أعلام

ابن أبي عصرون .. قاضي القضاة وفقيه الشام

بنى هو لنفسه مدرسة بحلب، وأخرى بدمشق تسمى «العصرونية» نسبةً إليه

ابن أبي عصرون – اسمه ونسبه:-

ابن أبي عصرون هو عبد الله بن محمد بن هبة الله بن الْمُطَهِّرِ بن علي بن أبي عَصْرُون، شرف الدين أبو سعد التميمي الحَدِيْثِيُّ ثم الموصلي، قاضي القضاة وفقيه الشام الشافعي ، أصله من حديثة الموصل، وُلِد بالموصل، يوم الإثنين، 22 ربيع الأول، سنة 492هـ.

ابن أبي عصرون –تحصيله مكانته العلمية:-

كان ابن أبي عصرون من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، وممن ذاع صيته وانتشر ذكره.

قرأ في صباه القرآن الكريم بالقراءات العشر على أبي الغنائم السُّلمي السَّرُوْجِي، والبارع أبي عبد الله بن الدباس، وأبي بكر المَرْزُوْقِي، وغيرهم، وتفقه أولاً على القاضي المرتضى أبي محمد عبد الله بن القاسم الشَّهْرُزُوْرِي، وعلى أبي عبد الله الحسين بن خميس الموصلي، ثم على أسعد المِيْهَنِي ببغداد، وأخذ الأصول عن أبي الفتح بن برهان الأصولي، وقرأ الخلاف، وتوجه إلى مدينة واسط وقرأ على قاضيها الشيخ أبي علي الفَارِقِي.

الإدريسي يصف واسط

درَّس بالموصل في سنة 523هـ، وأقام بسِنْجار مدة، ثم انتقل إلى حلب سنة 545هـ فدرَّس بها، ثم قدم دمشق لما ملكها الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي في صفر سنة 549هـ، ودرَّس بالزاوية الغربية من جامع دمشق وتولى أوقاف المساجد.

يقول عنه العماد الأصفهاني: “لقيته بالموصل عام 542 هجري، وهو مُدرِّس بالمدرسة الأتابكية العتيقة، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سنجار، وأقام مدَّة بها يزاول مهنة التدريس والإفتاء، حتى اتصَلَ بنور الدِّين محمود زنكي صاحب حلب”.

ثم رجع إلى حلب، وأقام بها وصنف كتباً كثيرة في المذهب، وتتلمذ على يديه الكثير من طلبة العلم وانتفعوا به، وأصبح له مكانة مرموقة عند نور الدين صاحب الشام، وبنى له المدارس بحلب وحماة وحمص وبَعْلَبَكَّ وغيرها، وبنى هو لنفسه مدرسة بحلب، وأخرى بدمشق تسمى «العصرونية» نسبةً إليه.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب

تولى ابن أبي عصرون بعد ذلك القضاء بسِنجار ونَصِيْبِيْنَ وحرَّان وغيرها من ديار بكر، ثم عاد إلى دمشق سنة 570هـ، وتولى القضاء بها في سنة 573هـ، وصنف التصانيف، وأقرأ القراءات والفقه، واشتهر ذكره، وعظم قدره.

كُفَّ بصره في آخر عمره قبل موته بعشر سنين، وابنه محمد ينوب عنه وهو باق على القضاء، وصنف جزءاً لطيفاً في جواز قضاء الأعمى، وهو على خلاف مذهب الشافعي.

ابن أبي عصرون وصلاح الدين:-

جمعت بين كل من صلاح الدِّين الأيوبي وابن أبي عصرون علاقة وديَّة متينة قائمة على أساس التقدير المتبادل وذلك منذ عهد نور الدين زنكي، فقد كانا من رجال الأخير الأكفاء، أحدهما مناط به الأمور العسكرية وثانيهما يشتغل بالقضاء والفتيا والتعليم.

وما يدل على هذه العلاقة المتينة بينهما؛ تلك الرِّسالة التي بعث بها صلاح الدين الأيوبي من مصر إلى الشام إلى ابن أبي عصرون، والتي أظهر فيها الأول احترامه الكبير للثاني وحنقه على الأمراء المتخاذلين اللاهثين وراء السَّلام مع الصليبيين، مراهنا على قدرة ابن أبي عصرون على التأثير في مجريات الأحداث والسعي إلى إفشال الاتفاق الصليبي مع أمراء الشَّام.

وقد خاطبه صلاح الدِّين في الرِّسالة قائلاً فيها: “.. وسيدنا الشَّيخ أولى لسانه الذي تُغمَدُ له السُّيوف وتُجرد، وقام في سبيل الله قيام من يقطع عادية من تعدَّى وتمرد..”.

ولم يوافق عبد الله بن أبي عصرون على الاتفاقية الانهزامية مع الصليبيين، بل كان يعاني من الألم النفسي الناجم عن تردي حال البلاد وانحطاطها واستسلامها.

وكان صلاح الدين من أشد الدَّاعمين لتولي ابن أبي عصرون لمهمة القضاء وفقاً للمذهب الشَّافعي.

شعره:-

له شعر؛ منه هذه الأبيات:

أُؤَمِّـــلُ أَنْ أَحْيــا وفــي كُــــلِّ ساعـــةٍ .. تَمُــرُّ بِيَ الْمَوتى تُهَزُّ نُعوشُها

وهَــلْ أَنا إِلاّ مِثْلُهُـــمْ غَيْـــرَ أَنَّ لـــي .. بَـقايــا لَيالٍ في الزَّمانِ أَعيشُها

ومن شعر ابن أبي عصرون أيضاً:

أُؤَمِّــلُ وصـــلاً مِــنْ حبيـبٍ وإنَّنــي .. علـــى ثقةٍ عمَّا قليل أفارقه

تُجاري بنا خيل الحمام كأنَّمــا .. يســابقني نحو الرَّدى وأسابقه

فيا ليتنا متنــا معـــاً ثمَّ لم يذق .. مـــرارة فقدي لا ولا أنا ذائقه

وقال في فراق الحبيب:

يَا سَائِلِي كَيْفَ حَالِي بَعْد فُرْقَتِهِ.. حَاشَاكَ مِمَّا بِقَلْبِي مِنْ تَنَائِيكَا

قَدْ أَقسَمَ الدَّمعُ لاَ يَجفو الجُفُوْنَ أَسَىً.. وَالنَّومُ لاَ زَارهَا حَتَّى أُلاَقيكَا

وله أيضاً:

وما الدَّهرُ إلَّا ما مضــى وهو فــائتٌ .. ومــا سوف يَأْتِي وهو غير مُحَصَّلِ

وعيشُـــكَ فيمـــا أنتَ فيهِ وإنَّــه .. زمــــانُ الفتى من مُجْمَلٍ ومُفَصَّلِ

ومن شعره الرائق في الشوق قوله:

أَمُسْتَخْبِــرِي عَـنْ حَنِينِــي إِلَيْـــهِ .. وَعَــنْ زَفَرَاتِي وَفرْطِ اشتيَاقِي

لَكَ الخَيْــــرُ إِنَّ بِقَلْبِـــي إِلَيْـــك .. ظَـمــــاً لاَ يُرَوِّيْهِ إِلاَّ التَّلاَقِي

أقوال العلماء فيه:-

  • قال موفق الدين بن قدامة عنه : “كان ابن أبي عصرون إمام أصحاب الشافعي في عصره”.
  • وقال ابن الصلاح: “كان من أفقه أهل عصره، وإليه المنتهى في الفتاوى والأحكام … تفقَّه عليه خلق كثير”.
  • وقال السُّبْكي: “كان من أعيان الأمة وأعلامها، عارفاً بالمذهب والأصول والخلاف، مشاراً إليه في تحقيقات الفقه، دَيِّناً خَيِّراً متواضعاً، سعيد الطلعة، ميمون النقيبة، ملأ البلاد تصانيف وتلامذة”.
  • قال الذهبي عنه: ” كانَ أحد الأعلام، وكان من الصُلَحاء، والعلماء العاملين..”.

تلاميذ ابن أبي عصرون :-

ابن أبي عصرون أستاذ لعدد كبير من التلامذة الذين اشتهروا بعده في مجالات القضاء والفقه والنحو، وفيما يلي بعضاً منهم:

  • ضياء الدين أبو عمر الهذباني المراني الموصلي، صاحب الاستقصاء.
  • عبد الملك بن زيد بن ياسين التغلبي أبو القاسم الدولعي، ضياء الدين الأرقمي الموصلي، خطيب دمشق والمدرِّس بها.
  • موفَّق الدين بن يعيش، أبو البقاء يعيش بن علي بن ابي السرايا، القاضي الموصلي الأصل، الحلبي المولد والمنشأ، الملقَّب بموفق الدِّين النحوي أو ابن الصَّائغ.
  • جمال الدين ابن الحرستاني : قاضي القضاة أبو القاسم عبد الصمد بن أبي الفضل الأنصاري الخزرجي العبادي السعدي الدمشقي الشَّافعي، الإمام الفاضل والمدرِّس الفذ على المذهب الشَّافعي.
  • ابن الدَّهان الحمصي الموصلي الفقيه الشَّافعي المنعوت بالمهذَّب، أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى بن علي.

كتبه ومصنفاته:-

  1. صفوة المذهب من نهاية المطلب.
  2. الانتصار لما جرد في المذهب من الأخبار والاختيار.
  3. المرشد.
  4. الذريعة في معرفة الشريعة.
  5. التيسير: في الخلاف.
  6. مآخذ النظر.
  7. الفرائض.
  8. الإرشاد المغرب في نصرة المذهب.
  9. فوائد المهذب.
  10. التنبيه في معرفة الأحكام.

وفاته:-

توفي ابن أبي عصرون بمدينة دمشق ليلة الثلاثاء، 11 رمضان، سنة 585هـ، ودُفِنَ في مدرسته العصرونية التي أنشأها داخل البلد.

ابن بطوطة يتحدث عن مدينة دمشق

المصادر:

  • الأعلام (4/124).
  • المدارس العصرونية في بلاد الشَّام، صادق أحمد جودة.
  • سير أعلام النبلاء (21/521/رقم 63).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/465).
  • طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/27/رقم 328).
  • طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (7/132/رقم 834).
  • طبقات الشافعيين (1/716).
  • طبقات الفقهاء الشافعية (1/512/رقم 187).
  • العبر في خبر من غبر (3/90).
  • وفيات الأعيان (3/53/رقم 335).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى