أعلام

ابن الدهان البغدادي .. الإمام النحوي

من أعيان النحاة وأفاضل اللغويين، كثير التصنيف، جيد الشعر

ابن الدهان البغدادي – اسمه ونسبه:-

سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله، أبو محمد، المعروف بـ ابن الدهان البغدادي ، إمام في النحو واللغة، وُلِدَ ببغداد عشية يوم الخميس، 26 رجب، سنة 494هـ.

هو من سلالة الصحابي الجليل كعب بن مالك الأنصاري، رضي الله عنه، كُنِّيَ بأبي محمد، وكنَّاه ابن الخبَّاز بأبي عثمان، وهذه الكنية التي لم يشتهر بها ابن الدهان، وكنيته أبو محمد، ويلقب ناصح الدين، ويعتبر إماماً نحوياً لغوياً أديباً مفسراً مصنفاً جليلاً.

ولده:-

كان له ولد اسمه أبو زكريا يحيى بن سعيد، وكان أديباً شاعراً، وُلِدَ بالموصل في أوائل سنة 569هـ، وتوفي بالموصل سنة 616هـ.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:-

كان ابن الدهان البغدادي من أعيان النحاة وأفاضل اللغويين، كثير التصنيف، جيد الشعر، أخذ عن الرُّمَّاني اللغة والعربية، وسمع الحديث من أبي غالب أحمد بن البنَّاء، وأبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين، وغيرهما، وأخذ عنه الخطيب التبريزي وجماعة.

وكان سيبويه عصره، وكان في زمنه ببغداد من النحاة: ابن الجواليقي، وابن الخشاب، وابن الشجيري، وكان الناس يرجحونه على الجماعة المذكورين، مع أن كل واحد منهم إمام.

تتلمذ الشريف الرضي على يد علماء عصره في بغداد
ابن الدهان البغدادي عاش في العاصمة العباسية التي اجتمع فيها كبار العلماء والأدباء

ترك بعد ذلك بغداد وانتقل إلى الموصل قاصداً جناب الوزير جمال الدين الأصبهاني المعروف بالجواد، فتلقاه بالإقبال وأحسن إليه، وأقام في كنفه مدة يعلِّم فيها الناس، وكانت كتبه قد تخلفت ببغداد فاستولى الغرق سنة 568هـ على البلد، فسيَّر من يحضرها إليه إن كانت سالمة، فوجدها قد غرقت وغرقت معها داره، وكان قد أفنى في تحصيلها عمره، فلما حُمِلَت إليه على تلك الصورة أشاروا عليه أن يطيبها بالبخور ويصلح منها ما أمكن، فبخرها بأكثر من ثلاثين رطلاً لاذناً فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه فأحدث له العمى وكف بصره.

انتفع به الناس كثيراً، واشتغلوا في تصانيفه اشتغالاً كثيراً.

شيوخه ومن أخذ منهم:-

أخذ ابن الدهان البغدادي اللغة، والأدب، والنحو، والصَرّف، والحديث، والتفسير، عن شيوخ كثيرين.

وبحسب ياقوت الحموي في “معجم الأدباء”: فقد ” أخذ عن الرماني اللغة العربية، وسمع الحديث من أبي غالب أحمد بن البناء، وأبي القاسم هبة الله محمد بن الحصين وغيرهما”.

  1. أبو الحسن بن عيسى بن علي الرماني أصله من سامرَّاء، ومولده ببغداد، ومن أفاضل النحويين والمتكلمين البغداديين، ومن مصنفاته، شرح كتاب سيبويه، شرح أصول ابن السراج، ومعاني الحروف… ولكن مُحقق كتاب شرح الدروس في النحو لابن الدهان؛ يقول: إن الأخير لربما تأثر بمؤلفات الرماني لكنه لم يعاصره، إذ توفي سنة 384 هجرية، أي قبل ولادة ابن الدهان بنحو 110 سنوات.
  2. أحمد بن الحسن بن البناء، المولود سنة 445 هجرية، وقد سمع من أبي محمد الجوهري، ويقول الجوزي في سياق حديثه عن ابن البناء: “.. وسمعتُ منه الحديث، وكان ثِقة، وتوفي في ربيع الأول من سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وقيل صَفَر”.
  3.  أبو القاسم بن الحصين هبة الله بن محمد بن عبد الواحد ابن أحمد بن العباس بن الحصين الشيباني البغدادي مسند العراق، وكان ديِّنا، صحيح السماع، توفي في 14 شوال سنة 525 هجرية.

تلاميذه:-

  1. زكريا التبريزي وهو: يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني، وكان أحد أئمة اللغة والنحو، ومن مصنفاته: شرح اللمع، شرح القصائد العشر، وشرح ديوان المتنبي، عاش بين عامي 421 و502 هجري.
  2. عثمان البلطي وهو: أبو الفتح النحوي عثمان بن عيسى ابن منصور بن محمد البلطي، ولد في بلط المحاذية للموصل، ومن مصنفاته: كتاب العروض الصغير، وكتاب العروض الكبير، توفي في القاهرة سنة 559 هجرية.
  3. ابن الأثير وهو : المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني أو السعادات الملقب بمجد الدين المعروف بابن الأثير، وقد كان عالماً ، فاضلاً، سيدا كاملاً، جمع بين علم النحو واللغة العربية والقرآن الكريم، وكان شافعياً.
  4. ياقوت الرومي: وهو ياقوت بن عبد الله الرومي الأصل، نزيل الموصل الكاتب الأديب النحوي، وكان أوحد عصره في جودة الخط واتقانه، كما كان على جانب عظيم من الأدب والفضل والنباهة والوقار”.

ابن الدهان البغدادي – شعره:-

له نظم حسن؛ منه:

لَا تجْعَل الهَزْلَ دأباً فَهُوَ منقصةٌ.. وَالْجِدُّ تَغْلُو بِهِ بَيْنَ الوَرَى القِيمُ

وَلَا يَغُــــرَّنْـك مِـنْ مَلْـكٍ تَبَسُّـمــــهُ .. مَـــا تَصخَبُ السُّحْبُ إلَّا حِينَ تَبتَسِمُ

وله أيضاً:

لا غـرو أنْ أخشـى فـرا.. قَكُـم وتخشـــاني اللُّيوث

أو تـــــرى الثَّــــــوبَ الجديـــ.. ـــــدَ مِــــنَ التَّفــرُّق يستغيث

وله في المبادرة إلى العمل قبل فوات الأوان:

بـادِرْ إلـىَ العَيْــش والأَيَّــــامُ راقِـــدَةٌ .. ولاَ تكُنْ لِصرُوفِ الدَّهْرِ تَنْتَظِرُ

فالعُمُر كالكأسِ يبدُو فِي أوائِلِـهِ .. صَفْـــوٌ وآخِرُهُ فِي قَعْرِهِ الكَدَرُ

وقال في الاغتراب طلباً للرزق:

قالــوا: اغتـربْ عَنْ بلادٍ كُنْتَ تألفُهـا .. إِنْ ضاقَ رِزقٌ تجدْ في الأرضِ منتزحا

قلت: انظروا الرِّيقَ في الأفواهِ مختزناً.. عذباً فإنٍ بانَ عَنْها صار مطرحا

ابن الدهان امتدح الفقر

وقال في مدح الفقر:

أتَعْجَبُ أنَّنــي أُمْسِــي فَـقيـــراً.. ويَحْظَــى بِالغنَى الغَمْرُ الحَقيرُ

كَـذا الأطـواقُ يُكْسَاهـــا حمــــامٌ .. وَتعْــرَى حِكمَةً مِنها الصُقورُ

وقال في الأخ والصديق:

وأخٍ رَخُصْتُ عَلَيـهِ حَتَّـى مَلَّنـي .. والشَّـيْ مملولٌ إِذا مَا يَرْخُصُ

مَـا فِــي زَمانِـــكَ مَا يَعِــــزُّ وُجـــودُهُ .. إنْ رُمْتهُ إِلَّا صَديقٌ مُخِلصُ

ما قيل فيه:-

لقد وُهِب ابن الدهان البغدادي ذاكرةً قويةً وعقلاً نيراً ناضجاً، وموهبةً فذة، ويتضح ذلك من مؤلفاته وتصانيفه التي أبحرت في مجالات من فروع اللغة، النحو، ولصرف، والأبنية، والأصوات، والعَروض، والقافية والتراجم.

وفيما يلي آراء مجموعة في العلماء في ابن الدهَّان:

فقد قال جمال الدين القفطي: “ابن الدهَّان بحر لا يفضفض، وحبر لا يغمض، سيبويه عصره، ووحيد دهره… له تلاميذ يفضلونه على غيره، ويقصدون نحوه لنحو”.

قال ياقوت الحموي : “كان ابن الدَّهَّان هذا مع ما أوتي من سعة العلم وشياع الذكر والفهم، سقيمَ الخطِّ، كثيرَ الغلط فيما يكتبه، وهذا عجب من أمره”.

ابن الدهان البغدادي اعتبر سيبويه عصره

وقال العماد الكاتب: “هو سيبويه عصره، ووحيد دهره، لقيته وكان حينئذ يقال: نحاة بغداد أربعة: ابن الجواليقي، وابن الشَّجَري، وابن الخشَّاب، وابن الدَّهَّان”.

وقال ابن العماد الحنبلي : “كان سيبويه زمانه، تصدَّر للاشتغال خمسين سنة”.

وقال الصفدي عنه: ” وكان من أعيان النحاه المشهورين بالفضل ومعرفة العربية”.

آثاره ومصنفاته:.

  1. شرح كتاب الإيضاح والتكملة.
  2. الفصول الكبرى.
  3. الفصول الصغرى.
  4. الغُرَّة: وهو شرح كتاب «اللُّمَع» لابن جني، وهو من أفضل الشروح إن لم يكن أفضلها.
  5. العروض.
  6. الدروس في النحو.
  7. زهر الرياض: تذكرة للكتاب السابق في سبع مجلدات.
  8. الغنية في الضاد والظاء.
  9. المعقود في المقصور والممدود.
  10. الراء.
  11. الغنية في الأضداد.
  12. تفسير القرآن.
  13. ديوان شعر.
  14. سرقات المتنبي .
  15. شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي (مفقود).
  16. شرح أبنية سيبويه.

ابن الدهان البغدادي- وفاته:-

وكان وفاة ابن الدهان يوم الأحد، ليلة عيد الفطر غُرة شوال سنة 569 هجرية، الموافق 7 مايو أيار سنة 1174 م، وله خمس وسبعون سنة، ودُفِنَ بمقبرة المعافى بن عمران الموصلي بباب الميدان.

ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل
ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل

المصادر:

  • الأعلام (3/100).
  • شرح الدروس في النحو، المقدمة، تحقيق الدكتور إبراهيم الإدكاوي.
  • سير أعلام النبلاء (20/581/رقم 363).
  • الكامل في التاريخ (9/401).
  • معجم الأدباء (3/1369/رقم 543).
  • نكث الهميان في نكت العميان (137).
  • وفيات الأعيان (2/382/رقم 265).
  • الوافي بالوفيات (15/156).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى