أعلام

ابن الكلبي .. النسابة العالم بأخبار العرب

صاحب عقلية راجحة وفطنة عجيبة وذكاء حاد

ابن الكلبي:

هو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي ويقال له ابن الكلبي ، كان عالماً بالنسب وأخبار العرب وأيامها ووقائعها ومثالبها، أخذ جل علمه عن أبيه محمد بن السائب.

ولد ابن الكلبي المؤرخ في الكوفة، ولا يعرف تاريخ مولده، ولكنه عاش في القرن الثاني للهجرة.

نشأته:

نشأ ابن الكلبي في بيت علم حيث كان والده أبو النضر محمد بن السائب من علماء الكوفة بالتفسير والأخبار، وأيام الناس، ويتقدم الناس بالعلم بالأنساب.

الإدريسي يصف الكوفة بعد قرون من وفاة ابن الكلبي
الإدريسي يصف الكوفة بعد قرون من وفاة ابن الكلبي

ويذكر ابن النديم أن سليمان بن علي أقدم محمد بن السائب من الكوفة إلى البصرة وأجلسه في داره، يملي على الناس تفسير القرآن حتى بلغ إلى آية سورة براءة ففسرها على خلاف ما كان يُعرف، فقالوا: “لا نكتب هذا التفسير” فقال محمد: “والله لا أمليت حرفاً حتى يكتب تفسي هذه الآية على ما أنزل الله”. فرفع ذلك إلى سليمان بن علي، فقال: “اكتبوا كما يقول ودعوا سوى ذلك”.

هذه الرواية وأمثالها تدل دلالة قاطعة على مبلغ علم والد هشام وخبرته، وتكشف عن باع طويل لا يشق له غبار، ويظهر أنه كان عالماً بصيراً بالأنساب، وبتتبع أصولها وترتيب فروعها، ومبعث تفوقه أنه كان يأخذ معلوماته وأخباره من أفواه الرجال ونساب القبائل مشافهة.

مزايا وسمات خاصة:-

فلا عجب أن يرث هشام والده في هذا الطريق الواسع، وأن يتتبع خطاه بعد أن مهَّد له كل شيء وهيأ له أسبابه.

فإذا أضفنا إلى كل ذلك عقلية هشام الراجحة، وفطنته العجيبة، وذكاءه الحاد؛ أدركنا سر ذلك النبوغ، وعظمة تلك الشخصية الفريدة.

وقد هوجم الكلبي من قبل بعض أبرز الشخصيات، وهذا الهجوم مرتبط بأمرين، أولهما قولهم إنه يورد الأساطير والروايات القديمة في كتبه، وثانيهما لقولهم إنه مغالٍ في تشيُعهِ.

  • لذا، نجد أن السمعاني يقول هنا عن ابن الكلبي : “إنه يروي الغرائب والعجائب والأخبار التي لا أصول لها”، كما قال عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : “من يُحدِّث عن هشام، إنما هو صاحب سمر ونسب، ما ظننتُ أحداً يُحدِّث عنه”.
  • فقد وصفه ابن النديم بقوله: “إنه عالم بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثاليها ووقائعها”.
  • روى الجاحظ عن بعضهم أن هشام بن الكلبي كان يأكل الناس أكلاً، وكان علَّامة نسَّابة، وراوية للمثالب عيابة..”.
الجاحظ الأديب المتهكم اللاذع والفيلسوف المعتزلي تحدث عن ابن الكلبي
الجاحظ.. الأديب والفيلسوف .. تحدث عن ابن الكلبي
  • قال إسحاق الموصلي: كنتُ إذا رأيتُ ثلاثة يرونَ ثلاثة يدنون (يذوبون)، إذا رأى الهيثم بن عدي هشاماً الكلبي، وعلوية إذا رأى مخارقاً، وأبان نوَّاس إذا رأى أبا العتاهية”.
  • قال عنه ياقوت الحموي: ” ولله در ابن الكلبي! ما تنازع العلماء في شيء من أمور العرب، إلا وكان قوله أقوى حجة، وهو مع ذلك مظلوم وبالقوراض مكلوم”.
  • يذكر ابن خِلِّكان ” أن هشاماً يعد في الحُفَّاظ المشاهير، وأنه أعلم النَّاس بعلم الأنساب”.

آراء المؤرخين المعاصرين فيه:-

  • هو ركنٌ من أركان النَّهضةِ الشَّرقية، وأساطينِ العلم، وصناديدِ العِرفان، أيامَ كانت الحَضارة الإسلامية بالغةً ذلكَ الشأؤ البعيد، وذلكَ الصيتِ الباقي على توالي الأيام، بحسبِ ما وصفهُ أحمد زكي في مقدمته لكتاب “الأصنام” للكلبي.
  • “هو بمثابة مدرسة علمية واسعة الأبواب، مشرَّعة المداخل، فهو الحُجَّة في كُلِّ فَن، وهو الصَّدر لكل وارِد، فهو العالِم والمؤرِّخ والنسَّاب، فما من كتابٍ في تاريخ العرب والإسلام إلَّا ولهشام فيه قدحٌ مُعَلَّى، وما مِن عِلمٍ من عُلومِ عَصرِهِ إلَّا ولَهُ فيه باعٌ طويل، فالطَّبري والبلاذري والمسعودي وأضرابهم يعتمدون عليه”، ذلك هو قول الدكتور ناجي حسن محقق كتاب “جمهرة النَّسب” في الكلبي.
  • قال عنه المؤرخ العراقي الشهير جواد علي : “وحَسبُكَ أن كتاباً كتاريخ الأُمم والملوك للطبري لا يلتقط أخبار هشام ابن الكلبي ورواياته فحسب، بل أَنَّ تاريخَ العَرب قبل الإسلام فيه أكثره من أقوال هِشام بن الكلبي، وفي الأخص القِسم العراقي منه، حيث ينفردُ فيه ابن الكلبي بالرواية”.

شيوخ ابن الكلبي:

تعلَّم هشام في بدايته من أبيه وأغلب علومه منه، ولكنه قد درس على غيره من العلماء والأكابر مثل محمد بن حبيب ومجاهد بن سعيد.

وكانت البصرة والكوفة في هذا الوقت من مراكز العلم حيث يذهب إليها العديد من طلبة العلم والعلماء من أجل المعرفة والثقافة من كافة بقاء الأرض، كما أنه نسب إلى البصرة والكوفة أعداد كبيرة من أهل اللغة والشعراء، والنحو فمنهم في القرن الثاني ممن عاصرهم ابن الكلبي في مدينة الكوفة مثل: الفراء (ت207هـ)، والقاسم بن معن، قاضي الكوفة (ت175هـ)، وهشام بن معاوية (ت209هـ) وغيرهم كثير.

الرحالة الإصطخري يصف مدينة البصرة التي ولد فيها قطرب
الرحالة الإصطخري يصف مدينة البصرة

تلاميذ ابن الكلبي:

له العديد من طلبة العلم وممن روى عنه ومنهم:

  • ابنه العباس فقد روى عنه.
  • أبو الأشعث أحمد بن المقدم.
  • محمد بن أبي السري البغدادي.
  • محمد بن حبيب.
  • محمد بن سعد الزهري كاتب الواقدي.

مؤلفات ابن الكلبي:

لابن الكلبي مؤلفات كثيرة قد تجاوزت مؤلفاته نيفاً ومائة وخمسين كتاباً، وأغلبها في الأخبار والأنساب والتاريخ، ذكر منها ابن النديم في الفهرست ما يقارب من ثلاثين مصنفاً في الأخبار.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، صاحب كتابي “معجم البلدان” و” معجم الأدباء”.

وذكر له ياقوت الحموي في “معجم الأدباء” العديد من مصنفاته ومن تلك المؤلفات ما يلي:

مؤلفات في الأحلاف:

  • كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة.
  • كتاب حلف الفضول وقصة الغزال.
  • كتاب حلف كلب وتميم.
  • كتاب حلف أسلم وقريش.

مؤلفات في المآثر والبيوتات:

  • المناظرات.
  • بيوتات قريش.
  • فضائل قيس.
  • بيوتات ربيعة.
  • شرف قصيِّ بن كلاب وولده في الجاهلية والإسلام.

وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة ولكن أشهر تلك المؤلفات لابن الكلبي هي:

  1. الأصنام: والتي يعتبر مما سبق ابن الكلبي في الكتابة فيها وأفرد لها مصنف خاص بها.
  2. أنساب الخيل.
  3. نسب معد واليمن الكبير.
  4. جمهرة الأنساب: ويعتبر من أفضل مؤلفاته على الاطلاق وأشهرها.

مثال لرواية أوردها هشام الكلبي:-

قال هشام الكلبي: تزوَّجَ مُرتِع بن معاوية بن ثور -وثور هو كِندِي وإليه تَنتسِب كِندة- امرأة من حضرموت، واشترطَ أبوها عليه أن لا يتزوج سواها، وأن لا تلِدَ إلَّا في دار قوامها، فلم يَفِ مُرتْع بشرطه.

فتحاكموا إلى الأفعى بن الحصين الجرهمي، ويقال: إنه الأفعى بن الحصين بن تميم بن رهم بن مرة بن أدد بن يشجُب بن عريب بن زيد بن كَهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرُب بن قحطان، وكانت العرب تتحاكم إليه، وثبتوا عنده الشَّرط الذي كان شرط.

فقال الأفعى: ” الشرط أملكُ”. وهو أول من قالها، فأخذ الحضرميون المرأة وابنها من مُرتْع ، واسمه مالك، فقال مُرتْع: أما مالك؛ ابني، فصدفَ عنَّي، فسُمى الصَّدف، فمَن كانَ من وَلَد مالك الصدف بن مُرتْع ببلاد حضرموت، فهم ينسبون إلى كِندة، ومن كان بالكوفة؛ فهُم يُنسبون إلى حضرموت.

وفاة ابن الكلبي:

تُوفِّي هشام بن الكلبي في خلافة المأمون بن هارون الرشيد، وذلك سنة (204هـ) وقيل إنه توفي في سنة 206هـ. وما ذكرناه هو الأصح.

مراجع ترجمته:-

  • ابن النديم ، الفهرست 107.
  • ياقوت الحموي: معجم الأدباء 7/250.
  • تاريخ الإسلام للذهبي.
  • سير أعلام النبلاء للذهبي.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، تحقيق: محمد سعيد العريان.
  • أنساب الأشراف للواقدي.
  • جمهرة النسب، تحقيق ناجي حسن.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى