أعلامانفوجرافيكس

ابن السكيت .. الإمام في اللغة والأدب

الْمُبرِّد: "ما رأيت للبغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن السِّكِّيت في المنطق".

اسمه ونشأته:

يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف البغدادي النحوي، إمام في اللغة والادب، المعروف بابن السِّكِّيت، وقد عُرِف ذلك؛ لأن كان كثير السكوت، طويل الصمت.

أصله من خوزستان، ولكنه نشأ وتعلم ببغداد، وقد وُلِدَ سنة 186هـ.

وأبوه هو إسحاق المعروف بالسِّكِّيت، وكان يعقوب يؤدِّب مع أبيه صِبيان العامة في درب القنطرة ببغداد، حتى احتاج إلى الكسب والمال؛ فأخذَ يتعلَّم النحو.

الشورجة – بغداد في العام 1932 – مكتبة الكونغرس

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:

روى عن: الأصمعي، وأبي عبيدة، والفرَّاء، وغيرهم.

وروى عنه: أحمد بن فَرَح المقرئ، ومحمد بن عجلان، وأبو عكرمة الضَّبِّي، وميمون بن هارون الكاتب، وغيرهم.

كان أبوه مؤدباً، فتعلَّم يعقوب منه، وبرع في النحو واللغة، وأدَّب أولاد الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، ثم ارتفعت مكانته فأدب ولد المتوكل، وله شعر جيد.

وتفصيلاً لذلك؛ قيل: عن والده أنه توجه للديار المقدسة لتأدية مناسك الحج، فطافَ بالبيت، وسعى بين الصَّفا والمروة، وسأل الله أن يعلِّم نجله النحو، فتعلَّم يعقوب النحو اللغة، وجعل يختلف إلى قوم من أهل القنطرة، فأجروا له كل دفعة عشرة وأزيد، حتى ذهب إلى بشر وإبراهيم، وهما شقيقان كانا يكتبان لمحمد بن عبد الله بن طاهر، فما زال يختلف إليهما وإلى أولادهم دهراً، فاحتاج ابن طاهر إلى من يعلِّم ولده، وجعله في حِجر إبراهيم، ثم خصص ليعقوب رزقاً قدره 500 درهم، ثم جعلها ألف درهم.

سامراء.. أو سُر من رأى حيث توفي محمد بن جابر بن سنان البتاني
سامراء.. أو سُر من رأى .. المدينة التي ورثت بغداد

ثم خرج يعقوب إلى سرَّ مَن رأى “سامراء” وذلك في عهد المتوكل على الله، فصيَّره عبد الله بن يحيى بن خاقات عند المتوكل، فضمَّ إليه ولده، وأسنى له الرزق.

نوادر ابن السكيت:

حُكِيَ أن الفرَّاء سأل ابن السكيت عن نسبه فقال: خوزي أصلحك الله من دَوْرق -وهي بليدة من أعمال خوزستان-، قال: من كور الأهواز –وهي من خوزستان أيضاً-؟ قال: فبقي الفراء أربعين يوماً في بيته لا يظهر لأحد من أصحابه، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: سبحان الله، أستحي أن أرى السِّكِّيت؛ لأنني سألته عن نسبه فصدقني، وفيه بعض القبح.

ابن السكيت
خوزستان تعد حالياً إحدى محافظات الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومركزها مدينة الأحواز

وقال أبو الحسن الطوسي: كنا في مجلس أبي الحسن علي اللِّحيَاني، وكان عازماً على أن يملي نوادره ضعف ما أملى، فقال يوماً: تقول العرب: “مثقل استعان بذقنه”، فقام إليه ابن السكيت وهو حدث فقال: يا أبا الحسن إنما هو “مثقل استعان بدفيه”؛ يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه، فقطعا الإملاء. فلما كان المجلس الثاني أملى فقال: تقول العرب: “وهو جاري مكاشري”، فقام له ابن السِّكِّيت فقال: أعزك الله وما معنى مكاشري؟ إنما هو “هو مكاسري، كسر بيتي إلى كسر بيته” قال: فقطع اللِّحيَاني الإملاء فما أملى بعد ذلك شيئاً.

وقال أحمد بن محمد بن أبي شداد: شكوت إلى ابن السكيت ضائقةً ماليةً، فقال: هل قلت شيئاً؟ قلت: لا، قال: فأقول أنا، ثم أنشدني:

نفســي تروم أمـوراً لسـتُ مدركها …. ما دمت أحذر ما يأتي به القدر

ليس ارتحالك في كسب الغنى سفراً … لكن مقامك في ضر هو السفر

أبو عثمان المازني وابن السكيت

وقال أبوعثمان المازني: اجتمعت بابن السِّكِّيت عند محمد بن عبد الملك الزيات الوزير، فقال محمد بن عبد الملك: سل أبا يوسف عن مسألة، فكرهت ذلك وجعلت أتباطأ وأدافع؛ مخافة أن أوحشه؛ لأنه كان لي صديقاً، فألح علي محمد بن عبد الملك وقال: لم لا تسأله؟ فاجتهدت في اختيار مسألة سهلة لأقارب يعقوب، فقالت له: ما وزن نكتل من الفعل من قول الله تعالى: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ} [يوسف : 63]؟ فقال لي: نفعل، قلت: ينبغي أن يكون ماضيه كتل، فقال: لا، ليس هذا وزنه إنما هو نفتعل، فقلت له: نفتعل كم حرف هو؟ قال: خمسة أحرف، قلت: فنكتل كم حرفاً هو؟ قال: أربعة أحرف، فقلت: أيكون أربعة أحرف بوزن خمسة أحرف؟ فانقطع وخجل وسكت، فقال محمد بن عبد الملك: فإنما تأخذ كل شهر ألفي درهم على أنك لا تحسن وزن نكتل! قال: فلما خرجنا قال لي يعقوب: يا أبا عثمان هل تدري ما صنعت؟ فقلت له: والله لقد قاربتك جهدي، وما لي في هذا ذنب.

أقوال العلماء فيه:

قال ابن خَلِّكان: “لم يكن له نفاذ في علم النحو، وكان يميل في رأيه واعتقاده إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب رضي الله عنه”.

وقال أبو العباس الْمُبرِّد: “ما رأيت للبغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن السِّكِّيت في المنطق”.

لازم أبو عمر الزاهد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)
ثعلب .. أحد أبرز أعلام النحو

قال عنه ثعلب النحوي: “أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، فلما جلس عنده قال له: بأي شيء يحب الأمير أن نبدأ -يريد من العلوم-؟ فقال المعتز: بالانصراف، قال يعقوب: فأقوم، قال المعتز: فأنا أخف نهوضاً منك، وقام فاستعجل فعثر بسراويله فسقط، والتفت إلى يعقوب خجلاً وقد احمر وجهه، فانشد يعقوب:

يصـاب الفتى مـن عثرةٍ بلسـانه … وليس يصاب المرء من عثرة الرجل

فعثرته في القـول تذهـب رأســه.. وعثرته بالرجل تبرأ في مهل

فلما كان من الغد دخل يعقوب على المتوكل فأخبره بما جرى، فأمر له بخمسين ألف درهم وقال: قد بلغني البيتان.

كما قال ثعلب أيضاً: “كان يعقوب بن السِّكيت متصرفاً في أنواع العلوم، وكان أبوه رجلاً صالحاً، وكان من أصحاب الكسائي، حَسَن المعرفة بالعربية، وكان يُكنى بأبي يوسف، من عُلماء بغداد، ممن أخذ عن الكوفيين، وكان مؤدباً لولد المتوكِّل، وكان عالماً بنحو الكوفيين وعلم القرآن والشِّعر، وقد لقِيَ فُصَحاء الأعراب، وأخذ عنهم، وحكى في كتبه ما سمعه منهم، وله حظٌّ في السُّنن والدِّين”.

وقال الذهبي عن يعقوب: “دَيِّنٌ، خَيِّرٌ، حجةٌ في العربية”.

وقال المرزباني عن يعقوب:”.. وكان عالماً بالنَّحو، نحو الكوفيين، وعلم القرآن واللغة والشعر، راوية، ثقة، لا حظَّ له من السُّنَن والدِّين”.

أما أحمد بن يحيى النحوي، فقد قال: ” أجمع أصحابُنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أحدٌ أعلمُ باللغةِ من ابن السِّكيت..”.

كتبه ومصنفاته:

  1. إصلاح المنطق: من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة، وقد عُنِيَ به جماعة، فاختصره الوزير أبو القاسم الحسين المعروف بابن المغربي، وهذَّبه الخطيب أبو زكريا التبريزي، وتكلم على الأبيات المودعة فيه ابن السيرافي.
  2. الألفاظ.
  3. معاني الشعر.
  4. القلب والإبدال.
  5. المقصور والممدود.
  6. المذكر والمؤنث.
  7. الأجناس.
  8. الأصوات.
  9. الأضداد.

من أشعار ابن السكيت:-

كان لابن السكيت شعراً حسناً، وهو مما تثق النفس به، فقد قال:

إذا اشتملت على اليـأس القـلوبُ.. وضَاق لما بِهِ الصَّدرُ الرَّحيبُ

وأوطـــن المكــــارِه واستقـــرَّت .. وأرسَـت في أماكنها الخُطوبُ

ولـم تَــرَ لانكشــافِ الضُّـــرِّ وجهـــاً .. ولا أغنـى بحيلتهِ الأريبُ

أتــاك علــى قُنــوطٍ مِنــكَ غَـــوثٌ .. يمــنُّ بهِ الَّلطيفُ المستجيبُ

وكـلُّ الحــادثـات إذا تناهَت .. فمــوصــولٌ بها فرجٌ قريبُ

وفاة ابن السكيت:

قال أحمد بن عبيد: “شاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل فنهيته، فحمل قولي على الحسد، وأجاب إلى ما دعي إليه من المنادمة، فبنيما هو مع المتوكل يوماً جاء المعتز والمؤيد، فقال المتوكل: يا يعقوب أيما أحب إليك، ابناي هذا أم الحسن والحسين؟ فغض ابن السِّكِّيت من ابنيه وذكر الحسن والحسين رضي الله عنهما ما هما أهله، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحُمِلَ إلى داره، فمات بعد غد ذلك اليوم، وكان ذلك في بغداد سنة 244هـ”.

بغداد في العام 1932 م ، وهي المدينة التي توفي فيها ابن السكيت
بغداد في العام 1932 م ، وهي المدينة التي توفي فيها ابن السكيت – مكتبة الكونغرس

المصادر:

  • الأعلام (8/195).
  • الفهرست، ابن النديم.
  • سير أعلام النبلاء (12/16/رقم 2).
  • وفيات الاعيان (6/395).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي.
  • Image by ali soleymani from Pixabay

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى