أعلام

ابن العميد… صاحب الوزارة والفصاحة والأدب

هو مع غزارة علمه؛ كان كثير التواضع قليل الكلام.

ابن العميد قبلة الشعراء، ومعلم الأدباء، وقاهر الأعداء، صاحب الوزارة والفصاحة والأدب، والعلم، والرسائل البديعة، الملقب بالجاحظ الثاني، فمن هو ابن العميد ؟ وما هو أسلوبه في الكتابة؟

اسمه ونشأته:-

هو أبو الفضل محمد بن حسين، وزير آل بويه، كان فارسي الأصل، من مدينة قم الواقعة في إيران حالياً.

لقد نشأ ابن العميد في بيت علم وأدب وكتابة، إذ كان أبوه من الكُتاب ذوي المكانة الكبيرة، حتى إن هناك من يرى أن والده لا يقل في البلاغة والفصاحة عنه، ولا في المهارات الكتابية، ولكن ذلك الرأي فيه ظلم لابن العميد، فقد تفوق كثيرًا على والده في الكتابة، وكثيرًا ما يتفوق التلميذ على معلمه.

ابن العميد.. لربما هو الاسم الأكثر لمعانا في المهارات الكتابية
ابن العميد.. لربما هو الاسم الأكثر لمعانا في المهارات الكتابية

علم غزير وثقافة واسعة:-

بالرغم من قلة المعلومات المتوفرة عن شيوخ ابن العميد؛ إلا أنه قد جمع الكثير من العلوم والمعارف؛ مما جعله يُلقب بالجاحظ الثاني، فقد كان حافظًا للشعر والغريب، والقرآن الكريم وعالمًا بالمشكل والمتشابه، والنحو والعروض، والاستعارات والتشبيهات.

ولم يقتصر نصيبه على العلم الشرعي واللغوي؛ بل لقد كان مرجعًا في علوم الفلسفة والمنطق والإلهيات، كما نبغ في العلوم الصعبة مثل: الحيل (الميكانيكية) والرياضيات والطبيعة، وغيرها من العلوم.

وهو مع غزارة علمه؛ كان كثير التواضع قليل الكلام.

مكانة:-

يعتبر أول عمداء الكتابة في العصر العباسي الثاني وأكبر كُتَّاب القرن الرابع الهجري، وأبرز وزراء هذا العصر ممن عمل بشؤون الدواوين.

هو من المطورين لأساليب الكتابة في هذا العصر الذي تحرَّى خلاله أن تكون جمله مسجوعة في صورة ملتزمة، وأن تكون الفقرة قصيرة في الغالب، محلاة بالمحسِّنات البديعية، ألفاظها مختارة رنَّانة، وجملها حسنة الرصف، جيدة السبك، مع الإكثار من تضمين جيِّد للأشعار، والاستشهاد بالأحاديث المناسبة المأثورة، والأمثال السائرة المشهورة بعد الاقتباس من القرآن الكريم.

وبفضل هذه الصناعة اللفظية؛ يميل بعض النقَّاد إلى تسمية طريقته بالشعر المنثور.

مدحُ الشعراءِ ابن العميد:-

لم يمدح الشعراء ابن العميد لمكانته كوزير فحسب، فالوزراء كُثر، ولكنهم مدحوه كوزير وأديب، وعالم، وشخص يمتاز بالفصاحة وحسن البيان، ومن هؤلاء أبي الطيب المتنبي، والصاحب بن عباد وغيرهم من الشعراء.

الشاعر الحكيم أبو الطيب المتنبي فارس الشعر العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة، واعتبره بعض علماء الأدب أشعر الإسلاميين
أبو الطيب المتنبي فارس الشعر العربي.

يقول المتنبي في قصيدة يمدحه فيها:

مَنْ مُبلِغُ الأعــــــــرابِ أنّي بَعْدَهــا .. جالَستُ رِسطالِيسَ وَالإسكَندَرَا

وَمَلِلْــــتُ نَحْرَ عِشـــــارِهَا فأضَافَني … مَنْ يَنحَرُ البِدَرَ النُّضَارَ لِمَنْ قرَى

وَسَمِعْــــتُ بَطــليموسَ دارِسَ كُتبِهِ … مُتَمَلّكـــاً مُتَبَدّياً مُتَحَضّـــــــــــرَا

وَلَقيتُ كُـــــلّ الفَاضِلِينَ كأنّمَــــــــا … رَدّ الإلهُ نُفُوسَـــــهُمْ وَالأعْصُـــــرَا

كما مدحه المتنبي بقصيدة أخرى منها:

عَرَبِيٌّ لِسَاْنُهُ، فَلْسَفِيٌّ .. رَأْيُهُ، فَاْرِسِيَّةٌ أَعْيَاْدُهُ

رسائل ابن العميد الكاتب:-

تمهيد:

الكتابة مثل فنون الأدب الأخرى، كانت في البداية معتمدة على الطبع، فالاستعارات والسجع والمحسنات البديعة كلها تجيء عفو الخاطر دون أن يتعمدها الكاتب، مثل كُتب الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كانت بليغة، ولكن الفاروق كان يكتب بطبيعته.

ثم بعد ذلك أصبحت الكتابة صنعة، فالكاتب يتعمد السجع والجناس والطباق والمقابلة وغيرها من المحسنات البديعية، وكذلك يعتني باختيار ألفاظه.

ثم ظهر مذهب آخر وهو التصنيع، وكأن الكاتب يقوم بوشي وتطريز ثوب، ويضع فيه الحلل.

فكان النثر في هذه المرحلة يشبه الشعر المنثور، ويعتبر ابن العميد من أهم رواد مذهب التصنيع في النثر العربي.

تصنيع ابن العميد:

إن الذي يرجع إلى كتب الأدب وآراء النقاد، يجد أن ابن العميد هو أستاذ مذهب التصنيع بلا منازع، وذلك لأن التصنيع عنده قد بلغ مرحلة من النضج والكمال، لم يصل إليها من قبله، ولذلك لقبوه بـ”الجاحظ الثاني”، وقال عنه الصاحب بن عباد :”بُدئت الكتابة بعبد الحميد، وخُتمت بابن العميد”.

قال عنه ابن مسكويه: “”كان أكتب أهل عصره، وأجمعهم لآلات الكتابة: حفظاً للُّغة والغريب، وتوسُّعاً في النحو والعروض، واهتداءً إلى الاشتقاق والاستعارات، وحفظاً للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلامي”.

الجاحظ الأديب المتهكم اللاذع والفيلسوف المعتزلي
الجاحظ.. الأديب والفيلسوف

وابن العميد مثل الرسام الذي يرسم لوحة فريدة، فيستعين بالمحسنات البديعية بصورة مميزة ومدروسة، وكأنما هي ألوان يلون بها النص، ليبدو في صورة زاهية.

وإذا تأملنا هذه الرسالة لابن العميد إلى ابن بلكا عند استعصائه على ركن الدولة البويهي (898-976 م) :

(كتابي وأنا مترجح بين طمع فيك ويأس منك، وإقبال عليك وإعراض عنك؛ فإنك تــُدِلُّ بسابق حرمة وتمُتُّ بسالف خدمة أيسرهما يوجب رعاية ويقتضي محافظة وعناية. ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية، وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويمحق كلَّ ما يرعى لك.

لا جرم أني وقفت بين ميل إليك وميل عليك. أقدم رجلا لصدمك، وأؤخر أخرى عن قصدك، وأبسط يدًا لاصطلامك، وأثني ثانية لاستبقائك واستصلاحك، وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك ضنًّا بالنعمة عندك، ومنافسة في الصنيعة لديك، وتأميلاً لفيئتك وانصرافك، ورجاءً لمراجعتك وانعطافك، فقد يعزب العقل ثم يؤوب، ويغرب اللب ثم يثوب، ويذهب الحزم ثم يعود، ويفسد العزم ثم يصلح، ويضاع الرأيُ ثم يُستدرك، ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثم يصفو. وكلُّ ضيقة إلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء.

النسج:

سنجد أن أسلوب ابن العميد يعتمد على استخدام السجع والجناس والطباق، والعناية باختيار الألفاظ، وكأنه متأثر بصناعة السجاد في إقليمه، فهو ينسج العبارات نسجًا مميزًا يدمج فيه بين الجناس والسجع والطباق، وكأن الكتابة عند ابن العميد تطريز خالص.

ففي هذا النص لا تخلو جملة من المحسنات البديعية؛ ومع ذلك نجدها تزيد النص حلاوة وجمالًا، وكأن كل لفظة أتت طوعًا في موضعها.

وإذا كان ابن العميد عالماً بالحيل؛ فقد استعمل الكثير منها ليصل إلى هذا الأسلوب البديع، فنراه يستخدم الجمل القصيرة عند سجعه، ولكن تارة يحتاج إلى جمل طويلة؛ وإذا طالت الجملة، فإنها تفقد الجرس الموسيقي المميز، فكيف يعالج هذه المشكلة؟

ابن العميد ذاع صيت رسائله حول المعمورة
ذاع صيت رسائله حول المعمورة

الجرس الموسيقي:

لقد استطاع ابن العميد التغلب على هذه المشكلة، فلم يُقصر الجمل ويضيع المعنى؛ ليحافظ على الجرس الموسيقي، ولم يترك الجملة الطويلة بلا جرس موسيقي.

لكنه قام بموازنة الكلمات ومعادلتها، ليصبح فيها نوع من التشابك، لتستعذبها الأذن، وتشعر براحة تجاه أصواتها.

وكذلك احتال ابن العميد على السجع فدمجه تارة بالجناس، وأخرى بالطباق، هذا إلى جانب إيضاح الفكرة بأكثر من طريقة، وكتابة العديد من الجمل التي تعبر عن نفس المعنى.

وهذا هو شأن الكاتب شديد التمكن من أدواته لا يضيع المعنى أو يبهمه من أجل المحسنات البديعية، ولا يتخلى عن المحسنات البديعية من أجل المعنى، وإنما يوازن بينهما فلا يطغى واحد منهما على الآخر.

لقد أثّر أسلوب ابن العميد في كثير من الكُتاب، وكان خطوة في تطور صناعة النثر العربي، كما ترك لنا ابن العميد تراثًا من الرسائل البديعة، ولهذا فقد استحق أن يلقب بالأستاذ والرئيس، وبالجاحظ الثاني.

نموذجٌ من رسائل ابن العميد:-

وقد كَتَب ابن العميد إلى إبي عبد الله الطَّبري لمَّا استحضره عضد الدولة للمنادمة، فقال:

“وقفت على ما وصفته من بِرِّ الأمير بك، وتوفُّرهِ عليك، وليسَ العجبُ أن يتناهى مثلُه إلى الكَرَم إلى أبعد غاياته؛ وإنَّما العَجبُ أن يقصُر في مساعيه عن نَيْلِ المَجدِ كلِّه، وحيازة الفضل بأجمعه؛ وقد رَجوتُ أن يَكونَ ما يغرسهُ أجدَر غَرْسٍ بالزَّكاء، وأضْمنه للرَّيْع (النماء)؛ فارْعُ ذلك، واركَب في الخِدمة (الإكثار في الخِدمة) طريقةً تُبعِدُكَ من الملال، وتوسُّطك في الحُضور بين الإكثار والتقليل، ولا تسترسلْ كلّ الاسترسال؛ فلأن تُدعَى من بعيد مرَّات، خيرٌ من أن تُقصى من قريبٍ مرَّة”.

“وليَكُن كلامك جواباً تتحرَّز فيه من الخَطَلِ والإسهاب، ولا تُعجَبَنَّ بتأتّي كلمة محمودة، فيلحَّ بك الإطناب توقعاً لمثلها، فربَّما هدَمَتْ ما بَنَتْه الأولى”.

“وبضاعتك في الشُّرب مُزجاة، وبالعقل يزَمُّ اللسان، ويلزَمُ السَّداد؛ فلا تستفزنَّكَ طربة الكَرم على ما يفسد تمييزك، والشَّفاعة لا تعرِضْ لها فإنَّها مخلقةٌ للجاه، فإن اُضطُرِرْتَ إليها فلا تهجِم عليها حتى تعرفَ موقِعَها، وتُطالِعَ موضِعها، فإن وجدتَ النَّفس بالإجابة سمحة، وإلى الإسعاف هشَّة، فأَظهِرْ ما في نفسك غير محفّف (حفف: أحاط)؛ ولا توهم أنَّ في الرَّد عليك ما يوحشك، ولا في المنع ما يغيظك”. “وليَكُن انطلاق وجهِكَ إذا دُفِعتَ عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك؛ ليخفَّ كلامُك ولا يَثقل على مستمعيه مِنْكَ، أقول ما أقوله غير واعظٍ ولا مُرشِد، فقد كمَّل الله خِصالَك وفضَّلَك على كل حالِك، لكن أُنبِّه تنبيهَ المُشارك، واعلم للذكرى موقعاً لطيفاً”.

أسماء تأثرت بابن العميد:-

وفاة ابن العميد:-

روايتان حول حادثة وفاة ابن العميد، الأولى تقول: إنه كان يعاني من النقرس – والنقرس هو مرض يسمى بداء الملوك لأنه يأتي للأغنياء أكثر من الفقراء، فهو ناتج عن الإكثار من تناول اللحوم والبقوليات- والقولنج -مرضٌ مِعَويّ مؤلمٌ يصعب معه خروج الِبراز والريح، وسببه التهاب القولون-، وكان إذ سُئل أيهما أصعب، يقول :”إذا عارضني النقرس فكأني بين فكي سبع يمضغني، وإذا عارضني القولنج وودت لو استبدلت النقرس عنه”.

وهذه الرواية تقول : إنه توفي في الري وقيل: ببغداد سنة 360 ه‍‍، 970 م.

الرواية الثانية تقول: إنه حينما خلف أباه في وزارة ركن الدولة البويهي بالرَّيِّ ونواحيها سنة 360هـ، وكلَّفه بوزارة السيف والقلم، ولقَّبَه الخليفة الطائع للَّه بذي الكفايتين (كفاية السيف والقلم)؛ فقد استمر إلى أيام مؤيد الدولة (ابن ركن الدولة)، وأحبته القُوَّاد وعساكر الديلم؛ لكرمه وطيب أخلاقه، فخاف آل بُوِيْه بالعاقبة، فقبض عليه مؤيد الدولة، وعذَّبه، ثم قتله سنة 366 هجرية، وله شعر؛ منه ما وجدوه على حائط مجلسه بعد قتله:

مَلِكٌ شـدَّ لـــي عُـــــرَى المـيثـــاقِ .. بأمــــانٍ قَدْ سارَ في الآفاقِ

لم يحُــــلْ رأيُهُ ولكـــنَّ دهــــري .. حـــــــالَ عَنْ رأيهِ فشدَّ وَثَاقي

فقرى الوحشَ مِنْ عِظامي ولحمي.. وسقى الأرضَ مِنْ دَمي المهراقِ

فعلــــى مَــنْ تركتُــــهُ مِــنْ قـــريـبٍ .. أو حبيبٍ تحيَّةُ المشتاقِ

عراقيون يعبرون بين ضفتي نهر دجلة الذي يشطر مدينة بغداد (مطلع القرن العشرين)

المصادر:-

  • الفن ومذاهبه في النثر العربي ، للدكتور شوقي ضيف، ص 208:212، دار المعارف، الطبعة العاشرة.
  • يتيمة الدهر للثعالبي، الجزء الثالث، ص 183: 185، 194.
  • أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، أحمد عبد الهادي.
  • المحيط في اللغة للصاحب بن عباد، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين.
  • جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.
  • معجم الأدباء (4/1886).

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى