أعلام

ابن الأثير .. المؤرخ الكبير

منذ نعومة أظفاره كان لديه ملكة الحفظ، وحينما أصبح شابا كان حافظاً للتواريخ المتقدمة والمتأخرة

عز الدين أبو الحسن علي الجزري الموصلي الشيباني، صاحب كتاب الكامل في التاريخ ، والذي عاش في الفترة الواقعة بين 555 هـ – 630 هـ، أي 1160 م – 1234 م.

ولِدَ في الجزيرة العمريَّة (جزيرة ابن عمر) في رابع جُمادى الأول سنة 555 هجرية، ونشأ بها، ثم قصَد الموصِل برفقه والده وأخويه، واستقر فيها.

هو شقيق اللغوي مجد الدين صاحب “النهاية في غريب الحديث والأثر”، و”جامع الأصول”، والوزير ضياء الدين صاحب “المثل السائر”.

أساتذته:-

  • سمِع في الموصِل من الخطيب أبي الفضل عبد الله بن أحمد الطُّوسي.
  • سمِعَ في بغداد من أبي القاسم يعيش بن صَدَقة الفقيه الشافعي، وعبد الوهاب بن سُكينة، وعبد المِنعم بن كُليب.
  • سمِعَ في دِمشق من أبي القاسم بن صَصْرى، وزين الأُمناء.

ابن الأثير – المكانة العلمية:-

منذ نعومة أظفاره كان لديه ملكة الحفظ، وحينما أصبح شابا كان حافظاً للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، فضلاً عن كونه خبيراً بأيام العرب ووقائعهم وأنسابهم، ليشق طريقه كأحد أهم المؤرخين في مسيرة الحضارة العربية الإسلامية.

كان إماماً إخبارياً، مُتقِناً، رئيساً، محتشماً، كان بيته مأوىً لطلبةِ العِلم، فبعد انتهاء جولته في المشرِق العربي؛ عادَ إلى بيته ولزِمه مُنقطعاً للنظر والتصنيف، ما جعل منزله مرجعاً للباحثين عن العلم.

تلاميذه:-

روى عن ابن الأثير مجموعة من العلماء والمؤرخين والمُحدِّثين من أبرزهم:

  • ابن الدُّبيثي.
  • الشِّهابُ القُوصي.
  • المجد بن أبي جَرادة.
  • الشَّرَف بن عساكر.
  • سُنْقُر القضائي.
  • عبد العظيم المُنذري.

ابن الأثير يصِف التاريخ:-

التاريخ: مَعَادٌ معنوي، يُعيدُ الأعصار وقَد سَلَفَت، وَينْشُر أهلها، وقد ذَهَبَت آثارُهم وعَفت، وبهِ يستفِيدُ عُقول التجارِب من كان غِراً، ويلقى مَنْ قَبلهِ مِنَ الأُمم وهَلُمَّ جَرَّا.

فهُم لديهِ احياء، وقد تَضَمَّنتهم بُطُونُ القبور، وعَنهُ غُيَّبٌ وقد جعلتُهم الأخبارُ في عِدادِ الحُضور، ولولا التَّاريخُ لجُهِلَت الأنساب ونُسِيَت الأحَساب، ولم يعلَم الإنسانُ أنَّ أصلهُ مِن تُراب.

وكذلكَ لولاهُ لماتَتْ الدُّولُ بموتِ زُعمائها وَعَمَى على الأواخِر حَال قُدمائِها، ولم يُحَطْ عِلماً بما تداولته الأرضُ من حوادِثِ سمائها، ولمكان العناية به لم يخلَُ مِنهُ كتاب مِنْ كُتُبِ الله المُنَزَّلة، فمِنها ما أَتى بأخباره المُجمَلَة، وِمنها ما أتى بأخبارهِ المُفصَّلة، وَقَد وَرَدَ في التَّورَاةِ مُفرَداً في سِفر من أسفارها، وتضمَّنَ تفصيلَ أَحوالِ الأُمَمِ السَّالفة ومُدَدِ أَعمارِها.

منهج ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ :-

اشتهر كتاب ابن الأثير الجزريالكامل في التاريخ ” في هذا المضمار، وهو المؤلَف الضخم الذي طبعه تورنبرج في ليدن في 120 مجلداً، منها مجلدين للفهارس.

ولهذا الكتاب العظيم؛ طبعة نفذت في بولاق بمصر عام 1290 هجرية أي 1872 ميلادية تتألف من 12 جزءاً، كما نشرته لاحقا “دار الكتب العلمية” في بيروت، محققاً في عشر مجلدات، وذلك عام 1986 ميلادية، بحسب ما جاء في معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري، والذي أعده يسري عبد الغني عبد الله.

ابن الأثير يوازن بين أقاليم العالم الإسلامي:-

في هذا المؤلف؛ قام ابن الأثير بتناول التاريخ العام للعالم الإسلامي، انطلاقاً من الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، انتهاءً بالعام 628 هجرية.

كما حرص على تحري التوازن بين سائر أقاليم العالم الإسلامي، ومقارنة ما يقع من الأحداث في كل منها، عاماً تلو الآخر، مستندا لما أورده المختصون في تاريخ كل إقليم.

براعة ابن الأثير في عرض الحقائق:-

وقد ظهر جلياً مدى براعته في مجال عرض الحقائق، إذ تجاهل التفاصيل التي لا حاجة لها، بالتزامن مع فحصه للمصادر، كما اختار من النصوص ما يناسب الحقائق، حيث ألف في كل ذلك خلاصة لكل ما وقع من الأحداث في السنة الواحدة.

ووفقاً لمعجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري؛ فإن لكتابه ابتداءً من الجزء العاشر، أهمية خاصة، ذلك لأنه يؤرخ لأحداث قربة العهد من العصر الذي عاش فيه، وهي أحداث سمع بها أو كان له مشاركة فيها.

لمحات من “الكامل في التاريخ”-

  • قال ابن الأثير في مقدمته في سياق حديثه عن الكتاب: إنه لم ينقل إلَّا من الكُتُب المشهورة التي يُعلَم أصحابها بصدقهم فيما نقلوه، وصحَّة ما دوَّنوه، قائلاً: ” ولم لأكُن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمَن يجمع الحصباء واللآلي..”.
  • نقل ابن الأثير عن “تاريخ الطبري” لمحمد بن جرير الطبري، مع الاختصار بحذف الأسانيد، والروايات المتعددة للحادثة الواحدة.
  • تميَّز “الكامل” عن “تاريخ الطبري” بمروره السريع على الأحداث الهامشية دون أن يتعمَّق فيها، حيث صَبَّ تركيزه على الاهتمام بالأمور الظاهرة والأحداث الكبيرة، سارداً لقصصها دون أن يُشعر القارئ بالملل .
  • زاد ابن الأثير على الطبري معلومات نقلها من كُتُب أخرى.
  • نمط تأريخه يرتكز إلى البعد الزمني، حيث يتناول كل عامٍ بأحداثه المُهمَّة (السياسة والخلافة..) والصغيرة كالشؤون والمواقف المختلفة التي تحصل مع الأفراد.
  • جاء على ذكر الوفيات، حيث تناول أبرز الأعلام والشخصيات التي توفيت في السنة التي يؤرخ لأحداثها.

حيث قال في هذا الصدد: “وذكرتُ في آخِرِ كُل سنةٍ مَن توُفّيَ فيها من مَشهوري العُلماء والأعيان والفُضلاء، وضَبَطتُ الأسماء المُشتبهة المُؤتلِفة في الخَط، المُختلِفة في اللَّفظ الواردة فيه بالحروف ضبطاً يزيل الإشكال، ويُغني عن الأنقاط والإشكال”

اهتم بما عاصره من الصدام مع الغرب:-

وفي هذه الفترة الممتدة لغاية سنة 450 هجرية؛ قام ابن الأثير بمعالجة الوقائع التي تخللها الصدام بين الغرب المسيحي والعالم العربي، والتي عرفت باسم الحروب الصليبية.

ومن اللافت أيضاً، الاهتمام الواضح من قبله بأنباء الدولة الأتابكية بالموصل لغاية العام 607 هجرية، أي 1211 ميلادية، حيث ألف كتاب “التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية“، الذي تحدث فيه عن تاريخ الدولة الأتابكية، وامتداد الترتكيين إلى كل من حلب ودمشق، ثم انحسار ملكهم إلى حدود الموصل فقط.

ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل
ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل التي عاش فيها ابن الأثير

كراهية ابن الأثير لصلاح الدين رغم الإقرار ببطولاته:-

ولوحظ أن ابن الأثير ينهج منهجاً يقوم على كراهية الناصر صلاح الدين الأيوبي، وذلك على الرغم من إشادته ببطولاته، إذ صوره باعتباره بطل وظف كل مواهبه العسكرية في سبيل إشباع أطماع أسرته وإقامة دولة إمبراطورية، ومرد هذا التقييم مرتبط بارتباط ابن الأثير وولائه للترتكيين.

كما أنه تابع أخبار المسلمين في المشرق والمغرب وذلك بعد وفاة صلاح الدين، حيث يتعرض إلى حالة التفكك والوهن التي بلغها العالم الإسلامي، والذي جعل أراضيه وأقاليمه مطمعاً للأخطار الصليبية والمغولية.

مصدر أصيل لرواية الحروب الصليبية:-

وبحسب المعجم الذي أعدّه يسري عبد الغني عبد الله؛ فإن كتاب ابن الأثير يعتبر من المصادر الأصيلة
للحروب الصليبية، إذ قام المستشرق دي سلان بنشر كل ما أورده مع ترجمة فرنسية في مجموعة الحروب
الصليبية، الجزآن الأول والثاني من مجموعة المؤرخين الشرقيين.

مثال حول تعامل ابن الأثير مع شخصية تاريخية:-

أورد ابن الأثير عدداً هائلاً من الأعلام والأحداث التاريخية وذلك في كتابه ” الكامل في التاريخ “، منطلقاً من
نقطة الحديث منذ بدء الخليقة مروراً بهبوط آدم وحواء إلى الأرض وافتراق أبناء نوح وليس انتهاء بذكر
ملوك فارس والحيرة والبعثة النبوية وفترة صدر الإسلام، وأيام العرب… إلخ..

وفيما يلي نموذجاً يمثِّل كيفية تناول ابن الأثير لشخصية شيث بن آدم عليه السلام، ننقله من الكتاب كما
ذكره ابن الأثير نصَّاً:

شيث كان وصي آدم في مخلِّفيه بعد مضيه لسبيله، وما أنزل الله عليه من الصحف.

وقيل: إنه لم يزل مقيماً بمكة يحِج ويعتمر إلى أن مات، وإنه كان جميع ما أُنزِل عليه وعلى أبيه آدم من
الصحف وعمل بما فيها، وإنَّه بنى الكعبة بالحجارة والطين.

وأمَّا السلف من علمائنا (قول ابن الأثير)؛ فإنهم قالوا: لم تزل القبة التي جعل الله لآدم مكان البيت إلى أيَّام
الطوفان فرفعها الله حين أُرسِل الطوفان.

وقيل: إن شيثاً لما مرِض أوصى إلى ابنه أنوش ومات، فدُفِن مع أبويه بغار أبي قُبيس، وكان مولده لمضي
مائتي سنة وخمس وثلاثين سنة من عمر آدم، وقيل غير ذلك، وقد تقدَّم، وكانت وفاته وقد أتت عليه
تسعمائة سنة واثنا عشرة سنة.

وقام أنوس بن شيث بعد موت أبيه بسياسة المُلك وتدبير من تحت يديه من رعيَّته مقام أبيه، لا يوقف منه
على تغيير ولا تبديل، فكان جميع أنوش تسعمائة وخمس سنين، وكان مولده بعد أن أمضى من عُمر أبيه
شيث ستمائة سنة وخمس سنين، وهذا قول أهل التوراة.

وقال ابن عباس: وُلِد لشيث أنوش، ووُلد معه نفر كثير، وإليه أوصى شيث، ثمَّ ولِدَ لأنوش بن شيث ابنه
قينان من أخته نعمة بنت شيث بعد مضي تسعين سنة من عُمر أنوش، وولِد معه نفر كثير، وإليه الوصية.
وولِد قينان مهلائيل ونفراً كثيراً معه، وإليه الوصية، وولِد مهلائيل يرد، وهو اليارد، ونفراً منه، وإليه الوصية،
فولد يردُ حنوخ، وهو أدريس النبي، ونفراً معه، وإليه الوصية، وولد حنوخُ مَتُوشَلخ ونفراً معه، وإليه
الوصية.

تنقل الخطيب البغدادي كثيراً خلال حياته

المصادر:

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق