew from Pixabay
  • Photo by Mohammed Hassan on Unsplash
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق