أعلام

ابن إياس .. مؤرخ نهاية دولة المماليك

وقف بين الحادثة والأخرى يشرح ويُعقِّب ويتفلسف مع شيء من القوة في الحكم، والجرأة في التقدير

عالم من كبار مؤرخي مصر في عصر المماليك، أديب وناقد تتلمذ على يد مشايخ عظماء، أمثال جلال الدين السيوطي (1445-1505 م)… هو أبو البركات ابن إياس ، مؤرخ نهاية دولة المماليك.

من هو إبن إياس ؟

هو أبو البركات زين الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن إياس الحنفي، الجركسي الأصل، الناصري القاهري، ولِد في القاهرة سنة 852هـ / 1448م، وهو من أصول تركية.

هو مؤرخ من كبار علماء التاريخ ، عاش في ترفٍ من العيش ورغد الحياة بما ورثه عن أسرته، فكان ميسور الحال لا يلهث وراء المال، وظل متفرغاً لكتابة التاريخ ونظم الشعر والبحث عن الحقيقة وانتقاد الظَلمَة من حكام عصره.

فكر ابن إياس ومنهجه:

كان ابن إياس أديباً ومفكراً كبيراً، إلى جانب كونه مؤرخاً لامعاً مرموقاً، شهد أحداثاً ومواقفَ كثيرة، فدوّن ما رآه وطَرَقَ سمعه و سَجل تاريخ عصره بتفاصيله، بطريقة موضوعية ونزيهة وصفت بـ”الصدق والعمق في في تناول الأحداث”.

والواقع أن ابن إياس كان على جانب من القدرة العالية في النقد، فلم يقنع بسرد الحوادث والوقائع والوفيات على ذات وتيرة أغلب السالفين من كُتَّاب التاريخ، بل وقف بين الحادثة والأخرى يشرح ويُعقِّب ويتفلسف مع شيء من القوة في الحكم، والجرأة في التقدير، والمغالاة في التصوير.

وربما شجعه على ذلك اتصاله ببعض أعيان البلاط السلطاني في عهود مختلفة كالأمير تمراز الشمسي، والأمير أقبردي الدوادار الكبير، وكلاهما من رجال عصر سلطان الديار المصرية قايتباي (المتوفى عام 1496م).

 كما اتصل بأبي بكر بن مزهر وابنه البدري محمد، والقاضي محمود بن أجا. وهم ممن شغل وظيفة كاتب سر في الدولة، وهذا فضلا عن صلته بأخيه الجمالي يوسف الذي أمده بما جرى بالقلعة من أخبار وأسرار.

الزي العسكري للسلطان قايتباي من زاوية أخرى – متحف الميتروبوليتان

أخلاقه:

أما عن أخلاق ابن إياس ؛ فلا سبيل لمعرفة ما اشتهر به من صفات عند معاصریه، ما دام الموجود من كتب المعاصرين والمتأخرين لا ينبیء عنه بشيء من ذلك البتة.

 على أن الكتب التي ألفها، والملاحظات التي أودعها في هذه الكتب عن نفسه وعن حوادث عصره ورجاله تدلنا على الكثير من کنه شخصيته ، فضخامة مؤلفاته برهان على أنه ظل طوال حياته مُجِدا في الكتابة، دائباً على تدوین الأحداث والوقائع، ما يشهد على دقة ملاحظته وشدة استقصائه للحقائق، وقوته في الحكم على الناس تخبر بعلو مستواه الخلقي.

قطعة في غاية الروعة تعود للسلطان المملوكي مظفر شمس الدين – النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي – الميتروبوليتان

 وقد تناول تاريخ الحكم العثماني في مصر بالنقد والسخرية أحياناً، نظراً لإهمال رجاله مصالح المصريين، ما يعطيه مكانة سامية بين المؤرخين وغير المؤرخین، بل وربما كان موقفه من الحكم العثماني السبب في خفاء ترجمته من كتب التراجم .

التأريخ لنهاية دولة المماليك وبداية الحكم العثماني:

كتب الكثيرون عن نهاية دولة المماليك، فلابن زنبل الرمال كتاب كامل عن معركة مرج دابق (1516 م)، وكذلك أرخ ابن الحمصي لتلك الفترة، ولكن يبقى مؤلَّف ابن اياس الشهير “بدائع الزهور في وقائع الدهور” أهم ما كتب عن هذه المرحلة التاريخية.

بلطة تعود لفترة التواجد المملوكي في سوريا – عام 1450 م – متحف الميتروبوليتان

السياق التاريخي:

ويمكن تحديد السياق التاريخي الذي اهتم به مؤرخنا في الفترة الممتدة بين سنتي 1363-1522 م، حيث شهدت هذه الفترة تجبر وظلم المماليك وتفشي الجهل الديني، وعجز الحكام عن حماية المسلمين من القوات الخارجية التي كانت تتطلع لاحتلال المشرق العربي في نهايات القرن الخامس عشر، إضافة إلى الانحلال الاجتماعي الذي تعرَّضت له دولة المماليك، وكان هذا من خلال الابتعاد عن تطبيق مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، إضافة إلى ابتعاد سلاطين المماليك عن الناس وعدم اختلاطهم بالرعية، لتسقط الدولة المملوكية ويتولى العثمانيون الحكم.

لقد أعطى ابن إياس أهمية كبيرة لتاريخ مصر والدولة المملوكية في أواخر عصرها وبداية حكم الدولة العثمانية، ويعتبر ابن إياس من المؤرخين القلائل الذين عاصروا دخول العثمانيين مصر و كتب عنها، وعن فترة حكم الدولة العثمانية، ووصف أحوال مصر السياسية والعسكرية والإدارية والقانونية والاقتصادية والثقافية والفنية والمعمارية.

كتابه الشهير “بدائع الزهور في وقائع الدهور”:

سجل إبن إياس في هذا الكتاب حوادث عام 1522م بمصر، ما جعله مرجعاً هاماً للباحثين في تاريخ المنطقة.

 لقد احتوى هذا الكتاب الموسوعي على أحد عشر جزءاً، بدأها بالحديث عن مصر منذ أقدم العصور حتى عهد الدولة الأيوبية، ليبدأ المؤلف بسرد تاريخ مصر أيام المماليك.

وقد قرأ ابن إياس كتبا كثيرة في التاريخ ليحقق لكتابه هذا ما يتميز به من عمق تاريخي، فقد قرأ كتب المسعودي (896-957 م)، ومحمد بن جرير الطبري (839-923 م)، وابن الداية (المتوفى عام 951 م)، وأبو الفداء (1273-1331 م)، وابن كثير الدمشقي (1301-1373 م) وغيرهم.

الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي يتحدث عن ابن إياس

وقد اهتم معظم المستشرقين بهذا الكتاب الذي طبع مرات عديدة، كما تُرجم إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

وتتجسد القيمة العلمية لهذا الكتاب في أن المؤلف ركز فيه على وصف الفتح العثماني لمصر وأحوال الشعب آنذاك، موضحاً طبيعة العلاقات بين العرب والأتراك العثمانيين.

لقد حفل الكتاب بأحداث كثيرة تجلت في لغة بسيطة كانت شائعة بین مؤرخي العصر المملوكي، منها بعض الألفاظ التركية، كما استعان ابن إياس بمقاطع شعرية أعطت المؤلَّف طابعا شخصيا يميز المؤلِّف.

وقد اعتبر كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور بحقٍّ مرجعاً تاريخياً وعلمياً لفترة حاسمة في تاريخ مصر، أفادت العلماء والأدباء والباحثين، كما أن المؤلف التزم الصدق في النقل والرواية وجمع تفاصيل الأخبار حتى استطاع أن ينجز كتابه هذا الذي يصور لنا مصر في عصر المماليك والعصر العثماني، ليظل بذلك مرجعاً تاريخياً هاماً.

سيف عثماني يعود إلى الفترة الواقعة بين عامي 1522-1566 م
سيف عثماني يعود إلى الفترة الواقعة بين عامي 1522-1566 م – الميتروبوليتان

وصف ابن إياس موقعة الريدانية:-

لقد أسهب ابن إياس في وصف موقعة الريدانية (شمال القاهرة) والتي أصبحت بموجبها السلطنة المملوكية في حُكم المنتهية (922 هـ/ 1517 م)، نستعير مما ذكره بشأنها عبر اقتباس بعض ما ذكر.

“.. وزحف عسكر ابن عثمان ووصل أوائله إلى الجبل الأحمر، فلمَّا بلغ السلطان طومانباي ذلك؛ زعق في الوطاق (الخيمة الكبيرة المُعدَّة للقادة) ونادى السلطان العسكر بالخروج إلى قتال عسكر ابن عثمان فركبت الأمراء المقدمون ودقوا طبول حربياً، وركب العسكر قاطبة حتى سد الفضاء، وأقبل عسكر ابن عثمان كالجراد المنتشر وهم السواد الأعظم، فتلاقى الجيشان في أوائل الريدانية، فكان بين الفريقين موقعة مهولة.. “.

“ثم أن العثمانية تحاربوا وجاؤوا أفواجاً أفواجاً، ثم انقسموا فرقتين: فرقة جاءت من تحت الجبل الأحمر، وفرقة جاءت للعسكر عند الوطاق بالريدانية، فطرشوهم بالبندق الرصاص، فقُتِل من عسكر مصر ما لا يُحصى عددهم، وقُتِلَ من الأمراء المقدمين جماعة، منهم أزبك المكحل وآخرون منهم.. فلم تكن إلَّا ساعة يسيرة مقدار خمس درجات، حتى انكسر عسكر مصر وولى مُدبراً وتمت عليهم الكسرة، فثبت بعد الكسرة السلطان طومان باي نحو عشرين درجة وهو يقاتل لنفسه في نفر قليلٍ من العبيد الرماة والمماليك السلحدارية، فقتل من عسكر ابن عثمان ما لا يُحصى عددهم، فلمَّا تكاثرت عليه العثمانية ورأى العسكر قد قلَّ من حوله؛ خاف على نفسه أن يقبضوا عليه، فطوى الصنجق (العَلَم) السلطاني وولى واختفى..”.

معركة الريدانية بشهادة ابن إياس
معركة الريدانية بشهادة ابن إيَّاس

قتل ونهب:-

.. ثم أن جماعة من العثمانية لما هرب السلطان ونهبوا الوطاق؛ دخلوا إلى القاهرة وقد ملكوها بالسَّيف عنوة، فتوجهوا جماعة من العثمانيين إلى المقشرة وأحرقوا بابها وأخرجوا من كان بها من المحابيس وكان بها جماعة من العثمانية سجنهم السلطان لما كان بالريدانية، فأطلقوهم أجمعين… ثم توجهوا إلى بيت .. أحد المقدمين فنهبوا ما فيه.. وكذلك بيوت جماعة من الأمراء وأعيان المباشرين ومساتير الناس وصارت الزُعر (العامَّة) والغلمان ينهبون البيوت في حجة العثمانية، .. وصارت العثمانية تنهب ما يلوح لهم من القماش وغير ذلك، وصاروا يخطفون جماعة من الصبيان المُرد والعبيد السود، .. ثم توجهوا إلى شؤون القمح التي بمصر وبولاق فنهبوا ما فيها من الغِلال، وهذه الحادثة التي وقعت لم تمر لأحد من النَّاس على بال، وكان ذلك مما سبقت به الأقدار في الأزل..”.

قتلى في مكان:-

” .. ثم صارت القتلاء من الأتراك والعثمانية أجسادهم مرمية من بولاق إلى قناطر السباع وإلى الرملة وإلى تحت القلعة، وفي الحارات والأزقَّة من الأتراك والعثمانية، وهم أبدان بلا رؤوس..”.

” ولمَّا هرب السلطان طومان باي؛ وقع بالقاهرة المصيبة العظمى التي لم يُسمع بمثلها فيما تقدَّم من الزمان، .. طفشت العثمانية في الصليبة وأحرقوا جامع شيخو، فاحترق سقف الإيوان الكبير والقبة..

“..ثم إن العثمانية طفشت في العوام والغلمان من الزعر وغير ذلك، ولعبوا فيهم بالسيف وراح الصالح بالطَّالِح، وربما عوقب من لا جنى، فصارت جثثهم مرمية على الطُّرُقات من باب زويلة إلى الرملة ومن الرملة إلى الصليبة إلى قناطر السباع إلى الناصرية إلى مصر العتيقة..”. “… ثمَّ أن العثمانية صارت تكبس على المماليك الجراكسة في البيوت والحارات فمن وجدوه منهم ضربوا عنقه، ثم صاروا العثمانية تهجم الجوامع وتأخذ منها المماليك الجراكسة، فهجموا على جامع الأزهر، وجامع الحكم وجامع ابن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات..”.

تحول في مسار التاريخ المصري مع انتهاء العصر المملوكي وبدء نظيره العثماني ابن إياس
تحول في مسار التاريخ المصري مع انتهاء العصر المملوكي وبدء نظيره العثماني

نهاية رجل شجاع:-

” وكان حسن بن مرعي بينه وبين طومان باي صداقة قديمة فأركن له طومان باي ونزل عنده على سبيل الضيافة، ثم إن السلطان طومان باي أحضر إلى حسن وابن أخيه مصحفاً شريفاً وحلفهما عليه أنهما لا يخونانه ولا يغدرانه ولا يدلِّسان عليه بشيء من أسباب الملك..” لكن حسن ابن مرعي كان مشتركاً في حيلة أفضت إلى تسليم طومان باي للعثمانيين.

“حتى وصل إلى باب زويلة (طومان باي) وهو لا يدري ما يُصنع به (بعد 17 يوماً من الحجز)، فلمَّا أتى إلى باب زويلة أنزلوه من على الفرس وأرخوا له الحِبال ووقفت حوله العثمانية بالسيوف، فلمَّا تحقق له أنه يُشنَق وقف على أقدامه على باب زويلة، وقال للنَّاس الذين حوله: اقرؤوا لي سورة الفاتحة ثلاث مرات، فبسط يده وقرأ سور الفاتحة ثلاث مرات، وقرأ الناس معه، ثم قال للمشاعلي: اعمل شغلك، فلمَّا وضعوا الخية في رقبته ورفعوا الحبل نتقطع به فسقط على عتبة باب زويلة، وقيل: انقطع به الحبل مرتين وهو يقع على الأرض، ثم شنقوه وهو مكشوف الرأس، وعلى جسده جوخ أحمر، وفوقها ملوطة بيضاء، وفي رجله لباس جوخ أزرق”.

ويقول ابن إياس: ” فلمَّا شُنِقَ وطلعت روحه صرخت النَّاس صرخةً عظيمة، وكثر عليه الحُزْنُ والأسف، فإنه كان شاباً حسن الشَّكِل سنه نحو أربع وأربعين سنة، وكان شجاعاً بطلا تصدَّى لقتال ابن عثمان وثبت وقت الحرب وحده بنفسه، وفتك منها ما لا يحصى، وكسرهم ثلاث مرات في نفرٍ قليل من عسكره، ووقع منه في الحرب أمور ما لا تقع من الأبطال”.

تصانيف أخرى:

لابن إيَّاس مؤلفات أخرى عديدة، نذكر منها “نشق الأزهار في عجائب الأمصار”  وهو كتاب يبحث في علم الفلك وتركيب الكون وحضارة مصر الفرعونية، و كتاب “عقود الجمان في وقائع الأزمان”، و  كتاب “مرج الزهور في وقائع الدهور”، ثم كتاب “نزهة الأمم في العجائب والحكم” .

القاهرة عام 1870 م والتي انطلقت شهرة الإمام السيوطي منها إلى آفاق العالم ابن إياس
القاهرة عام 1870 م والتي شهدت تعاقب الأمم على حكمها – مكتبة الكونغرس

وفاة ابن إياس:

توفي ابن إياس سنة  930 هـ / 1523 م، بعد عمر من التفرغ للتاريخ، والقراءة، والكتابة والتأليف.

المصادر:

  • حسين عاصي: ابن إياس – مؤرخ الفتح العثماني لمصر، دار الكتب العلمية.
  • علي عبد الفتاح: أعلام المبدعين من العرب والمسلمين، دار ابن حزم.
  • آخرة المماليك، ابن زنبل، تحقيق عبد المنعم عامر.

https://weaponsandwarfare.files.wordpress.com/2016/10/ain-jalutsaracensandreykarashchu.jpg

https://www.metmuseum.org/art/online-features/metcollects/shirt-of-mail-and-plate-of-al-ashraf-sayf-ad

https://weaponsandwarfare.files.wordpress.com/2015/10/abd355d70e44ae2d6b4edf6793ed679f.jpg

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى