أعلام

ابن الفرضي .. الفقيه الراوية الأديب الفصيح

لم يُرَ مثله بقرطبة في سعة الرواية وحفظ الحديث ومعرفة الرجال والافتنان في العلوم

اسمه:-

هو أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي القرطبي المعروف ” ابن الفرضي “.

ذكره في ترجمة أبي الأصبغ عيسى بن أحمد بن محمد بن حارث من كتابه هذا أنه كان لدته، وقال: “مولده ومولدي سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة، ومولدي منها ليلة الثلاثاء لتسعة أيام باقية من ذي القعدة، وجدت ذلك بخط أبي رحمه الله، وأخبرني به غير مرة”.

مولده:-

ولد بقرطبة لأسرة كانت قد انتقلت إليها من إستجة أيام جدَّه يسوف بن نصر، قال في ترجمة جده يوسف بن نصر الأزدي: “من أهل قرطبة، يكنى أبا عمر، أصله من إستجة وتحول عنها زمن الفتنة”.

وذَكَرَ بعض أهلي أن نصراً قتل في النائرة التي كانت بين المولدة والعرب بإستجة، فتحول يوسف منها صغيراً”. 

أسرته:-

الظاهر أن عائلته لم تكن من العوائل العلمية المعروفة، فهو لم يترجم لوالد جده نصر، مما يدل على أنه لم يكن من أهل العلم، كما أنه ترجم لجده يوسف على استحياء إذ قال في ترجمته: «وكان رجلاً صالحاً لم يتلبس بشيء من الدنيا، وكان ربما شاهد بعض مجالس أهل العلم، وكان العمل أغلب عليه، وكان طويل الصمت.

وحدَّثنا عنه أنه كَان إذا صلى الصبح لم يتكلَّم في شيء حتى يقرأ (قل هو الله أحد) ألف مرة، لترغيب بلغه في ذلك، وكان لا يتنقل في المسجد”.

ابن حوقل واصفاً الأندلس

كما أنه لم يترجم لوالده، لأنه كما يظهر لم يكن من أهل العلم، مع أنه ذكره عرضا في كتابه، ومن ثم فقد جمع ابن الأبار بعض النتف المتعلقة به وعمل منها ترجمة له، فقال: “محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، والد أبي الوليد ابن الفرضي، من أهل قرطبة، وأبوه يوسف انتقل إليها من إستجة”.

سمع من أحمد بن خالد، وأخذ عن حباب بن عبادة الفرضي، وغلب عليه علم الفرض والحساب فنسب إليه وعرف به. حکی عنه ابنه في «التاريخ» وأتي بخبره تفاريق فجمعتها، وقال: توفي بطليطلة في عقب جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاث مئة، وصلى عليه فتح بن أصبغ الزاهد المعروف بابن تاكلة”.

طلب ابن الفرضي للعلم:-

لا شك أن ابن الفرضي تعلم القراءة والكتابة، وقرأ القرآن في صِغره على ما اعتاده الناس يومئذ، ثم بدأ بطلب العلم سنة 366هـ وهو في الخامسة عشرة من عمره، حيث ذكر هو ذلك في ترجمة شيخه يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي المتوفي سنة 367 هـ، قال: «اختلفت إليه في سماع «الموطأ» سنة ست وستين.

وكانت الدولة فيه في أيام الجمع بالغدوات، فتم لي سماعه منه، وسمعت منه كتاب «التفسير» لعبد الله بن نافع، ولم أشهد بقرطبة مجلساً أكثر بشراً من مجلسنا في «الموطأ»، إلا ما كان من بعض مجالس يحيى بن مالك بن عائذ، ولم أسمع منه غير «الموطأ» و«التفسير».

وفي هذا العام كان بدء سماعي، ثم شغلني النظر في العربية عن مواصلة الطلب إلى سنة تسع وستين، ومن هذا التاريخ اتصل سماعي من الشيوخ».

كان أول سماع ابن الفرضي في قرطبة، ثم بدأ يتابع الشيوخ في المدن الأندلسية، فأكثر عن الشيوخ كما دل على ذلك تصريحه في العديد من شيوخه الذين ترجم لهم في كتابه.

رحلات ابن الفرضي وشيوخه:-

وفي سنة 382 هـ توجه إلى المشرق لأداء فريضة الحج، فحج عامئذ، وبقي أكثر سنة 383 هـ في المشرق، فسمع بمكة من أبي يعقوب يوسف بن أحمد بن الدخيل المكي، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن جهضم وغيرهما.

ابن الفرضي
الحرم المكي الشريف في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس

وأخذ بمصر عن أبي بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل البناء، وأبي الفتح بن سیبخت، وأبي محمد الحسن بن
إسماعيل الضراب وغيرهم. وأخذ بالقيروان عن أبي محمد بن أبي زيد الفقيه، وأبي جعفر أحمد بن دحمون،
وأحمد بن نصر الداودي وغيرهم.

وحين عاد إلى قرطبة من رحلة حجه؛ كان قد جمع علماً كثيراً، مكنه من البدء بالتصنيف، فألف في أخبار
شعراء الأندلس، وفي المؤتلف والمختلف، وفي مشتبه النسبة، وكتباً أخرى لم يبق منها سوى كتاب واحد.

منزلته العلمية :-

حدث عنه رفيقه وصديقه الحافظ أبو عمر بن عبد البر المتوفى سنة هـ 463 وقال عنه: «كان فقيهاً عالما في
جميع فنون العلم؛ في الحديث، وعلم الرجال، وله تواليف حسان.

وكان صاحبي ونظيري أخذت معه عن أكثر شيوخه، وأدرك من الشيوخ ما لم أدركه أنا، كان بيني وبينه في
السن نحو من خمس عشرة سنة، صحبته قديماً وحديثاً، وكان حسن الصحبة والمعاشرة حسن اللقاء …
وحضرت جنازته».

وحدث عنه أبو عبد الله الخولاني وقال فيه: “كان من أهل العلم، جلياً ومقدماً في الآداب، نبيلاً مشهوراً
بذلك … وغني بالعلم، وكان قائماً به نافذاً فيه”.

ووصفه أبو مروان ابن حيان بأنه: «الفقيه الراوية الأديب الفصيح»، وقال: «ولم ير مثله بقرطبة في سعة
الرواية وحفظ الحديث ومعرفة الرجال والافتنان في العلوم، إلى الأدب البارع والفصاحة المطبوعة، قل ما
كان يلحن في جميع كلامه من غير حوشية مع حضور الشاهد والمثل.

وكان جماعةً للكتب فجمع منها أكثر ما جمعه أحد من عظماء البلد، وتقلد قراءة الكتب بعهد العامرية،
واستقضاه محمد المهدي بكورة بلنسية، وكان ممن الشعر والبلاغة والخط.

وقال فيه الإمام الذهبي: “الإمام الحافظ البارع الثقة”

ابن كثير أشاد ب ابن الفرضي .
ابن كثير أشاد بابن الفرضي.

وقال ابن كثير: “كان علَّامة زمانه”.

وذكره ابن بسام ضمن الشعراء في الذخيرة، وقال: “شاعر مقل، وهو في العلماء أدخل منه في الشعراء،
ولكنه حسن النظام، مقترن الكلام”.

وفاة ابن الفرضي:-

نقل الحميدي عن شيخه أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الفقيه المشهور، قال: «أخبرني أبو الوليد ابن
الفرضي ، قال: تعلقت بأستار الكعبة وسألت الله الشهادة، ثم انحرفت وفكرت في هول القتل فندمت،
وهممت أن أرجع فأستقبل الله ذلك فاستحييت».

 وقد استجاب الله دعوته فكان ممن قتل يوم دخول البربر قرطبة في يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة
403 هـ، قال أبو مروان ابن حيان: «كان ممن قتل يوم فتح قرطبة وذلك يوم الاثنين لست خلون من شوال
سنة ثلاث وأربع مئة الفقيه الراوية الأديب الفصيح أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف
بابن الفرضي، أصيب هذا اليوم، ووري متغيراً من غير غسل ولا كفن ولا صلاة بمقبرة مومرة إلى أيام من
قتله».

ابن حزم الأندلسي يتحدث عن ابن الفرضي

قال ابن حزم: «فأخبرني من راه بين القتلى فدنا منه فسمعه يقول بصوت ضعيف، وهو في آخر رمق: «لا
يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون
الدم، والريح ريح المسك»، كأنه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك، ثم قضى نحبه على إثر ذلك».

المصادر:-

جوة المقتبس (537)، وعنه ابن بسام في الذخيرة 1/470، وابن خاقان في مطمح الأنفس 57، وابن بشكوال في الصلة (571)، وابن خلكان في وفيات الأعيان 3/105، وابن سعيد في المغرب 1/ 103، والذهبي في تاريخ الإسلام 9/ 59، وسير أعلام النبلاء 17/ 177، وتذكرة الحفاظ 3/1076، العبر 3/ 85.

Image by Gerhard Bögner from Pixabay 

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى