أعلام

ابن الرومي .. أشعر أهل زمانه بعد البحتري

قد بُلينا في دهرِنا بملوكٍ أدباءٍ عَلِمْتُهمْ شعراءِ

اسمه ونشأته:-

علي بن العباس بن جُرَيْج، وقيل: ابن جورجيس، أبو الحسن المعروف بابن الرومي؛ لأنه رومي الأصل، وُلِدَ في بغداد يوم الأربعاء، 2 رجب، سنة 221هـ.

نسبه:-

صاحبُ النظم العجيب، ولِد بالموضع المعروف بالعقيقية ودرب الختلية في دارٍ بمحاذاة قصر عيسى بن جعفر، إذ يلمِّح في هذا البيت، على أنهُ يوناني الأصل قائلاً:

ونحن بنو اليونان قوم لنا حِجَّى ..

ومجدٌ وعيدانٌ صلابُ المعاجمِ

وفي تارةٍ أخرى، ينسبُ نفسهَ إلى الروم، وهذا ما يتجلَّى في هذا البيت:

مولاهم، وغذيٌ نِعمتهم ..

والرُّوم – حين تنصني- أصلي

وكذلك، أبدى افتخاره بأخواله الفرس، فهو ينسب نفسه في بعض الأحيان إلى ملوك بني ساسان، حينما يقول:

كيف أغصني على الدنية ..

والفُرس خؤولي والروم هم أعمامي

طفولته:-

كان شاعرنا هزيل البنية في فترة طفولته، ذميم الخِلقة، قليل شعر الرأس، ما  جعله دائم الحرص على ارتداء عمامته.

وقد فقد ابن الرومي والده وهو في سنٍ مبكرة، على أن أباه أبقى لأسرته ما يكفيها للعيش الكريم، وقد كان لشاعرنا شقيق وشقيقة فضلاً عن أمه.

منذ وقت مبكر؛ التحق ابن الرومي بكتاتيب عصره، وبحلقات التدريس في المساجد، فحفظ ما تيسر له من الذكر الحكيم، ومن مختارات الشعر والخطب، كما تعلَّم أصول الحساب.

هذا وقد استفاد ابن الرومي من مناظرات كبار النحاة والفقهاء، كما تسنى له فرصة الاطلاع على كتب المناطقة والفلاسفة والمنجمين، وهذا ما عكسه في أشعاره.

شخصية متطيرة:-

الظروف التي عاصرت طفولته بفقدان الأب، ومن ثم الأم، وما سبق ذلك وما تبعه من تلاحق الأزمات، التي اشتملت على فقدان أخيه ثم أبناء الأخير، كل ذلك ترك في نفس ابن الرومي آثاراً سيئة، وهي أمور دفعته للتشاؤم والتطير.

ابن الرومي فقد معظم أفراد أسرته
فقد معظم أفراد أسرته – تعبيرية

ومما زاد في تأثره وانفعاله، ظلم الناس له، وتفرُّق الأصدقاء عنه، فتشاءم من كل شيء، وأضحى ضيق الصدر سريع الانفعال، وانعكس ذلك على شعره، إذ يمدح اليوم ويهجو ممدوحه غداً.

وفي الأخبار الذي ينقلها معاصروه ما يثير الدهشة لشدة تطيُّره، وكأن خللاً عقلياً كان ينتابه، ومن ذلك إنه كان يتشاءم من بعض الأسماء، فإذا قيل له جاءك مُرّة ، أغلق بابه على نفسه ولم يخرج.

ولكن، البعض من المؤرخين والرواة بالغوا في وصف طيرته، ولا أظن أنه كان كما وصفوه (محقق ديوانه)، خصوصاً في تطيره من الماء، فهو عندما ذكر أهوال البحر، ومثله تهديد الخان بالسقوط، لم يكن على وجه التطير بقدر ما كان يريد أن يصور مدى بؤسه وشقائه لاستدرار عطف الممدوح.

شاعرية مبكرة:-

تحدث شارح ديوان ابن الرومي عن شاعرية الأخير المبكرة مقارنة بأقرانه.

وقال الأستاذ أحمد حسن بسج في هذا الصدد: إن قريحة ابن الرومي الشعرية تفتَّحت لديه وهو حدث، إذ تروى له أبيات مبكرة قالها في هجاء غلامٍ اسمه جعفر.

وفي فترة شبابه؛ اتخذ من الشعر سلعة يتكسَّب منها، مقتفياً أثر شعراء عصره، بيد أنه لم يعرض هذه الخدمة على الخلفاء، مكتفياً بالقادة والوزراء والأمراء.

توجه ابن الرومي من بغداد إلى سامراء التي أصبحت مركز الدولة وعاصمة الخلافة العباسية ومقر العظماء، وذلك في فترة حكم المنتصر سنة 248 هجري، مادحاً الوزير أحمد بن الحضيب، لكنه لم يُطِل البقاء في سامراء، ليعود إلى بغداد.

مكانته الشعرية:-

أشعر أهل زمانه بعد البُحْتُري، وأكثرهم شعراً، وأحسنهم أوصافاً، وأبلغهم هجاءً، وهو من طبقة بشار بن بُرْد والمتنبي، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقى فيه بقية.

الشاعر أبو عبادة البحتري من أعظم شعراء العصر العباسي، وسميَّ شعره «سلاسل الذهب»، كان بعض أهل عصره يقدمونه على أبي تمام الطائي بادئ الرأي، ويختمون به الشعراء
أبو عبادة البحتري من أعظم شعراء العصر العباسي، وسميَّ شعره «سلاسل الذهب»، كان بعض أهل عصره يقدمونه على أبي تمام الطائي بادئ الرأي، ويختمون به الشعراء

كان رأساً في الهجاء والمديح، قال المَرْزُبَانِيُّ: “هو في الهجاء مُقدَّمٌ لا يلحقه فيه أحد من أهل عصره، غزارة قولٍ وخبث منطقٍ، ولا أعلم أنه مدح أحداً من رئيس ومرؤوس إلا وعاد عليه فهجاه ممن أحسن إليه أم قصَّر في ثوابه؛ فلذلك قلَّت فائدته من قول الشعر، وتحاماه الرؤساء، وكان سبباً لوفاته”، وقد عاصر ابن الرومي ثمانية من الخلفاء العباسيين، وكان معظمهم يرفضون مديحه ويردون إليه قصائده، ويمتنعون عن بذل العطايا له، ومما قاله في ذلك:

قـد بُلينــا فــي دهـــــرِنا بمـلـــوكٍ .. أدبــاءٍ عَلِمْتُهمْ شعراءِ

إِنْ أجدْنا في مدحِهم حسدونا .. فحُرِمْنا مِنْهُمْ ثوابَ الثناءِ

أو أسأْنا فــي مَدْحِهــم أنَّبُونــا .. وهَجَــوْا شِعْرَنا أشدَّ هجاءِ

قد أقـــامــــوا نفوسَــــهم لــذوي .. المـدْحِ مُقامَ الأندادِ والنُّظراءِ

ومن المديح قوله:

المنعمــون ومــا منُّـوا علــى أحدٍ .. يـــومَ العطاءِ ولو منُّوا لَمَا مانوا

كَمْ ضَنَّ بالمــالِ أقــــوامٌ وعِنْدَهُم .. وَفْــرٌ وأعطى العطايا وهو يدَّان

ومن ذلك قوله:

آرَاؤُكُم، وَوُجُــوْهُكُـم، وَسُيُـوُفُكُــم .. فِـي الحَادِثَاتِ إِذَا دَجَوْنَ نُجُوْمُ

مِنْهَا مَعَــالِمُ لِلْهُـدَى وَمَصَـــابِـحُ .. تَجْلُـو الدُّجَى وَالأُخْرَيَاتُ رُجُومُ

وقال في بغداد وقد غاب عنها في بعض أسفاره:

بلدٌ صَحبْتُ به الشبيبة والصِّبـا.. ولبستُ ثوبَ العِزِّ وهو جديدُ

وإذا تمثَّـلَ في الضَّميرِ رأيْتُــــهُ.. وعـليـــه أغصانُ الشَّبابِ تميدُ

أشعار ابن الرومي

وقال في الحرص على اختيار الصديق:

فــــإنَّ الدَّاءَ أكثــرَ مـــا تـــراهُ .. يحــــولُ مِنَ الطَّعامِ أو الشَّرابِ

ولو كــان الكثيرُ يَطيبُ كــــانَتْ .. مُصاحبةُ الكثيرِ مِنَ الصَّوابِ

فدعْ عنــك الكثيــــرَ فكَــــمْ كثيــــرٍ .. يُعـــــافُ وكَمْ قليلٍ مُستطابِ

ديوان ابن الرومي:-

وله ديوان شعر مطبوع، وكان شعره غير مرتَّب، فرتبه أبو بكر الصُّولي على الحروف.

لقد خلَّف ابن الرومي وراءه ديواناً ضخماً، وبعد ترتيبه على الحروف من قبل الصولي؛ جاء الدور على أبي الطيب وراق بن عبدوس والذي جمعه من جميع النسخ، وزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها زُهاء ألف بيت، بحسب ما أورده ابن خلكان في “وفيات الأعيان”.

وقد تناول ابن الرومي في ديوانه مختلف أوجه الحياة بما تنطوي عليه من أفراح وأتراح وأحزان، الموت والشقاء والسعادة، تناول فيه الناس وشخوصهم ومعاشهم وعاداتهم وتقاليدهم، كما تناول النساء والغناء والمعازف والخمرة، هذا فضلاً عن الغزل والوصف، والمدح والهجاء، والفخر والرثاء وبقية الأغراض التي ينطوي عليها الشعر التقليدي.

رواية المسعودي عن ابن الرومي:-

وقد تعرض المسعودي إلى حادثة وفاة ابن الرومي، حيث قال صاحب “مروج الذهب” : “وممن أهلكهُ القاسم بن عبيد الله على ما قيل بالسم في خشكنانجة؛ علي بن العباس بن جريج الرومي”.

المسعودي صاحب “مروج الذهب”

وأضاف المسعودي” .. وكان منشؤه ببغداد ووفاته بها، وكان من مختلقي معاني الشعراء، والمجودين في القصير والطويل، متصرفاً في المذهب تصرفاً حسناً، وكان أقل أدواته الشعر، ومن محكم شعره وجيده قوله:

رأيت الدهــــر يجـــرح ثم يأســو ..  يعــــوُّض أو يسلي أو ينسي

أبت نفســـي الهلـــوع لفقـد شيءٍ ..  كـفى حزناً لنفسي فَقد نفسي

ومن قول ابن الرومي العجيب الذي ذهب فيه إلى معاني فلاسفة الإغريق، ومن مهر من المتقدمين قوله في القصيدة التي قالها في صاعد بن مخلد:

لمَّا تؤذن الدنيا به مـن زوالهــا ..  يكــون بكاء الطفل ساعة يوضع

وإلا فما يبكيــه منهــا، وإنهــا ..  لأفســـح مما كان فيه وأوسع ؟

وبحسب المسعودي؛ فإن ما دق فيه ابن الرومي فأحسن وذهب إلى معنى لطيف من النظر في ترتيب الجدليين وطريقة حُذَّاق المتقدمين قوله:

غمـــوض الشـي حيث تذب عنـه .. يقلـل ناصر الخصم المحقق

تضيق العقــول مستمعيه عنه .. فيقضـي للمجل على المدقق

ومما أجاد فيه في وصف القناعة قوله:

إذا ما شئت أن تعلم يوماً كذب الشهوه .. فكل ما شئت يصدرك عن المرة والحلوه

وطأ ما شئت يحصنك عن الحسناء في الخلوه .. وكم انساك ما تهواه نيل الشيء لم تهوه

ابن الرومي عند شوقي ضيف:-

سلَّط أحمد شوقي عبد السلام ضيف “شوقي ضيف”؛ الضوء على سِمة تفوَّق فيها ابن الرومي على أقرانه، وهي التعليل البارع البارز في قصائده، من قبيل تعليله لمحبَّة الأوطان، إذ يقول:

وحبَّبَ أوطـــــــــانَ الرِّجـــــال إليهمُ .. مآربُ قَضَّاها الشَّبابُ هنالكا

إذا ذكــروا أوطــــــــــانهم ذكّــــرتهمُ .. عهودَ الصِبا فيها فحنّوا لذلكا

فقد ألفته ألنَّفــــــــسُ حتَّى كـــأنهُ .. لهــا جسدٌ إِن بان غودر هالكا

وهنا يعلِّق ضيف في كتابه “العصر العباسي الثاني” بالقول : ” وكان الشعراء قبله يتشوقون إلى أوطانهم ولا يعرفون العِلَّة في ذلك حتى كَشَفها ابن الرومي، فكلٌ يتعلق بوطنهِ ويشغف به، لأنه ملاعب صباه وشبابه التي لا يبرَح خيالها ذاكرته، والتي طالما ألفتها النفس وأنِسَت لها، بل لقد التصقت بها التصاق الروح بالجَسَد، بحيث لو انفصم أحدهما عن صاحبه أصبحَ في الهالكين”.

شخصيات مدحها ابن الرومي:-

  • الوزير أحمد بن الحضيب.
  • والي بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر، فلم يجزل له العطاء، بل انتقد شعره، ما دفع ابن الرومي إلى هجائه هجاءً مُرَّاً، ثم عاد ليرثيه عند موته.
  • والي بغداد التالي عبيد الله بن طاهر (شقيق محمد)، فأجزل عليه العطاء، وأكرم وفادته، ودافع عن شعره تجاه خصومه مثل البحتري.
  • رئيس ديوان الضياع إسماعيل بن بلبل، أبو الصقر.
  • مدح بني الفياض وهم من أسرة فارسية من أهل اليسار.
  • مدح أيضاً بني نوبخت المشهود لهم بالعلم والترجمة.
  • مدح آل وهب، ثم سخط عليهم.

وفاة ابن الرومي:-

كان سبب موته أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش، فدسَّ عليه مأكلاً مسموماً وهو في مجلسه، فلما أحسَّ بالسّمِّ قام، فقال له الوزير: أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال: سلِّم على والديَّ، فقال: ما طريقي على النار، وخرج إلى منزله، وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسّمِّ، فزعم أنه غلط في بعض العقاقير، فعاش أياماً ثم مات في بغداد يوم الأربعاء، 28 رجب، سنة 283هـ.

بغداد التي اجتمع فيها كبار الشعراء والأدباء والعلماء والفقهاء

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:

  • الأعلام (4/297).
  • سير أعلام النبلاء (13/495/رقم 244).
  • شوقي ضيف، العصر العباسي الثاني.
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/352).
  • معجم الشعراء (289).
  • وفيات الأعيان (3/358/رقم 463).
  • مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي
  • ديوان ابن الرومي ، شرح أحمد حسن بسج.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى