أعلام

ابن أبي الشخباء العسقلاني .. الخطيب والشاعر

قال عنه الذهبي: العَلاَّمَةُ، بَلِيْغُ زَمَانِهِ، الشَّيْخُ المُجِيْد، صَاحِبُ الخُطَبِ وَالتَّرسُّل

ابن أبي الشخباء العسقلاني .. نبذة تعريفية:-

هوَ الشيخ المجيد ابن أبي الشخباء العسقلاني هو الحسن بن عبد الصمد ، صاحب لقب ” ذي الفضيلتين “، الخطيب و الشاعر والناثر وصاحب الرسائل الأدبية الذي عاش في القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي.

قصد العسقلاني القاهرة ليعمل كاتباً في ديوان الرسائل التابع للخليفة الفاطمي المستنصر بالله.

ينتسب إلى مدينة عسقلان الفلسطينية التي وُلِدَ فيها، فيما وافته المنية معتقلاً في خزانة البنود بالقاهرة سنة 484 هجرية (1090 م)، وذلك

وقد وَصَف ياقوت الحموي (توفي 1225 م) في “معجم البلدان” مدينة عسقلان قائلاً: “هي مدينةٌ بالشَّام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزَّة وبيت جبْرين، ويُقالً لها : عروس الشَّام،  وكذلك يُقال لدمشق أيضاً؛ وقد نزلها جماعةٌ من الصَّحابة والتابعين، وحَدَّث بها خلقٌ كثير، ولم تَزَل عامرة حتى استولى عليها الأفرنج خَذلهم الله .. وبقيت في أيديهم خمساً وثلاثين سنة إلى أن استنقذَهَا صلاح الدين يوسف بن أيوب منهم في سنة 583 هـ ..”.

الحسن بن عبد الصمد العسقلاني ينتمي لمدينة عسقلان.

أقوال العلماء في الحسن بن عبد الصمد العسقلاني :-

أثنى العلماء والمؤرخون والمعاصرون والتابعون على علم ومكانة الشيخ المجيد الحسن بن عبد الصمد ابن أبي الشخباء العسقلاني ومنهم:

  • قال عنه ابن فضل الله العمري:  صاحبُ الخُطَب المشهورة، والرَّسائل المُحبَّرَة، لسانٌ لا يكُفُّ له غربٌ، ولا يكلُّ له ضربٌ، بحسٍ ذكيٍّ كأنَّهُ زُجاجةٌ فيها نارٌ، وحدسٍ زكيٍّ لا يُطمسُ له نارٌ، وبينهُ وبين ابن الجميد مُكاتباتٌ، يُنشرُ منها الحللُ، ويُنظرُ منها ما تحوي الكللُ؛ وقفتُ عليها، وصرَّفتُ النَّظَرَ فلَم أجدهُ ينصرِفُ إلَّا إليها، وكانت عِندي بالخطِّ الفاضلي، وإنَّمَا أذهبَتْهُ من يديَّ النُّقَلُ، وأطلقتهُ من حاصلي العُقلُ؛ وكانت بينهُما من لطائف الشِّتام، ما كان لسالف النِّقائض كالخِتام، بألفاظٍ عذابٍ كأنَّها نُطفُ الغوادي، وطعمُ السَّلامة من يد الأعادي؛ وكانَ لا يُحسِنُ منها إِلَّا عقير مُدامةٍ يحسُوها، وعاقد راحةٍ على شُعاعِ راحةٍ يكسُوها؛ وكانا عَجَباً، ونيِّرين ظهرا، والشَّمسَ والقمر قد حُجِبا”.
  • وقال عنهُ الإمام الذهبي: “العَلاَّمَةُ، بَلِيْغُ زَمَانِهِ، الشَّيْخُ المُجِيْد، صَاحِبُ الخُطَبِ وَالتَّرسُّل، كَانَ جُلُّ اعتمَادِ القَاضِي الفَاضِل عَلَى حِفْظ كَلاَمه فِيمَا يُقَالَ..
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع، إن الإمام الثقة المتقن برع بعلم الحديث، علم الجَرح والتعديل، وعلم القراءات والتاريخ، وصنَّف فيها جميعاً
الإمام شمس الدين الذهبي أثنى على ابن أبي الشخباء العسقلاني .
  • عنه قال العماد الأصفهاني: ” مُجِيْدٌ كَنَعْتِهِ، قَادِرٌ عَلَى ابْتدَاع الكَلاَم وَنَحْتِهِ، لهُ “الخُطَب البديعة والمِلَح الصنيعة”، قُتِلَ بِمِصْرَ مسجوناً سَنَة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وأَرْبَعِ مائَة”.
  • وذكره ابن خلكان في “وفيات الأعيان” حيث قال عنه: “صاحب الخطب المشهور والرسائل المحبرة؛ كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطولى”.
  • وقال عنه الزركلي عن الحسن بن عبد الصمد العسقلاني : “مُنشئ، له خطب ورسائل جيدة، كان القاضي الفاضل يحفظ أكثرها”.
  • وعنه قال الباحثان صالح والنعانعة :” وقد عمِدَ.. العسقلاني إلى المساواةِ بين الشِّعرِ والنَّثْر في الطُول، وإخلاء النثْر من السَّجع، فجاء كأنَّهُ شطرٌ من الشِّعر ولا خلوُّهُ من الوزن، فصارَ شكلُ النَّصَّ مثلَ شكل القصيدة”.

اقرأ هنا لماذا دخل اللحن إلى اللغة العربية ؟

نثر ابن أبي الشخباء العسقلاني :-

امتازَ ابن أبي الشخباء العسقلاني بكتاباته النثرية الرائعة والتي استخدمها في الأغراض الرسمية وغير الرسمية، ومن بين تلك القطع النثرية:

  •  أيام الناس شهود مختلفة في الأقوال، وصنوف متباينة الأحوال، فيومٌ تؤرخ السير بسؤدده وسنائه وينطق بمحامد قوم ألسنة أبنائه، ويومٌ يخبو في موقف الجد شهابه ويعبق بمسك المدام إهابه، فالحمد لله الذي جعل الحضرة السامية عقال الخطوب العوارم ونظام المحاسن والمكارم، يعتدها الزمن نسيم أصائله، وزهر خمائله، وشموس مشارقه، وتيجان مفارقه، فيجب على كل من ضم اليراعة بنانه، وأطلق في ميدان البراعة عنانه، ألا يخلي مجلسه من مدح معروضة، وخدم مفروضة، يسهب فيها الواصف، ويوجبها الإنعام المتراصف.
  • أمَّا ما افتتحتُ بهِ من ذِكْرَ استحكامِ الثِّقَة، فقد عجِباُ من تعاطيه وصف ذلك، مع العلم بوضوح دليله، والمعرفة بكثيره وقليلِه، وأنَّى يتجاوز تلك الصِّفة وهو ينبوعُ الوفاء ومنبتُهُ، وممكنُ أُسِّه ومُثبتُهُ.
  • فارقني مولاي، وخلَّفني خلف السُّهاد، مُفتَرِشَاً شوك القتاد، أتذكر أخلاقهُ تذكُّر الفقيرِ غِناهُ، وابن ذريحٍ لُبناهُ، وامتدَّ عليَّ رواقُ الليلة المذكورة، حتَّى كأنَّ نجومخت شُدَّت بمناكِب أبان، وقمرها يسيرُ في فلك كيوان.
  • وأمَّا الفُلانيَّان، وما تجدد بينهما في هذا الوقت من الصُّحْبَة، وانتسَجَ من المودَّة، فللمُشابهة قضيةٌ دائمةُ الوجوب، وللمُشاكَلةِ حوادثُ تملكُ حبات القُلوب؛ وكلُّ نفسٍ بعادتها صبَّةٌ، وإلى ما يُلائمُ طباعها مُنصبة؛ النملةُ تفرحُ بالبُّرَّة، أكثر من فرَحِها بالدُّرَّة؛ والضّيْوَنُ يرى القذاريَّة، خيراً من اللَّطيمةِ الدَّارية؛ ومولايَ يُخالفُهما بصحَّة ميثاقهِ، وكرمِ أخلاقِهِ، ودماثةِ طبعهِ، وصلابةِ نبعِهِ، وطيب أصلهِ وفرعِهِ؛ فلا غَرْوَ أن يجهدا في نقصِ دمرتهِ، ويرغبا عن الاختلاطِ بحضرتهِ.

شعره:-

الشيخ المجيد الحسن بن عبد الصمد ابن أبي الشخباء العسقلاني شاعرٌ مجيد، ومن ذلك قوله:

أخذت لحـــاظــي من جنا خـديك … أرش الذي لاقيت من عينيك

هيهــات إني إن وزنت بمهجتـي … نظـري إليك فقد ربحت عليك

غضي جفونك وانظري تأثير ما … صنعت لحاظك في بنان يديك

هو ويك نضح دمي وعز علي أن … ألقاك في عرض الخطاب بويك

فسلكت في فيض الدموع مسالكا … قصرت بها يد عامر وسليك

صانوك بالسمر اللدان وصنتهم … بنواظر فحميتهم وحموك

لو يشهرون سيوف لحظك في الوغى … لاستقرأوا فيها قنا أبويك

وقال أيضاً:

يا غائبا عن ناظري وحاضراً في خاطري

لا تخش مني جفوة … فباطني كالظاهر

وقال كذلك:

ما طـــال بغي قط إلا غــادرت … فعـلاته الأعمار غير طوال

فتح أضـــاء بــه الزمـــان وفتحت … فيــه الأسنة زهرة الآمال

وقال أيضاً:

عسى منة تقوى على شكر منه … وهيهات أعيا البحر من هو راشف

ولــو كنت لا تولـــي يدا مستجـدة … إلـــى أن توفى شكر ما هو سالف

حميت حريم المال من سطوة الندى … وغاضت وحاشاها لديك العوارف

وكم عزمة في الشكر كانت قوية … فأضعفها إحسانك المتضاعف

رعى الله من عم البرية عدله … فأنصف مظلوم وأومن خائف

له منن في حرب خطب عواطف … دماث وفي صدر الخطوب عواصف

المصادر:-

  • سير أعلام النبلاء، الذهبي.
  • مسالك الأبصار في ممالك الأنصار، العمري.
  • التداخل بين الرِّسالة والقصيدة عند الكُتَّاب الفاطميين، محمود صالح وإبراهيم النعانعة، مجلة جامعة دمشق.
  • معجم الأدباء، ياقوت الحموي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى