أعلام

ابن إسحاق .. المؤرخ والنسَّابة

قال عنه الواقدي: "خرج من المدينة قديماً فأتى الكوفة والجزيرة والري وبغداد، فأقام بها حتى مات"

ابن اسحاقاسمه:-

ابن اسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، وقيل: ابن يسار بن كوتان المديني مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وقد كان مولده سنة ثمانين للهجرة.

كنيته:-

اختلف في كنية ابن إسحاق على قولين:

  1. فقيل: إنه يكنى بأبي بكر.
  2. وقيل: يكنى بأبي عبد الله.

طلبه للعلم:-

لقد كان من سنة تلك الأيام البكور في طلب العلم، ولقد كان ابن إسحاق قد طلب العلم منذ صغره، فقد أدرك أنس بن مالك، ورآه عليه عمامة سوداء، ورأى سعيد بن المسيب ، وهو غلام كما حدث هو عن نفسه.

رحلة ابن إسحاق :-

ما كان لطالب علم إلا أن يرحل في طلب العلم، وإلا فاته خير كثير، وعلم غزير، ولقد كان ابن إسحاق ممن رحل، ويحدثنا الإمام محمد بن سعد كاتب الواقدي عن رحلة ابن إسحاق فيقول: “خرج من المدينة قديماً فأتى الكوفة والجزيرة والري وبغداد، فأقام بها حتى مات”.

وقال ابن يونس: “قدم ابن إسحاق الإسكندرية سنة خمس عشرة ومائة”.

هذا وصف الناس لرحلة ابن إسحاق، وهذا يومئ إلى المساحة الواسعة، والبلاد الشاسعة التي جابها في طلب العلم.

شيوخه:-

من كان هذا دأبه في تلقي العلم بالبكور فيه، والرحلة في أطراف الأرض لأجله فلا بد له من الإكثار عن الشيوخ، ولقد روى ابن إسحاق عن شيوخ كثر، نذكر من هؤلاء هنا ما يلي:

  1. أبوه إسحاق بن يسار.
  2. عمه موسى بن يسار.
  3. أبان بن عثمان.
  4. بشير بن يسار.
  5. سعيد بن أبي هند.
  6. سعيد المقبري.
  7. عباس بن سهل بن سعد.
  8. عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
  9. محمد بن إبراهيم التيمي.
  10. أبو جعفر الباقر.
  11. فاطمة بنت المنذر.
  12. محمد بن شهاب الزهري.

وغيرهم كثير، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني عقب ذكر من روى عنهم: وخلق كثير.

هذا وقد صنف الإمام الذهبي كتاباً في الرجال الذين يروي عنهم ابن إسحاق، واسم هذا الكتاب رجال ابن إسحاق، وقد طبع في ليدن في هولندا سنة 1890م.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

أقوال العلماء فيه:-

  • يقول ابن حبان عن ابن اسحاق: “يروي عن مشايخ قد رآهم، يروي عن مشايخ عن أولئك، وربما روى عن أقوام رووا عن مشايخ يروون عن مشايخه يدل ما وصفت من توقيه على صدقه”.
  • قالَ عنه عاصِم بن عُمر بن قُتادة: “لا يزالُ في النَّاسِ علمٌ ما عاش محمد بن إسحاق”.
  • قال عنه محمد بن عبد الله بن نُمير: إذا حدَّثَ عمن سَمِعَ منه من المعروفين فهو حسَنٌ صَدُوق، وإنَّمَا أُتِيَ من أنه يُحَدِّث عن المجهولين أحاديثَ باطلة.
  • قال عنه ابن النديم في “الفهرست”: “وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كُتُبِهِ أهلُ العِلم الأول..، وأنه كانَ يُعْمَل له الأشعار، ويؤتى بِها ويُسأل أن يُدخلها في كتابه فيفعل، فضمَّنَ كتابه من الأشعار ما صارَ به فضيحة عند رُواة الشِّعر”.
  • نقل سفيان بن عُيينة عن شعبة قوله: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث.
  • نقل يحيى بن معين عن يحيى القطَّان أنَّ الأخير كان لا يرضى ابن إسحاق، ولا يروي عنه.
  • قال مكي بن إبراهيم: حضرتُ مجلس محمد بن إسحاق، فإذا هوَ يروي أحاديثَ في صِفَة الله تعالى لم يحتَمِلْهَا قلبي، فلم أعُد إليه.
  • قال عنه هارون بن معروف: كان محمد بن إسحاق قدَرِيَّاً.

تلاميذه:-

ما أن يظهر عالم، ويثنى عليه حتى يصبح وجهة لطلبة العلم، ولا غنى له عن ذلك، فإن التلاميذ من أكبر آثار الرجل فهم ناشرو علمه، وحاملو رايه، والمعرفون بفضله، والمشيدون بذكره، وصاحبنا ابن إسحاق رجل له تلاميذ كثر أخذوا عنه العلم ونقلوه إلى من بعدهم، ولقد بلغ هؤلاء من الكثرة ما جعل الذهبي يقول في وصفهم: وأمم سواهم يشق استقاؤهم، ويبعد إحصاؤهم، ولقد كان من هؤلاء التلاميذ ما يلي:

  1. يزيد بن ابي حبيب شيخه.
  2. يحيى بن سعيد الأنصاري، وهما من التابعين وفاقاً.
  3. شعبة بن الحجاج.
  4. سفيان الثوري.
  5. حماد بن سلمة، وحماد بن زيد.
  6. أبو عوانة.
  7. هشيم بن بشير.
  8. يزيد بن زريع.
  9. جرير بن حازم.
  10. جرير بن عبد الحميد.
  11. ابن عون.
  12. عبد الله بن سعيد بن أبي هند.
  13. سفيان بن عيينة.
  14. يونس بن بكير.
  15. زياد البكائي.

مصنفاته:-

يعتبر عمل ابن إسحاق أساسياً وبالغ الأهمية فيما يتعلق بالسيرة النبوية، وتكمن أهميته في الجانب التاريخي بكونه تمكَّن كمؤرِّخ كبير من استيعاب تجارب شيوخه، لا بل وتطويرها وإعادة تنظيمها من خلال فهمه الجديد للتاريخ.

ومن هنا؛ أصبح ابن إسحاق شيخ كُتَّاب السيرة، وصار من كتبوا بعده عيالاً عليه، وذلك بحسب سهيل زكَّار محقق كتابه “السير والمغازي”.

لكن ما كتبه ابن إسحاق في مضمار السيرة لم يصل إلينا بشكله الأول، وإنمَّا بعد تهذيبه وتعديله من قبل آخرين لعل أبرزهم ابن هشام .

أمَّا عِدَاء مالك بن أنس لابن إسحاق فلهُ سببان، الأول أن ابن إسحاق كان يطعن في نَسَب مالك بن أنس، ويروي أنَّهُ وأهلهُ من موالي بني تميم بن مرَّة، والثَّاني أنَّهُ كان يطعنُ في عِلْمِ مالِك، ويقول “ائتوني ببعضِ كُتُبِهِ حتَّى أُبيِّنَ عيوبه، أنا بيطَار كتُبِه”، فَكَانَ مالك يقولُ فيه: “إنَّهُ دَجَّالٌ منَ الدَّجَاجِلة”، وكانَ يقول: نحنُ نفيناهُ من المدينة، وكان يقول: “محمد بن إسحاق كذَّاب”.. وعلى كُلِّ حالٍ؛ وَقَفَ فيهِ عُلَمَاءُ المدينة موقفين مختلفين، فكانَ هِشام (بن عروة بن الزبير) ومالِك يُجرِّحانِه، وكان ابن شِهَاب الزُّهري وغيره يثنونَ عليه، وقد اُتهِمَ بالتَّشَيُّع والقولَ في القَدَر؛ فلمَّا قامت الدَّولة العباسية رَحَلَ إلى العِراق، فنَزَلَ الكوفَةَ والجزيرةَ والرَّي وبغداد، واتصل بالمنصور (أبي جعفر)، وطلب منهُ أن يُصنِّفَ كتاباً لابنهِ المهدي منذُ خلَقَ اللهُ آدم إلى يومهِ ففعل، فاستطالهُ المنصور فاختصرهُ في هذا الكتاب المُختصر، وأُلقِيَ الكتابُ الكبيرُ في خزانةِ المنصور.

— أحمد أمين يتحدث عن ابن إسحاق وكتابه “السيرة”.

إن مما يحفظ ذكر العالم بعد موته بالإضافة إلى التلاميذ وجود المصنفات التي تبقى شاهدة بفضل العلماء، منادية بذكرهم، ناقلة لآرائهم، ولقد صنف ابن إسحاق، وقد ذكر العلماء من مصنفات ابن إسحاق الكتب التالية:

  1. السير والمغازي، ويقول الدكتور سهيل زكار محقق كتاب السير والمغازي لابن إسحاق: إن عبقرية الأخير وتفوقه على سابقيه؛ تجلَّت في ترتيبه لكتابه بشكل فيه منطق ونظام، وترتيبه وإن لم يأتِ مثالياً، غير أن فيه إبداعاً يقترب من الكمال.
  2. تاريخ الخلفاء.
  3. كتاب الخلفاء.
  4. أخبار كليب وجساس.
  5. كتاب حراب.

كما نسبت إليه الكتب التالية:

  1. سير العرب الأربع.
  2. حديث الإسراء والمعراج.
  3. أخبار صفين.

نهاية مسيرة :-

اُختُلِفَ بشأن سنة وفاة ابن إسحاق التي وافته المنية ببغداد ودُفِن بمقبرة الخيزران، وذلك وفقاً للآراء التالية:

  • قال أبو حفص عمرو بن علي: ماتَ محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السِّيرة سنة خمسين ومئة، وقد أيَّدهُ بهذا الرأي إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي.
  • قال أحمد بن خالد الوهبي: مات ابن إسحاق سنة إحدى وخمسين ومئة، وقد أيده بهذا التقدير الهيثم بن عَدِي.
  • قال ابن المديني: إن الوفاة حصلت سنة اثنين وخمسين ومئة، ووافقه بذلك زكريا بن يحيى السَّاجي، ويحيى بن معين.

موضع ابن إسحاق بين المؤرخين المبكرين.

المصادر:-

تاريخ بغداد، طبقات ابن سعد، السير، التهذيب، الفهرست، طبقات الشعراء لابن سلام، سيرة ابن إسحاق (تحقيق سهيل زكار)، ضُحَى الإسلام لأحمد أمين.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى