أعلام

ابن أبي الحديد المدائني .. الكاتب المعتزلي

قال عنه العمري: رأس في الاعتزال، وكيِّس جدل يتفقأ سمنا بالهزال

هو أبو حامد عز الدين ، عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني ،  الكاتب المعتزلي البليغ.

وُلِدَ ابن أبي الحديد في قطيسفون قرب المدائن في العراق عام 585 هجري ( 1190 م)، فيما وافته المنية سنة 656 هجرية (1258م)، وهو العام الذي اجتاحت فيه الجيوش المغولية عاصمة الدولة العباسية بغداد.

فعلى الرغم من نجاح ابن الوزير ابن العلقمي والعالم الموسوعي الخواجا نصير الدين الطوسي في التوسُّط له عند المغول لئلا يقتلوه كما سفكوا دماء الملايين من أبناء العراق؛ غير أن المدائني سُرعان ما تُوُفِّي بعد هذه الحادثة بوقتٍ قصيرٍ.

مكانته العلمية والعملية :-

كان ابن أبي الحديد المدائني أديباً ناقداً، ثاقب النَّظَر، خبيراً بمحاسن الكلام ومساوئهِ، جريءٌ وقويُّ في جداله، وقد عُدَّ من المنتسبين لمدرسة الاعتزال البغدادية، وهو الذي تأثر بالأديب الكبير الجاحظ (توفي 225 هجرية) وأفكاره والذي كان معتزليَّاً أيضاً.

وقد قدَّره الخلفاء في بغداد والذين منحوه المناصب الرفيعة والمكافآت المجزية، إذ تبوأ مواقع بارزة من ضمنها الكتابة في دار التشريفات ثُمَّ في الديوان، ثم أُنيطت به مهمَّة إدارة البيمارستان (المشفى)، قبل أن يُكلَّف بإدارة خزائن الكُتُب في دار السَّلام.
هذا وقد كان المدائني أحد الكتاب والشعراء بديوان قصر المستعصم آخر خلفاء بني العباس، وقد تعزَّزت مكانته كذلك لدى الوزير ابن العلقميّ حيث كان بينهما اهتمام مشترك بالأدب والشِّعر، كما قام الأول بشرح القصائد السبعة وشرح نهج البلاغة باسم الأخير (الوزير).

مؤلفاته:-

ترك المدائني عدة مؤلفات أدبية وتاريخية ونحوية وسواها، ومن بينها:

  • شرح نهج البلاغة.
  • القصائد السّبع العلَويّات أو السّبع العلوّيات، وهي قصائد في مدح النّبي صلّى الله عليه وآله، وعليّ عليه السّلام، وفتح خيبر، وفتح مكّة، واستشهاد الإمام الحسين عليه السّلام.
  • انتقاد المستصفى، نقد لكتاب “المستصفى” لأبي حامد الغزاليّ.
  • شرح “الياقوت” لابن نوبخت في علم الكلام.
  • الوشاح الذّهبيّ في العلم الأبيّ.
  • نقض المحصول في علم الأُصول، وهو نقد وردّ على كتاب “المحصول في علم الأُصول” للفخر الرّازيّ.
  • الفلَك الدّائر على الملك السّائر، وهو نقد على كتاب “الفلك السّائر في أدب الكاتب والشّاعر” لابن الأثير الجزريّ.
  • شرح مشكلات الغُرَر لأبي الحسين البصريّ.
  • نظم فصيح ثعلب، وهو نظم لكتاب “الفصيح” لثعلب.
لازم أبو عمر الزاهد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)
الحسين بن أبي الحديد المدائني قام بنظم كتاب الفصيح للنحوي ثعلب .

أقوال العلماء فيه:-

تحدث المؤرخون والعلماء عن مكانة وعلم وشخص ابن أبي الحديد المدائني ومن بينهم:

  • قال عنه الإمام شمس الدين الذهبي : “العلَّامة البارع .. أبو المعالي المدائني الأصولي الأديب الكاتِب البليغ.. أجازَ لهُ عبد الله بن أبي المجد . .. أخذ عنه علي بن أنجب، والدمياطي، وله باعٌ مديد ٌفي النظْمِ والنَّثر، وكانَ ابن العلقمي يُكرمه وينوِّه بذكرهِ كثيراً وبذِكر أخيه الأوحد عز الدين أبي محمد عبد الحميد..”.
  • قال عنه ابن فضل الله العمري: ” كتَبَ في ديوانِ الخِلافة، وكبتَ من برع في المقال خلافه، وكان ذا لسن وبراعة، ورسن ممتد في البراعة؛ وكان من غُلاة الشيعة، وولاة مقالات الرفض الشنيعة؛ رأس في الاعتزال، وكيِّس جدل يتفقأ سمنا بالهزال، على أنَّه كانَ يظهر التمذهب للشافعي، وكانَ أُصولياً لا يحبس لِسانه بالعيِّ، مع أنه كَانَ بالبيان يسحر، وبالجمان يسخر”.
  • قال عنه ابن كثير الدمشقي في “البداية والنِّهاية”: “الكاتب الشاعر المطبق الشيعي الغالي، لهُ شَرح (نهج البلاغة) في عشرين مجلداً، وُلد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمائة ، ثم صارَ إلى بغداد ، فكانَ أحد الكُتّاب والشعراء بالديوان الخليفي، وكان حظيًّا عند الوزير ابن العلقمي، لما بينهما من المناسبة والمقاربة والمشابهة في التشيّع والأدب والفضيلة ، وقد أورد له إبن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه وأشعاره الفائقة الرَّائقة وكان أكثر فضيلة وأدباً من أخيه أبي المعالي موفق الدين بن هبة الله ، وإن كان الآخر فاضلاً بارعاً أيضاً..”.
الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي
ابن كثير تناول السيرة الذاتية للمدائني.

نثر الحسين بن أبي الحديد المدائني :-

تميز أبو حامد عز الدين ، عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني بكتاباته النثرية ومن ذلك قوله:

  • وبعد، فقد عَرَضَ بالديوان العزيز كتابك أيها الزعيم، وخطابك وأمير المؤمنين عليم، وشرحت ولاءك وذلك حبلك الوثيق، وكذلك إخلاصك القديم، وانتماؤك إلى الباب الأشرف، وهذه عقيدة أخذتها عن سلفك وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
  • نعم، ولا يلقنها إلا ذو فعل كريم، من ذي سلف كريم،؛ وبرز الأمر الأشرف عن الديوان العزيز بتلقي واردك بالكرامة التي عدّيت بها رتبة كل نظير، وأصبحت وعلى رأسك شربوش وتاج، وأنت صاحب تخت وسرير، وستجاب من ديوان الوزارة المشرفة مفصلاً عن فصول كتابك، وحسبك حسبك شرفا تتشرف به من الديوان العزيز، إذ كان هذا من خطابك.
  • وانتهى أمر الجزري إلى أنه قلع قلع الجزر، وما أغناه ما تكهن أو حزر، وهذا معجل كل مائق، وله مؤجل يأتيه يوم تقوم الخلائق.
  • وأرفع المناصب وأعلاها، منصب الحكم العزيز، الذي يجتبي الشرع في ندبه، ويجتني السمع ثمرات كل شيء من جنبه، ويعرف به الحلال والحرام، ويتصرف في أوامر ذي الجلال والإكرام، وإن أحق من ألقي زمام أحكامه إليه، من تفرد بما لديه، وفاز بسهم معلى من العلوم، وأخذ من فنونها بنصيب معلوم، دأب نفسه في تحصيل نفائسها، واجتلاء غرائسها؛ فكم من أحاديث نبوية يعرف السقيم فيها من الصحيح، والعدل من رجالها من الجريح، وعلم الرواية على تشعبها، والأسانيد وطرقها، في حالتي تسهلها وتصعبها؛ وكم تفاسير كشف حقائقها، ومشكلات تأويل أظهر تحسين إيضاحه طرائقها، وكم فروع مسائل أصّلها، وأصول فقه حواها وحصّلها.
  • وكنت أيها القاضي فلان، لك فخر بعلم علمها لا يباهى، وورع لا تماثل فيه ولا تضاهى، وإفادة ينصب الطلبة لاستفادتها، وتشره الأسماع لحسن إيرادها واستعادتها؛ فلذلك أعهد عليك في القضاء بمدينة كذا، وألق من علومك ما يلاقي من أجله ذوو الطلبة للاستفادة، واعلم أنك حصلت على السعادة الدنيوية، فاعمل على الأخروية، فإنها أعلى السعادة، واجر على عادتك في التحرز في الأحكام، وامض على سننك في الاحتياط في كل نقض وإبرام، وأرع يراعك كل ما يفتقر أن يرعى، وكل ما يجب أن يمعن فيه النظر عقلا وشرعا؛ ثم والعدول فلتعتبر أحوالهم، وألزمهم بكل ما هو أجمع وأحوى لهم، فبهم تؤخذ الحقوق وتقام الحدود، وهم أمناء الله في أرضه، حيث هم على خلقه شهود، ومن وصايا العلم في تحقيق مسائل الخلاف لك عناية، فها عادة لا تقطع، وعدة لا تستدفع، وهي للمكمل الأدوات، المبرز بجميل الصفات، تذكرة تبدؤك نصائحها، وتتضح لديك مصالحها، فخذها نصب عينيك وتجاه أمرك، وأدم إحضارها في قضاياك ومرورها على فكرك.

أبو حامد المدائني الشاعر :-

طرق أبو حامد المدائني أبوابَ مختلف ألوان الشِّعر، مع غلبة المناجاة والعرفان على شعره، ومن ذلك قوله:

بالله ضع قدميك فوق محاجري … فلقد قنعت من الوصال بذاكا

وأطل معاتبتي فـإن مســامعي … تهــوى حديثك مثل ما أهواكا

لا عـــانقتـك من البــريـــة كـلهــــــا … إلا يدي اليمنى وبند قباكا

كـــلا ولا رشفت رضـــابــك بعدمـــا … قـد ذقته إلا التي تهواكا

وقال ابن أبي الحديد المدائني في مليح جعل عارض الجيش، وخلع عليه خلعة خضراء:

وأهيف كالقضيب قدا في خضر أثوابه يميد

قبلته باعتبار معنى لأنه عارض جديد

وقال كذلك:

أسري وومض البرق يخفق قلبه … ويذكي له في الليل قدح زنادِ

ويوهمني أن ليس يكحل عينه … رقاد، بلى قد كحلت برقادِ

ودون الغــوادي للرباب جلاجــل … تـزور وهادا من عليّ نجادِ

تزور بمبتـل الحيا هـــامد الثــرى … وترشـف ثغر النور ريق غوادِ

وقوله:

أعدى البياض إلى مجاوره … ما ذاك إلا أنه مرض

هلا تيسر للسواد كذا … وكلاهما في حكمنا عرض

وقال مفضِّلاً السَّيفَ على القلم:

وما تدرك الأقــلام شـــأو مهند … يضـيء إذا ما قام بين الكواكب

وأنّى لها وهي التي في طروسهـــا … تخِــر على الأذقان سود الذوائب

وكم بين من يبكــي إذا ما انتدبتــه … لأمــرٍ وبين الضاحك المتلاعب

وقول ابن أبي الحديد المدائني في عكسه على طريقة ابن الرومي في المغايرة:

وما تطرق الأقلام في الطرس ذلة … ولكنها حيات رمل قواتل

ومن أين يلقى السيف بعض فعالها … وآثارها من غير جرح عوامل

إذا كان بين المرء والسيف حائل … فليس عن الأقلام والمرء حائل

أبو حامد المدائني توفي في سنة اجتياح المغول لبغداد.

اقرأ ايضاً كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى