أعلام

ابن الحائك الهمداني .. لسان اليمن

تمكن من فك رموز الكتابة العربية القديمة المنتمية لجنوبي الجزيرة العربية

اسمه ونسبه ولقبه:

الحسن بن أحمد بن يعقوب، أبو محمد الهمداني ، العالم الموسوعة، من أهل اليمن، وُلِدَ بصنعاء، 19 صفر، سنة 280هـ، ونشأ بها، وأقام على مقربة منها في بلدة رَيْدة، وهي عاصمة البون من بلاد حاشد، وهو يعتقد أن بئرها العجيبة هي البئر المُعطَّلة المذكورة في القرآن الكريم، وأن قصرها الأثري (تلفم) هو القصر المشيد.

أصيب بِعلَّة وصِفَت بـ”غير الشديدة” وهو في الخامسة من عمره، بيد أن ذلك لم يحُل دون بدء مشواره المبكر مع الأسفار وحديث الناس عنها، حيث كان ذلك وهو في السابعة فقط من عمره.

كان أهله يقطنون المراشي الواقعة شرقي اليمن، أي في الجزء الأعلى من مساقط الجوف، وهي اليوم ناحية ضمن قضاء برطا التابعة إدارياً لمحافظة صنعاء.

أما تلقيبه بابن الحائك؛ فلم يكن أبوه حائكاً، ولا أحد من أهله، ولا في أصله حائك؛ وإنما هو لقب لمن يشتهر بقول الشعر، وكان جده سليمان بن عمرو المعروف بذي الدُّمينة شاعراً؛ فسُمِّي حائكاً؛ لحوكه الشعر.

ابن حوقل،، الرحالة الشهير
ابن حوقل،، الرحالة الشهير، يصف بعض مدن اليمن

وقد نسب البعض الهمداني إلى آل الدمنة أو الدمينة، الواقعة معاقلهم حالياً ناحية المراشي، وفرع من ذي محمد القبيل الكبير هناك.

ويُعْرَف بالنسَّابة، ولسان اليمن، وابن ذي الدُّمينة؛ نسبه إلى أحد أجداده سليمان بن عمرو.

لقد سَرَدَ الهمداني في كتاب “الجوهرتين العتيقتين” مناجم الذَّهب والفِضَّة المعروفة في جزيرة العرب، وبلاد الأعاجم، وأرض النوبة، والحبشة، واهتم بوصْفِ مناجِم اليمن وتُهامة ونَجْد، وبفضلِ هذه المعلومات الجُغرافية؛ اهتدتْ بعثة للمسح الجيوفيزيائي لمعرفةِ موارد اليمن المعدنية والبترولية إلى اكتشافٍ العديد من المناجم الهامة في أرض اليمن حديثاً.

— د. أحمد فؤاد باشا.

مكانته العلمية:

ابن الحائك عالم متعدد المعارف، استوعب شطراً من علوم عصره، وبرع في جملة من تلك العلوم؛ منها: الأدب والنحو، والتاريخ، والأنساب، والجغرافية وعلوم الأرض، والفلك، والفلسفة.

طاف البلاد، واستقر بمكة المكرمة زمناً في أول عمره، كتب هنالك شيئاً من الحديث والفقه ورواه، ثم عاد إلى اليمن فأقام في مدينة صعدة سنة 307هـ، وهاجى شعراءها، فنسبوا إليه أبياتاً قيل: عرَّض فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فحُبِسَ ونُقِلَ إلى سجن صنعاء بين 319هـ و321هـ.

الإصطخري ، الرحالة المعروف، يصف رحلته للديار المقدسة

يعتبر ابن الحائك جغرافياً رائداً في البحث والتنقيب؛ فقد أفاد علم الجغرافية بنظرياتها المبتكرة، حيث رصد في كتابه «صفة جزيرة العرب» ما رصده عن رؤية ومشاهدة وملاحظة شخصية، ولاسيما ما يخصُّ جنوبي الجزيرة العربية، فكانت دراسته في ذلك الكتاب دراسة ميدانية، قام بها بنفسه، ومما يثير الإعجاب أنه تمكن من فك رموز الكتابة العربية القديمة في جنوبي الجزيرة العربية.

المؤرخ العراقي الكبير جواد علي يشيد بمنجزات الهمداني

وتعد مؤلفاته في علم الفلك من أهم المؤلفات التي عليها علماء اليمن خاصةً وعلماء العرب والمسلمين عامة.

شعر ابن الحائك:

له شعر جميل كثير منثور في بقايا كتبه، وشعره يشتمل في الأكثر على المقاصد الحسنة، والمعاني الجزلة الألفاظ، والتشبيهات المصيبة الأغراض، والنعوت اللاصقة بالأعراض، والتحريض المحرك للهمم المراض، والأمثال المضروبة، والإشارات المحجوبة، والتصرف في الفنون العجيبة، وقد بلغت أشعار ابن الحائك من الشهرة في عصره ما حمل ابن خَالَوَيْه بعد وفاته على أن يرحل في طلبها من العراق إلى اليمن.

من شعره قصيدة سماها «الدامغة في فضل قحطان»، قصيدة طويلة في ستمائة بيت وبيتين، أحدثت له العداوة من النزارية والمتنزرة، حيث رد فيها على الكُمَيْت بن زيد الأسدي في تفضيله عدنان على قحطان، وهذا نابع من شدة تعصبه، وفي هذا الصدد يقول محب الدين الخطيب: “يثبت الهمداني حقائق العلم ما استطاع في كل ما لا يمس همدانيته ويمنيته، فإذا مس العلم هذا الجانب الحساس من المؤلف وجد فيه ضعفاً”.

قال في مطلع قصيدته «الدامغة»:

أَلا يَـــا دَارُ لَــــــوْلاَ تَنْطِـقِـيْـنَـــا … فَــــإِنَّـــا سَائِلُونَ ومُخْبِرُونَا

بِمَــا قَدْ غَــالَنَــــا مِــنْ بَعْـدِ هِنْــدٍ .. ومَــاذَا مِنْ هَوَاهَا قَدْ لَقِيْنَا

فَضِـفْنَــــاكِ الـغَـــدَاةَ لتُـنْبِئِيْنـــا … بِهـــا أيْنَ انْتَوَتْ نَبَأً يَقِيْنا؟

وعَنْـكِ، فَقَـدْ نَــراكِ بَلِيْـتِ حَتَّى .. لَكِـدْتِ مِنَ التَّغَيُّرِ تُنْكَرِيْنا

أَمِنْ فَقْـدِ القَطِيْــنِ لَبِسْـتِ هَـــذا؟ .. فَــــلا فَقَدَتْ مَرابِعُكِ القَطِيْنا

نسب يعرب بن قحطان وهل هو أول من نطق بالعربية؟
جدل حول الأنساب.. ثقافة عربية مترسخة

وقال في آخرها:

فَكَـــمْ حِــلْــمٍ أَفـــادَ المَـــرْءَ عِــزًّا … ومِــنْ جَهْلٍ أَفادَ المَرْءَ هُوْنا

وحَسْبُــكَ أَنَّ جَهْـلَ المَــرْءِ يُضْحِــي … عَلَيْـــهِ لِلْعِداءِ لَهُ مُعِيْنا

اليمن عشقه الأول والأخير:-

الهمداني لسان اليمن، وهو الذي عشق كلَّ ذرة من تراب بلاده التي طاف أوديتها وجبالها وسهولها ليقدِّم أفضل المؤلفات التي تخصُّ وطنه من النواحي الجغرافية والجيولوجية والتاريخية والفلكية وحتى تلك التي تخصُّ الأنساب.

فاليمن بالنسبة للهمداني أولاً وأخيراً، وقد عبِّر عن فخرها ببلاده وذلك في مُعرَض ردوده على مراسلات أدبية جرت بينه وبين أهل العراق الذين كتبوا له يصفونَ بغداد وهي في ذورة مجدها، فأجابهم يفتخر باليمن:

أرضُ تخيَّــرهــــا ســـامٌ وأوطنـهـــا .. وأسَّ غمدانَ فيها بعد ما احتفرا

أمَّ العيــــون فـــلا عيـــن تـقـدّمُهــــا .. ولا علا حجر من قبلها حجرا

لا القيظ يكمـل فيهــا فصـل ساعتــه .. ولا الشَّتاء يمسّيها إذا قصرا

مــا زالَ ســام يـرودُ الأرض مطَّلبـــا .. للطيـب خيرَ بقاعِ الأرض يبنيها

حتى تبــــوأ غمـداناً وشيَّدهــــا .. عشــرين سقفاً يُناغي النَجْمَ عاليها

فإن تكُــنْ جنــةُ الفِــردوس عاليـــةً .. فــوق السَّماء فغمدان يُحاذيها

وإن تَكُنْ فوق وجه الأرض قد خُلِقَت.. فذاكَ بالقُربِ منها أو يصاليها

أقوال العلماء فيه:

  • قال جمال الدين القِفْطِي: “نادرة زمانه، وفاضل أوانه، الكبير القدر، الرفيع الذكر، صاحب الكتب الجليلة، والمؤلفات الجميلة، لو قال قائل: إنه لم تخرج اليمن مثله لم يزل؛ لأن المنجم من أهلها لا حظ له في الطب، والطبيب لا يد له في الفقه، والفقيه لا يد له في علم العربية وأيام العرب وأنسابها وأشعارها، وهو قد جمع هذه الأنواع كلها، وزاد عليها”.
  • قال محمد بن نشوان الحميري لأحدِ مريديه: ” سألتَ – أكرمك الله بأنواع كرامته وأعاذك من صرعة الباطل وندامته- أن أوضِح شيئاً من أنساب حِميَر وأخبارها وما حفظ من سيرها وآثارها؛ فأجبتك إلى ما سألت، وأشفعتُكَ منه بما طلبت منه بما طلبت مؤتمَّاً بما ذكرَه الشيخ الفاضل المؤتمن لسان اليمن، وفائق من كان فيه من الزَّمن الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني -رحمه الله- ممَّا صحَّحَهُ من عِلمه الجليل، وحقَّقَه في كتابه المعروف بالإكليل، وكان -رحمه الله- بمنزلةٍ في العلم والفضل، ومعرفة بالفرع والأصل لا ينكرها إلا مكابر جاهل متعاطٍ ما ليس له بأهل، فتصنيفه فيه وفي سائر مصنَّفاته- كتاب الأيام ونحوه- يدُل على غزير علم، وقوَّة فهم، وشدَّة فحص على أخبار الأمم، ومعرفة باهرة بأخبار العرب والعجم، وتصنيفه في “صفة جزيرة العرب” كذلك، ونحوه في كتاب “المسالك والممالك” دليل على علِمه الجمّ بأخبار العرب والعجم، وإحاطته بأنساب الكافة وأخبارها ومعرفة أوطانها وديارها ومسافة طُرقها ومسايل أوديتها وأنهارها.. وتصانيفه في علم الطِّب والنجوم؛ شاهدٌ له في العلم بالحظِّ العظيم الذي فاقَ به علماء الطِّب والمُنجِّمين، وبرَزَ فيه على علماء الكُفَّار والمسلمين مع ما كان فيه من شِدَّة الورع والفضل المشهور في عصره لا يتمارى أحدٌ في أمره”.
  • وقال الخزرجي: “هو الأوحد في عصره، الفاضل على من سبقه، المبرز على من لحقه؛ لم يولد في اليمن مثله علماً وفهماً، ولساناً وشعراً، وروايةً وفكراً، وإحاطة بعلوم العرب؛ من النحو واللغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والمناقب والمثالب؛ مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والفلك”.
  • قال ابن صاعد في كتابه “طبقات الأمم”: ” ولا أعلم أحداً من صَميم العرب شُهِرَ به – يعني علم الفلسفة- إلَّا يعقوب بن إسحق الكِندي، وأبا محمد الحسن الهمداني”.
المؤرخون المعاصرون اعتمدوا على كتابات الهمداني
المؤرخون المعاصرون اعتمدوا على كتابات الهمداني

كتب ابن الحائك ومصنفاته:

  1. الإكليل: كتاب في أنساب حِمْيَر وأيام ملوكها، قال عنه القِفْطِي: “كتاب جليل جميل، عزيز الوجود”، وقد ألَّف الهمداني هذه الموسوعة العلمية سنة 330 هجرية، وتقع في عشر مجلَّدات تتعرَّض بالتَّفصيل للتاريخ والإنسان والثَّقافة في اليمن القديم، وقد عُثِرَ على أربع مجلَّدات منه فقط.
  2. سرائر الحكمة: والمتضمِّن ثلاثين مقالة في التعريف بجمل علم الهيئة ومقادير حركة الكواكب وتبيان علم أحكام النُّجوم واستيفاء ضروبه وأقسامه.
  3. القُوى: كتاب في الطب.
  4. اليَعْسوب: في فقه الصيد، وحلاله وحرامه، والأثر الوارد فيه، وكيفية الصيد، وعمل العرب فيه، وغريب ذلك ونحوه، والشعر فيه.
  5. الزِّيج: اعتمد أهل اليمن عليه كثيراً في معرفة حركات الكواكب.
  6. صفة جزيرة العرب: يعتبر أوثق دراسة قديمة وأوفاها عن الجزيرة العربية، من الناحية الجغرافية، ضمَّنه معلومات عن الظواهر الطبيعية للجزيرة العربية، وسكانها، ومحصولاتها الحيوانية والنباتية والمعدنية، ومعابرها البرية والبحرية، استخرج بعض الحقائق الجغرافيَّة من دواوين الشعراء عند الأقدمين.
  7. الجوهرتان العتيقتان المائعتان البيضاء والصفراء: كتاب في الكيمياء والطبيعة، ومن أشهر وأقدم الكتب التي تحدثت عن التعدين.
  8. الأيام.
  9. الحيوان المفترس.
  10. ديوان شعر.
  11. شرح الدامغة.
  12. السير والأخبار.
  13. عجائب اليمن.
  14. مفاخر اليمن.
  15. أخبار الإبل.
  16. أخبار الأوفياء.
  17. أسماء الشهور والأيام.
الإصطخري يصف رحلته إلى اليمن
الإصطخري يصف رحلته إلى اليمن

وفاة ابن الحائك:

توفي سنة 334هـ ( 946 م)، وتكريماً لشخصه ومساهماته العظيمة؛ أقامت جامعة صنعاء في خريف العام 1981 م ندوة عالمية لتكريم الهمداني ولتعريف الأجيال المعاصرة بأثره وبصمته الكبيرة التي خلَّفها في تراث الحضارة الإسلامية.

صنعاء .. وهي أم اليمن وقطبها لأنَّهاَ في الوسَطِ منها، ما بينها وبين عدن كما بينها وبين حَدِّ اليمن من أرض نجد والحِجاز، وكان اسمها في الجاهلية (أزال) ويُسَمِّيها أهل الشَّأم القَصَبة، وتقول العرب: (لا بُدَّ من صنعاء ولو طالَ السَّفَر)، ويُنْسَبُ إلى صنعاء صنعاني مثل بهراء بهراني.

ابن الحائك ، صفة جزيرة العرب.

المصادر:

  • الأعلام (2/179).
  • أعلام الجغرافيين العرب (291).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/314/رقم 183).
  • الجوهرتان العتيقتان المائعتان البيضاء والصفراء، تحقيق أحمد فؤاد باشا.
  • الإكليل، تحقيق مُحِب الدين الخطيب.
  • بغية الوعاة (1/498/رقم 1031).
  • رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية (100).
  • معجم الأدباء (2/809/رقم 302).
  • الموسوعة العربية (21/518).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى