أعلاماختراعات

ابن الأثير الجزري .. النحوي واللغوي والأديب

طلب منه صاحب الموصل أن يتولى الوزارة، فاعتذر؛ بسبب تقدمه بالسن وتفرغه للعلم

اسمه ونشأته:

المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، مجد الدين، أبو السعادات الشيباني، المعروف بابن الأثير الجَزَرِي، المحدث اللغوي، وُلِدَ في جزيرة ابن عمر قرب الموصل، سنة 544هـ، ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل سنة 565هـ، ثم عاد إلى الجزيرة، ثم عاد إلى الموصل وتنقل في الولايات بها.

وأخوه عز الدين صاحب “التاريخ”، وأخوهما الصَّاحِب ضياء الدين مُصنِّف كتاب “المثل السائر”

ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل

تحصيله العلمي:

برع في الفقه والحديث والأدب والنحو، حيث قرأ النحو على أبى محمد سعيد بن المبارك بن الدهان، ثم على أبي الحرم مكي بن ريَّان المَاكِسِيْنِيّ الضرير، وسمع الحديث من أبى بكر يحيى ابن سعدون القرطبي، ومن خطيب الموصل أبي الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي، وغيرهما، وحج وسمع ببغداد جماعة من المتأخرين؛ كابن سُكَيْنَة وغيره.

شعره:

له شعر يسير، من ذلك ما أنشده للأتابك صاحب الموصل وقد زلت به بغلته:

إِنْ زَلَّتِ البغلـــةُ مِـــــــنْ تحتِـــــــهِ .. فإنَّ في زلَّتِهـــــــــــــــا عُذْرا

حمَّلَهــــــا مِنْ عِلْمِـــــــــهِ شاهقـــــــاً … ومِنْ نَــدَى راحتِهِ بحــــــرا

اتصاله بالأمراء ومناصبه:

اتصل بخدمة الأمير مجاهد الدين قَايْماز بن عبد الله الخادم الزيني، ثم اتصل بخدمة عز الدين مسعود بن مودود الأتابكي صاحب الموصل، وتولى عنده ديوان الإنشاء والرسائل، وكتب له إلى أن توفي، ثم اتصل بولده نور الدين أرسلان شاه، فحظي عنده، وكتب له مدة، وكان هؤلاء الأمراء يجلونه ويحترمونه، وكان عندهم بمنزلة الوزير الناصح.

طلب منه صاحب الموصل أن يتولى الوزارة، فاعتذر؛ بسبب تقدمه بالسن وتفرغه للعلم.

مشهد عام لمدينة الموصل في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

تفرُّغه للتأليف:

أصيب بداء النقرس الذي أثَّر على يديه ورجليه، فصار يُحْمَل في مِحَفَّة، ومنعه المرض من الكتابة مطلقاً، وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء، وأنشأ رباطاً بقرية من قرى الموصل تسمى قصر حرب، ووقف أملاكه عليه وعلى داره التي كان يسكنها بالموصل، وخلال هذه الفترة صنف كتبه كلها في مدة العطلة، إملاء على طلبتها، الذين كانوا يعينونه على الكتابة والنسخ والمراجعة.

ورعه وإخلاصه:

أقعده المرض -كما ذكرنا- قبل موته بمدَّة، فلزم منزله راضياً بما قضى له، قانعاً بما قُدِّر له من الرزق، يغشاه الناس؛ لفضله والرواية عنه، وحكى أخوه عز الدين أبو الحسن علي أنه لما مرض أخاه ابن الأثير جاءهم رجل مغربي، والتزم أنه يداويه ويبرئه مما هو فيه، وأنه لا يأخذ أجراً إلا بعد برئه، فملنا إلى قوله، وأخذ في معالجته بدهنٍ صنعه، فظهرت ثمرة صنعته ولانت رجلاه، وصار يتمكن من مدِّهما، وأشرف على كمال البرء، فقال لي:

أعط هذا المغربي شيئاً يرضيه واصرفه، فقلت له: لماذا وقد ظهر النُّجْحُ؟

فقال: الأمر كما تقول، ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بأخطارهم، وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدَّعَة، وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذلُّ نفسي بالسعي إليهم، وها أنا اليوم قاعد في منزلي، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءوني بأنفسهم لأخذ رأيي، وبين هذا وذاك كثير، ولم يكن سبب هذا إلا هذا المرض، فما أرى زواله ولا معالجته، ولم يبق من العمر إلا القليل، فدعني أعيش باقيه حراً سليماً من الذل، وقد أخذت منه بأوفر حظ، قال عز الدين: فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان.

ما قيل فيه:

قال أبو البركات ابن المستوفي: “أشهر العلماء ذكراً، وأكبر النبلاء قدراً، وأحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم”.

وقال القِفطي: “كاتب فاضل، له معرفة تامة بالأدب، ونظر حسن في العلوم الشرعية”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع، إن الإمام الثقة المتقن برع بعلم الحديث، علم الجَرح والتعديل، وعلم القراءات والتاريخ، وصنَّف فيها جميعاً
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

وقال الذهبي: “حدَّث وانتفع به الناس، وكان ورعاً، عاقلاً، بهياً، ذا بر وإحسان”.

قال عنه الإمام أبو شامة: “قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان رئيساً مُشاوراً، صنَّفَ “جامع الأصول” و “النهاية” و”شرحاً لمُسند الشَّافعي”، وكان به نُقرُس، فكان يُحمَل في مِحفَّة، قرأ النحوَ على أبي محمد سعيد ابن الدَّهّان، وأبي الحرم مكي الضرير.

وقال أبو شامة عن الجزري أيضاً: “ولمَّا حجَّ سمِع ببغداد من ابن كُليب، وحدَّث، وانتفَعَ به النَّاس، وكانَ ورِعاً، عاقلاً، بهيَّاً، ذا بِرٍ وإحسان”.

ابن خلكان صاحب “وفيات الأعيان”

وقال ابن خلِّكان: لمجد الدين كتاب “الأنصاف في الجَمع بين الكَشفِ والكَشَّاف”، تفسيري الثعلبي والزَّمخشري، وله كتاب “المُصطفى المُختار في الأدعية والأذكار”، وكتاب لطيف في صناعة الكِتابة، وكتاب “البديع في شرح مُقدِّمة ابن الدَّهان” وله “ديوان رسائل”.

وقال عنه ابن الشَّعار : كان كاتب الإنشاء لدولة صاحب الموصِل نور الدين أرسلاه شاه بن مسعود بن مودود، وكان حاسباً، كاتباً، ذكياً”، وأضاف” وكان من أشدِّ النَّاس بُخلاً”.

كتبه:

  1. جامع الأصول في أحاديث الرسول: جمع فيه بين الصحاح الستة.
  2. النهاية في غريب الحديث والأثر.
  3. منال الطالب في شرح طوال الغرائب: جمع فيه من الأحاديث الطوال والأوساط ما أكثر ألفاظه غريب، وصنفه بعد انتهائه من كتابه «النهاية».
  4. الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن الكريم: أخذه من تفسير الثعلبي والزمخشري.
  5. المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار.
  6. صنعة الكتابة.
  7. البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدَّهَّان.
  8. ديوان رسائل.
  9. الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي.
  10. الأَذوَاء وَالذَّوَات.
  11. الفروق في الأبنية.
  12. المختار في مناقب الأخيار.

وفاته:

توفي بالموصل، يوم الخميس، سنة 606هـ.

المصادر:

الأعلام للزركلي (5/272).

إنباه الرواة على أنباه النحاة (3/257/رقم 741).

سير أعلام النبلاء (21/489/رقم 252).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (7/42).

العبر في خبر من غبر (3/143).

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (6/198).

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/141/552).

النهاية في غريب الحديث والأثر للجزري، مقدمة المحقق علي الأثري الحلبي.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق