أعلامانفوجرافيكس

ابن العديم .. المؤرخ الحلبي الكبير والنجيب

لم يتحمَّل أن يرى بلدَه في خراب وذَلّ بعد العمار والعزّ

من هو ابن العديم ؟

ابن العديم هو كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة، المعروف بابن العديم، ولد في حلب سنة 588هـ/ 1192م، وكان أبوه القاضي الحنفيّ بها.
إن كمال الدين بن أبي جرادة مؤرخٌ وناظمٌ من خيرة رجال مدينة حَلَب، أَحَب بلده فجعلها مركز كتاباته، ليُشهدها على عراقة وثقافة ومعمار موطنه الحبيب.

وفي هذا الصدد؛ يقول ياقوت الحموي:  “سألت ابن العديم لِمَ سُمِّيتم ببني العديم؟ فقال: سألت جماعةً من أهلي عن ذلك، فلم يعرفوه، وقال: وهو اسم مُحدث لم يكن آبائي القُدماء يُعرَفون بهذا، ولا أحسب إلاَّ أنَّ جَدَّ جدي القاضي أبا الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة- مع ثروة واسعة، ونعمة شاملة- كان يُكْثِر في شعره من ذكر العَدَم وشكوى الزمان، فسُمِّي بذلك، فإن لم يكن هذا سببه، فلا أدري ما سببه”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية

وبعد أن درس ابن العديم في كل من حلب الشهباء وبيت المقدس الشريف ودمشق والحجاز ومدن العراق؛ تولى التدريس في مدينته سنة 516هـ/ 1219م، ثم وُلِيَ وظيفة القضاء بها، ودخل في خدمة أميرَيْن أيوبيين فيها وهما العزيز والناصر، وتولى لهما السفارة في بغداد والقاهرة.
ثم هرب إلى القاهرة وذلك بعد استيلاء التتار على الشهباء سنة 658هـ/ 1260م، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في مصر.

نباهة كمال الدين بن أبي جرادة وذكاؤه:-

لقد ظهرت علاماتُ النَّجابة والذَّكاء على مُؤرخنا منذ طفولته، فقد ختم حفظ القرآنَ الكريم وهو في التاسعة من عمره، وقرأ بالعشر وعمره عشر سنين، وكان والد كمال الدين بن أبي جرادة يجهل أصولَ الخط، ولم يكن خطه بالجيد، فأراد أن يتقنَ ابنُه هذا الفرع من العلم، ولذلك فقد عمل على تشجيعه، حتى أضْحَى صاحِبَ خطٍّ منسوب لابن البواب.

ويبدو أنَّ ابنَ العديم عمل كأجداده وآبائه، فأخذ من كلِّ علم بطرف منذ نعومة أظْفَارِه، فقد قال فيه ياقوت الحموي: “لم يعتنِ بشيء إلاَّ وكان فيه بارزًا، ولا تَعاطَى أمرًا إلاَّ وجاء فيه مُبَرَّزًا”.

ابن العديم – لمحات عامة:-

  • في طفولته؛ كان نحيف البنية، لذا؛ فقد أبدى والده تجاهه عناية خاصة، فحدب على رعاية صحته، وسهر على تربيته وتعليمه.
  • حينما بلغ سن الشباب، بادر بالمشاركة في الحياة السياسية والعلمية في حلب، حيث واظب على حضور مجلس المجلس الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، والذي قرَّبه وقدَّمه على غيره، رفم صغر سِنّه.
  • والده خطب له وزَّجه مرتين، حيث أخفق في الزَّواج الأول، لذا فقد طلق زوجته الأولى، وارتبط ثانيةً بابنة الشيخ بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله المعروف بالعجمي.
  • أول عمل رسمي تولاه كان التدريس في مدرسة شاذبخت، وكانت من أرقى مدارس حلب.
  • كان في بعض أسفاره يركب في محفَّة تُشَدُّ له بين بغلين، ويجلس فيها ويكتب، وقدِم إلى مصر من حلب رسولاً، وإلى بغداد.
  • خصَّص فَصلاً في كتابه “بُغية الطلب” للتأكيدِ على أحقية خلافة الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه على معاوية بن أبي سفيان، قائلاً: “لا خلاف بين أهل القِبلة في أنَّ عليَّاً رضي الله عنه إمام حقٍ منذ وَلِيَ الخِلافة إلى أن مات، وأنَّ من قاتَلَ معه كان مُصيباً، ومن قاتلهُ كان باغياً ومُخطئاً، إلَّا الخوارج، فأنَّ مذهبهم معلوم ولا اعتبار لقولهم”.

مكانة ابن العديم والوظائف التي تولاها:-

كان المؤرخ الحلبي مقربًا من السلطان؛ لمكانةِ أسرته في البلد جاهًا وعِلمًا، ورثهما كابرًا عن كابر، وعندما توفي والده، وانتقل إلى مدرسة “مدرس شاذ بخت”- وهي من أجَلِّ مدارس حلب في ذلك الوقت- وُلِّيَ ابن العديم التدريسَ بها في ذي الحجة سنة 616هـ، وعمره يومئذ ثمانٍ وعشرين سنة، هذا وجلس أعمر ما كان بالعلماء والمشايخ، والفضلاء الرواسخ، إلا أنَّه رُئِي أهلاً لذلك دون غيره، وتصدَّر وألْقَى الدرس بجنان قوي، ولسان لَوذعي، فأبهر العالم، وأعجب الناس.

مدينة حلب الشهباء في مطلع القرن العشرين
مدينة حلب في مطلع القرن العشرين

التدريس في حلب:-

لقد كان مؤرخنا يتولَّى التدريسَ في أعظمِ مدارس حلب، ويُلقي الوَعْظَ في أكثرِ منابرها، فيُفيد الناس من فيض معرفته وغزير علمه، وقد قُلِّدَ القضاء، فكان فيه كأبيه وجده يفصل بين الناس في أمور دينهم ودُنياهم، ويتمتع بإعجابهم وإكبارهم.
هذا، وقد اختير ابن العديم الحلبي ليكونَ سفيرًا بين الملوك في أمور خطيرة، ومهام سياسية، وقد ذكر المؤرخون سفاراتِه وهم يعرضون للأحداث السياسية في القرن السابع الهجري، وأهم هذه السفارات كانت بين عامي 654هـ- 657هـ.

وهكذا بلغ ابنُ العديم بعلمِه وذكائه وعمله منزلةً ومكانةً رفيعة، فقد أصبح من الوجاهة بحيث أصبح مَحطَّ الأنظار، يقصدُه العظماء، ويحجُّ إليه الكبراء، ويَفِدُ إليه الشعراء.

الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها
الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها

ويخبرنا سبط بن العجمي في كتابه “كنوز الذَّهب” عن المدرسة التي أنشأها ابنُ العديم، والدار التي بناها وسَمَّاها جوسقًا (قصرًا)، وآثار هذه الدار ما تزال قائمة في حلب إلى اليوم. وفي هذه الدار أنشده الشعراء مدائحهم، وأرسلَ إليه الكُتَّابُ رسائلهم، وأهدى إليه المؤرخون كتبهم، وكانت خزانته عامرة بكل ذلك.

أهم مؤلفات ابن العديم الحلبي:

من أبرز كتب ابن العديم التاريخية كتابه المعروف باسم ” بغية الطلب في تاريخ حلب“، الذي يتضمن أخبار ملوكها وابتداء عمارتها، ومَن كان بها من العلماء، ومن دخلها من أهل الحديث والرواية والدراية والملوك والأمراء والكُتّاب. ومن هذا الكتاب نفسه ألَّفَ مؤرخنا كتابا آخر بمثابة موجز للأول، وقد وسمه بـ ” زبدة الحلب من تاريخ حلب” وقد توفي قبل أن يُتم كتابته.

وصفه لمدينة حلب:-

قال ابن العديم في وصف مدينته التي تعلَّق بها : “اعلَم أنَّ هواءَ حَلب الغربي يُنعِش الأنفُس ويُحييها، ويُربي الأجسام ويُغذِيها، ويؤثَّر في الأجسادِ كتأثيره في الزروعِ بعد الفَسَاد ، فأنَّ الزَّرْعَ بها قد يذبَلُ ويبورُ فيَخْضَرُّ عندما تَهِبُّ عليه الدبور، ومياهُها بالرِّقة والخِفَّة موْصوفة، وتُربتها بِقلَّةِ العُفونات مَشهورةٌ معروفة، وهذه الأسبابُ موجِبةٌ للصِحَّةِ والاعتدال مؤثرة في دفع الأسقام والأعلال”.

وفاته:-

لم يُحب ابن العديم إقامته في حلب والعيش بها، إذ لم يتحمَّل أن يرى بلدَه في خراب وذَلّ بعد العمار والعزّ، وفي فقر بعد الغِنى، وهو الذي أحَبَّه، وسَطَّرَ تاريخه في رسائل عديدة متباهيا ومفتخرا بحضارته ومعماره وأهله، فانطلق مؤرخنا إلى مصر، وعاد إلى القاهرة، فلم يلبث طويلا حتى بلغته المنية، فقضى نَحْبَه في العشرين من جُمادى الأولى سنة 660هـ، ليدفن بسفح جبل المقطم.

القاهرة في العام 1870 م
القاهرة في العام 1870 م






المصادر:

  • يسري عبد الغني عبد الله، 1991: معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني، دار الكتب العلمية.
  • ياقوت الحموي، 1993: معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، دار الغرب الإسلامي.
  • بغية الطلب في تاريخ حلب، تحقيق سهيل زكار.
الوسوم

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق