أعلام

ابن الفارض الشاعر المتصوف … سلطان العاشقين

قال عنه جبران: كان يغمض عينيه عن الدنيا ليرى ما وراء الدنيا

من هو ابن الفارض؟

هو عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، له أكثر من لقب، فهو أبو القاسم وأبو حفص وشرف الدين، وُلد ابن الفارض بمصر في القرن السادس الهجري  سنة 576ھـ، وفَدَ أبوه من حماة بسورية إلى مصر وعاش بها، ولُقب بالفارض لأنه كان يُثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحاكم آنذاك.

كان ابن الفارض قُطبًا من أقطاب الصوفية، شأنه شأن ابن عربي في الأندلس، وجلال الدين الرومي في أطراف تركيا (قونية)، وكان شاعرًا بارزًا قدّم شعرًا صوفيًا لم يُنظم مثله قطّ، وقد عاصر فترة حكم القائد الإسلامي البارز صلاح الدين الأيوبي، وكان شاهدًا على انتصاراته العسكرية.

وبالنَّظر إلى المصادر التي تناولت سيرة حياته بالتفصيل نجدها قليلة الوجود؛ ويُرجع المؤرخون ذلك لتركيز الاهتمام على إنتاجه الشعري الفريد أكثر من تناول شؤون حياته، كما أن طبيعة حياة الانعزال التي فرضها على نفسه لسنوات كانت سببًا آخر لذلك.

ابن الفارض عاش في مصر

خصائص شعر ابن الفارض :-

 أشعار ابن الفارض قادمة من عالم آخر، تخرج من الأعماق لِتقطن الأعماق، وغالبية أشعاره مبنية على الرمز، و الكثير من التمليح دون التصريح، والدلالات المعقدة والفلسفية، ما جعل فريق من العلماء يشكك في إسلامه وسلامة عقيدته، واعتبروا أشعاره حيودًا عن المنهج الإسلامي الصحيح.

وقد دفع هذا الهجوم الإمام جلال الدين السيوطي لتأليف كتابه “قمع المعارض في نصرة ابن الفارض”، للدِّفاع عن ابن الفارض، وفيه رد على من يشكك في عقيدته، وفيه رأي الفقيه في أشعار ابن الفارض التي يقول عنها السيوطي: إن شعره دليل على تبحره في حفظ اللغات وجمعه منها للشتات، وأما الجناسات وأنواع البديع فكَمرّ السيل وكجرّ الذيل.

 ويغلب على شعره النزعة الصوفية، والزخرفة اللغوية، مما يتطلب لفهم القصيدة الكثير من التفكير والتحليل العميقين، للوقوف على معناها المجازي واللغوي، كما تتجلى في أشعاره القدرة الفريدة على نظم إيقاع القصيدة وهو ما يغلب على معظم أشعار الصوفية.

ابن الفارض وقصيدته التائية الكبرى:-

كانت قصيدة ابن الفارض التائية الكبرى من أشهر ما كتب من أشعار في العشق الإلهي وأشهر أشعار الصوفية على الإطلاق، أسماها نظْم السلوك، وهي قصيدة مُطولة في واحد وستين وسبعمائة بيت، بدأها بالحب الإلهي، واختتمها به، لكنه حرص على تضمين أشهر عقائد مُتطرفي الصوفية في أبياتها، والتي تخالف عقيدة الإسلام مما عرضه للكثير من النقد والاتهام في عقيدته، ومنها:

● وحدة الوجود: ذلك المذهب الفلسفي الذي يقول بأن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وأن الله – تعالى عن ذلك – هو صورة هذا الوجود.
● الحُلول: ومعناه أن الله تعالى يحلّ في بعض مخلوقاته.
● الاتحاد: ومعناه أن الخالق يتحد بالمخلوق، وأن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى، ليس وجودها غيره ولا شيء سواه.

 يقول في مَطلع تائيته:

سقتني حميَّا الحبِّ راحةُ مقلتي.. وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْــتُ صَـحبي أنّ شُـرْبَ شَرَابهِـم .. بــهِ سرُّ سرِّي في انتشائي بنظرةِ

وبالحـدقِ استغنيـــتُ عــنْ قدحــي .. ومـن شمائلها لا منْ شموليَ نشـوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتية.. بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي

وفيما يلي مقطع من أكثر مقاطع تائيته إثارة للجدل، يقول:

ولمْ ألـه باللّاهوت عن حكم مظهري.. ولمْ أنسَ بالنَّاسوت مظهر حكمتي

وقد جاءني مِنّي رســولٌ عليه مــا .. عنـتُ عزيزٌ بي حريص لرأفةِ

ومن عهدِ عهدي قبل عصر عناصري.. إلى دارِ بعث قبل إنذار بعثةِ

إلــيّ رســولًا كنــتُ مِنّـي مُــرســلا .. وذاتــي بآياتي علّي استدلتِ

يقول الشيخ عبد الرحمن الوكيل في شرحه لهذه الأبيات: “فابن الفارض يزعم هنا أنه منذ القدم كان الله، ثم تلبس بصورة النفس، فأرسل بصفته وجودًا متجردًا رسولًا إلى نفسه بصفته وجودًا مقيداً بالتعين، فهو الرسول، والمُرسِل والمُرسَل إليه، كان كذلك حتى وهو في غاية الأزل”.

آراء العلماء في ابن الفارض وشعره:-

  • قال الإمام الذهبي عن قصيدته التائية الكبرى :” فإن لم يكُن في تلك القصيدة صريح الاتحاد، الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال! اللهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى، فيا أئمة الدين؛ ألا تغضبون لله؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله”.
  • وقال الذهبي أيضا: ” ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة فتدبر نظمه ولا تستعجل، ولكنك حسن الظن بالصوفية، وما ثم إلا زي الصوفية، وإشارات مجملة، وتحت الزيّ والعبارة : فلسفة، وأفاعي! فقد نصحت، والله الموعد”.
  • قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ، بعد نقل كلام الذهبي: ” وقد كنتُ سألت شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني، عن ابن العربي، فبادر الجواب بأنه كافر، فسألته عن ابن الفارض فقال: لا أحب أن أتكلم فيه، قلت: فما الفرق بينهما والموضع واحد؟ وأنشدته من التائية، فقطع علي بعد إنشاد عدة أبيات، بقوله: هذا كفر، هذا كفر”.
  • واشتدّ ابن الجوزي – رحمه الله – في انتقاد الصوفية، وخصص لذلك جزءًا كبيرًا من كتابيه “صيد الخاطر”، و”تلبيس إبليس”، وانتقد تركهم للعلم وتنفير الناس منه بدعوى اكتفائهم بعلم البواطن،فالدين عندهم قلب ورب، فضَعف علمهم وفهمهم وخاضوا في الدين بخطأ وهذيان، واتبعوا مذاهب أهواءهم.
  • ويقارن جبران خليل جبران بين ابن الفارض وكبار شعراء التاريخ العربي فيقول: “لم يتناول ابن الفارض في مواضيعه مجريات يومه كما فعل المتنبي، ولم تشغله الحياة وأسرارها كما شغلت المعري، بل كان يغمض عينيه عن الدنيا ليرى ما وراء الدنيا، ويغلق أذنيه عن ضجة الأرض ليسمع أغاني اللانهاية”.
  • قال المنذري  في كتابه التكملة لوفيات النقلة : “كان قد جمع في شعره بين الحوالة والحلاوة، وقال الذهبي إلا أنه شابه بالاتحاد في ألذ عبارة وأرق استعارة، كفالوذج(حلواء) مسموم ثم أنشد من التائية التي سماها “نظم السلوك” أبياتًا منها:

لهــا صلــواتي بالمقـــام أقيمـهـا .. وأشهـد فيها أنها لي صلـت

كــلانا مصـل واحــد ســاجد إلـى.. حقيقتــه بالجمع في كل سجدة

ومنها:

وهــا أنا أبدي في اتحــادي مـبـدأي .. وأنهـى انتهائي في مواضع رفعتي

وفي موقفــي لا بل إلى توجـهـي .. ولكــن صلاتي لي ومني كعبتـي

ومنها:

ولا تـــك ممـن طـيشــة دروســه .. بحيــث استقلت عقله واستفـزت

فثم وراء العقــل علـم يـدق عـن .. مــدارك غايات العقول السلمـية

تلقـيتــه عنـي ومـنـي أخــذتـــه .. ونفســــي كانت من خطائي محيدتي

ومنها:

ومــا عقد الزنــار حكمــا سـوى يدي .. وان حل بالإقرار فهي أحـلـت

وإن خَرَّ للأحجــار في الله عاكــف .. فــلا بعد بالإنكار بالـعـصـبـية

وإن عبد النار المجوس وما أنطفت.. فما قصدوا غيري لأنوار عزتـي

مُختارات من أشعار ابن الفارض :-

قـلـبي يُـحدثُنــي بأنـك مُـتلفي .. روحـــي فِداك ، عرَفت أم لم تعرفِ

لم أقضِ حـق هــواكَ إن كنتَ الذي .. لـم أقـض فيه أسى ومثلي مَن يفي

مـا لي ســوى روحي وباذلُ نفســه .. فـي حب من يهواه ليس بمسرفِ

فـلئن رضـيتَ بهـــا فقـد أســعفتني .. يـا خيبة المسعى إذا لم تسعفِ !

يـامانعي طـيب المنـــام ومــانحي .. ثـوب الـسقام بـه ووَجدي المتلفِ

عـطفـــا على رمَــقي وما أبقيتَ لـي .. مـن جسمي المضنى وقـلبي المُدنفِ

فـالوجد بـاقٍ والوصال مماطلي.. والـصبر فانٍ والـلقاء مسوِّفي

لم أخلُ من حسدٍ عليكَ فلا تُضِع.. سهَري بتشنيع الخيالِ المُرجِفِ

واسأل نجوم الليل هل زار الكرى.. جَـفني وكيف يزور من لم يعرفِ

من شعره قوله:

لم أخل من حسد عليك فلا تضع.. سهري بتشنيع الخيال المرجف

واسأل نجوم الليل هل زار الكرى.. جفني؟ وكيف يزور من لم يعرف

أعد ذكــر من أهــوى ولــو بمـلام .. فـــإن أحاديث الحبيب مدامي

كـــأن عــذولــي بالوصــال مبشــري .. وإن كنت لم أطمع برد سلامي

طريـح جوى صب جريح جـــوارح .. قتيــل جفون بالدوام دوامي

وفاته:-

توفي ابن الفارض بمصر سنة 632 هـ، ودُفن بجوار جبل المقطم في مسجده المشهور.

ابن الفارض من بين الأعلام الكبار الذين أنجبتهم مصر

نشأة التّصوف:-

دخَلَ التَّصوف إلى مجتمع الإسلام في أواخر القرن الثاني الهجري، وذلك مع ازدهار حركة الترجمة للعلوم والثقافات اليونانية وغيرها إلى اللغة العربية، وخاصة علوم الفلسفة أو الحكمة اليونانية وغيرها، وكان لهذه الفلسفات القديمة الكثير من اللَّمسات التَّصوفية، فأُغرِم بها أقوام ابتدعوا لأنفسهم مصطلح الصوفيّة المُقتبس من اللسان اليونانيّ “سوفوس” أو “سافيس”، مع القليل من التحريف كما يحدث عادة في الترجمة، فأُقحم اللفظ بمضمونه في الدين الإسلاميّ.

وربما ويرجع ذلك لتعمق البعض في دراسة الفلسفات اليونانية قبل الاستفاضة في دراسة القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، فأخضعوا النصوص الإسلامية قَسرًا لهذه الفلسفات، التي نشأ حيالها آراء وأقوال ترفع من شأنها روحيَّاً أو تتهمها بالضَّلال.

تعرف أكثر على منارة الإسكندرية .. الأعجوبة التي لم يندثر ذكرها

المصادر:-

● شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، (22/ 368)،ميزان الإعتدال(3/215).
● ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان (6/125).
● ابن تيمية، مجموع الفتاوى (2/ 142) والاستقامة (1/ 113).
ابن خلكان، وفيات الأعيان، (1/383).
● الزركلي، الأعلام، (5/55).
● ابن عماد الحنبلي، شذرات الذهب،ج5، ص149-153.
● محمد بن إبراهيم الحمد، مصطلحات في كتب العقائد، ص(42 – 47 ).

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى