أعلام

ابن الشهرزوري .. القاضي المنصف الجواد

في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريماً على دينارين فما دونهما

ابن الشهرزوري- اسمه ونشأته:

ابن الشهرزوري هو محمد بن القاضي كمال الدين بن الشَّهْرُزُورِيّ، أبو حامد، الملقب محيي الدين، قاضي القضاة، وُلِدَ سنة 510هـ، وقيل: سنة 519هـ.

مكانته العلمية:

دخل القاضي محيي الدين بغداد طلباً للعلم، فتفقه على الشيخ أبي منصور بن الرَّزَّاز، وتميز كثيراً.

ابن الشهرزوري – مناصبه:

انتقل ابن الشهرزوري إلى الشام، وولي قضاء دمشق نيابةً عن والده، ثم انتقل إلى حلب وحكم بها نيابة عن أبيه أيضاً، وذلك في شهر رمضان سنة 555هـ، وبه عُزِلَ ابن أبي جرادة المعروف بابن العَدِيم.

قلعة حلب في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

وبعد وفاة والده تمكَّن عند الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين صاحب حلب غاية التمكن، وفوض إليه تدبير مملكة حلب في شعبان سنة 573هـ، واستمر على ذلك، ثم وشى به أعداؤه وحُسَّاده إلى الملك الصالح، وجرت أسباب اقتضت أنه لزم بيته، ورأى المصلحة في مفارقة حلب والرجوع إلى بلده الموصل.

انتقل إلى الموصل، وتولى قضاءها، ودَرَّس بمدرسة والده وبالمدرسة النِّظامية بالموصل، وتمكَّن عند صاحب الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي، واستولى على جميع الأمور، وتوجه من جهته رسولاً إلى بغداد مراراً.

مكارم ابن الشهرزوري :-

كان ابن الشهرزوري جواداً سخياً، قيل: إنه أنعم في بعض رسائله إلى بغداد بعشرة آلاف دينار أميرية على الفقهاء والأدباء والشعراء والمحتاجين.

ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريماً على دينارين فما دونهما، بل كان يوفيهما عنه ويخلي سبيله.

إبريق لشرب الماء يعود لمدينة الموصل في فترة القرن الثالث عشر – متحف الميتروبوليتان

شعره:

له أشعار حسنة، من ذلك ما قال في جرادة، وهو تشبيه غريب:

لَهَا فَخِذَا بَكْــرٍ وَسَاقَــا نَعَامَــةٍ .. وَقَــادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤجُؤُ ضَيْغَمِ

حَبَتْهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْناً وَأَنْعَمَتْ .. عَلَيْهَـا جِيَادُ الخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالفَمِ

وقال يتشوق إلى دمشق:

يا نسيــمَ الصَّبــا العليــلِ تحمَّـلْ .. حـــاجةً للمتيَّمِ المُستهام

عُجْ على النَّيربَيْنِ فالسَّهمِ فالمِزَّ.. ةِ مسترسلاً بغيرِ احتشام

ثم عرِّجْ مِنْ بيتِ لِهْيا على مَقْـ.. ـرى فَسَطْرا مِنْ قبلِ سَجْع الحَمام

وتعثَّـــرْ بكُـــــلِّ روضٍ أَنيــــــقٍ .. ضــــاحكِ الزَّهرِ مِنْ بُكاءِ الغمام

وتحمَّلْ رَيّا البنفسجِ والنَّر.. جِسِ والضَّيمَرانِ والنَّمام

ثمَّ قبِّــلْ ثرى دمشــقَ وبلِّــغ .. سـاكنيهـــا تحيَّتي وسلامي

وتحدَّث عَنْ لوعتي بلســانِ الْـ.. ـحالِ إنْ لم يكنْ لسانِ الكلام

صِفْ لهم دمعيَ الطَّليقَ وقلبي الْـ.. ـمُوثَقِ الأسرِ مِنْ غريمِ الغرام

مشهد عام لمدينة دمشق في العام 1857 م – متحف الميتروبوليتان

ومن شعر ابن الشهرزوري في الناس قوله:

ولمَّــا أن بلِيــتُ بنـــاسِ ســوءٍ .. سُـــرورُ نفوسِهم حُزني وهَمِّي

فـمِــن خِـــلٍّ يُــراوِحُنــي بـخَـــلٍّ .. ومِــن عَمٍّ يُغاديني بغَمِّ

أَنِسْتُ بوَحدتــي ولـزمْتُ بيتــي .. بقصــدي واختياري لا برغمي

ولــولا العــارُ مــا عجَّـــزْتُ نفســي .. ولا قصَّرْتُ عنهم باع عزمي

ولكنّــــي إذا كَـــــــرُّوا بجَـهـــــلٍ … عَلـــيَّ إذن لقيتُهمُ بحِلم

أقوال العلماء فيه:

قال ابن خَلِّكان عن ابن الشهرزوري : “يحكى عنه مكارم كثيرة ورياسة ضخمة، وكان من النجباء عريقاً في النجابة، تام الرياسة، كريم الأخلاق رقيق الحاشية، له في الأدب مشاركة حسنة، وله أشعار جيدة”.

وقال الذهبي: “وكان سَرِيّاً عالماً أديباً جواداً، بذل ببغداد لفقهائها نَوْبَةً عشرة آلاف دينار، وربما أدى عن الغريم الدينار والدينارين”.

الموصل التي استقبلت ابن الشهرزوري

وقد وصفه عماد الدين الكاتب وصفاً بليغاً، فقال: “كريم المحيا، قسيم المُحيّا، عديم المِثل، عظيم المحلّ، زاكي الأَصل، نامي الفضل، إنسان عين الشهرزوريّة، وواسطة قِلادتها، ورابطة سعادتها، ولَيْثُ خِيسِها، وأَسد عِرِّيسها، ومُشتري سعدِها، ومشتري حمدها، وعُطارد عطائها، وقمر سمائها، وشمس أوجها، ونجمُ بُرجِها، طَوْد الحِلم، وخِضَمّ العلم، وقُسّ الفصاحة، وقيس الحَصافة، وبحر السّماحة، وعمرو الحماسة، ما رأيت أكرم طبعاً منه، ولا أعدى نفعا، ولا أجدى جَدا، ولا أندى يدا، ولا أنبل قدراً، ولا أنبه ذِكراً، ولا أَورى زَنْداً في الجود، ولا أروى وِرداً للوفود، علمه حالٍ بالعفاف، وفضله كامل الأوصاف، وذكاؤه ذكاء أفق التوفيق، وسَهم فهمه سَديد المَرْمَى صائب التَّفويق، له النَّظم الرّائق، والنَّثر المُوافق، واللفظ السهل، والمعنى البِكر”.

وفاته:

توفي ابن الشهرزوري في الموصل، يوم الأربعاء، 14 جمادى الأولى، سنة 586هـ، ودُفِنَ بداره بمحلة القلعة، ثم نُقِلَ إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: نُقِلَ إلى تربة عملت له ظاهر البلد، وهو ما رجحه ابن خَلِّكان، حيث قال: “تربته خارج باب الميدان بالقرب من تربة قضيب البان صاحب الكرامات”.

أحد المنازل الموصلية في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

تعرف أيضاً على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

المصادر:

  • خريدة القصر وجريدة العصر (2/441).
  • سير أعلام النبلاء (21/60/رقم 15).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/471).
  • العبر في خبر من غبر (3/92).
  • وفيات الأعيان (4/246/رقم 599).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى