أعلام

إيليا أبو ماضي .. في طليعة شعراء النزعة الإنسانية

قال: الصِّبا وَلَّى، فقلْتُ لَهُ: ابتسمْ لَنْ يُرجعَ الأسفُ الصِّبا المتصرِّما

إيليا أبو ماضي – اسمه ونشأته:-

إيليا بن ضاهر أبو ماضي هو أديب، وشاعر، وصحفي، وُلِدَ في لبنان سنة 1889م، وانتقل بعد ذلك إلى مع عمه إلى الإسكندرية سنة 1902م، وكان يبيع السجائر فيها نهاراً، ويكبُّ على دراسة النحو والصرف، وقراءة الشعر العباسي ليلاً، وكان يقلد الشعراء العباسيين.

إيليا أبو ماضي – مكانته الشعرية:-

التقى بالأديب أنطون الجُميِّل الذي أُعجِب بشعره، وقام بنشر بعضِ من شعره في مجلة «الزهور». بعد ذلك انتقل أبو ماضي إلى الولايات المتحدة ، وعمل فيها رئيساً لتحرير «المجلة العربية»، وعمل في عدة مجلات وجرائد أخرى هنالك، كما أنه قام بإصدار مجلة «السمير» التي بقيت قائمة حتى وفاته.
وفي مهجره في أمريكا التقى بمجموعة كبيرة من الكُتّاب والأدباء المهجريين العرب، ومنهم جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وانضم معهم إلى الرابطة القلمية عام 1920م، وأضحى بذلك من شعراء الأدب المهجري.

إيليا أبو ماضي
الشاعر العربي اللبناني المهجر إيليا أبو ماضي

موضوعات شعره:-

النزعة الإنسانية:-

اتسم شعر إيليا أبو ماضي بالنزعة الإنسانية، ومن ذلك ما قاله في قصيدة «ابتسم»:

قلْتُ: ابتسمْ، يكفي التَّجهُّم في السَّما.. لَنْ يُرجعَ الأسفُ الصِّبا المتصرِّمـــا

قلْتُ: ابتسمْ، ولئن جَرعتَ العَلقمـــا.. طــرحَ الكآبةَ جانبـــــاً وتَرَنـَّــــــــما

رأيه في السِّلم والحرب، كرأي الإنسان الحريص على هذه الإنسانية من أن يفني بعضها بعضاً، فناءً مادياً أو معنوياً، فيقول:

يا صاحِبي ليسَ الوَغَى مِنْ مَذْهَبي .. هاتيِكَ وسوَسة من الشَّيطـانِ

فالنَّــاسُ أخـوان وليــسَ مِنَ النُّهـى .. أن يفتـــك الإخوانُ بالإخــوانِ

الحربُ مجلبــةُ الشَّقَاوة للـــورى .. والحَــربُ يعشقهــا بنو الإنســانِ

وقال إيليا أبو ماضي في عُبَّاد المال والذَّهب:

مــا سَـاءَ نفسي من الدُّنيـا سِــوَى نفرٍ .. لا خَيْرَ فيــــهمْ ولكِنْ شرّهم عَمَمُ

ماتَتْ ضمــائرُهُمْ فيهـم أنانيــةً .. فلــيسَ تُنْشَرُ حتى تُنْشر الرُّمَــمُ

ساءَتْ خلائِقُهُمْ أو لا خـــلاقَ لَهُــمْ .. إلَّا الشَّراهةُ والإيثـــارُ والنَّهَـــمُ

إذا رأوا صُـــورةَ الدِّينـــارِ بــارزةً .. خـــرُّوا سُجُــوداً إلى الأذقــــان كُلَّهُمُ

قَد أقسَموا أنهـــم لا يُشركونَ بهِ .. بِئْــسَ الإلَـــهُ وبِئْسَ القومُ والقَسَـــمُ

النزعة الوطنية:-

وهنا ينشد إيليا أبو ماضي ويبين لنا ما كان عليه وطنه حينما نَزَحَ عنه:

وَطَــنٌ أرَدْنــاه على حُــبِّ العُلــى .. فأبـى سِوى أن يستكينَ إلى الشَّقا

كالعَبْدِ يَخشَى، بَعدما أَفنى الصِّبى .. يـَــلهُو به سَاداته، أن يــُعتقا

أو كُلَّمــا جَـــاءَ الزَّمَـــان بمصلــــحٍ .. فـي أهلهِ، قالوا طَغى وتَزَنْدَقــــا !

فَكَـــأنَّمــا لَمْ يكفِهِ ما قَد جَنوا .. وكأنَّمـــا لم يكفَهِــم أنْ أخفَقَـــا

هـذا جــزاءُ ذوي النُّــهى في أُمَّــةٍ .. أخَــذَ الجُمودُ على بـينها موثَّقــا

وطــنٌ يَضيقُ الحُـــرُ ذَرْعـــاً عِندهُ .. وتـَــراهُ بالأحرارِ ذَرعاً أضيقاً

مــا إن رأيــتَ به أديبــاً موسِـــراً .. فيــمــا رأيت، ولا جهولاً مملَّــقا

مَشَتْ الجَهَالةُ فيه تسحَبُ ذيلها .. تـِيها، ورَاحَ العِلمُ يمشي مُطْرِقــا

أمْسَـى وأمْسَـى أهلــــهُ في حـالـــةٍ .. لَـــوْ أنَّهــا تـَعْرو الجَمَادَ لأشفَقَــا

شعبٌ كَمـَـا شَاءَ التَّخاذُلَ والهَوَى .. متفرِّقٌ ويَكَـــادُ أنْ يتمزَّقـَـا

لا يرتضـي دِيـن الآلــــهِ موفقـــــاً .. بيـــنَ القُلُــوبِ ويـَـرتَضِيه مفرَّقـــــا

كلــف بأصحــاب التعبُّــد والتُقـى .. والشـــرُّ ما بين التعبُّدِ والتُّقى

وفي قصيدة أخرى، يتحدَّث عن حالةِ البؤس التي يراها في وطنه قائلاً:

أرضُ آبــائـِـنا ، عليــــكِ سَـــلام .. وسَقَــى اللـــهَ أنفُسَ الآبـــــاءِ

مـا هجــرنـاكِ، إذ هجـرناكِ ، طَـوعـــاً.. لا تـَـظُنِّي العُقُوقَ في الأبناءِ

يُسـأمُ الخُلدُ والحيــاةُ نَعيــمٌ .. أفترضَـي الخُلودَ في البَأساءِ؟

البعد القومي:-

اهتم إيليا أبو ماضي بالقضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين العربية التي خصها بقصيدة كاملة، قال فيها:

ديـارُ السَّـــــلام وأرضُ الهـــــنا .. يشــــقُّ على الكُلِّ أنْ تحزنــــا

فخطبُ فلســــطينَ خطبُ العُـــلا .. ومَــا كانَ رزءُ العــلا هيِّنــــا

وفي قصيدة “بلادي” تراه يخاطب الأتراك بعد انتهاء سيطرتهم وهيمنتهم على سورية التي دامت زهاء أربعة قُرون:

رِجالَ التُركِ ما نَبغي اِنتِفاضاً.. لَعَمــــرُكُم وَلا نَبغي اِنتِقامـــــا

وَلَكِنّـــــا نُطـــالِبُــكُـــم بِحَـــــقٍّ … وَنَكــــرَهُ مَن يُريدُ لَنـــا اِهتِضامـا

حَمَلنــــا نيـــرَ ظُلمِكُمُ قُرونــــاً .. فَأَبلاهـــا وَأَبلانــــا وَدامــــا

رَعَيتُـــم أَرضَـنــــا فَتَرَكـتُـمـــوهـــــا … إِذا وَقَعَ الجَــرادُ رَعى الرُغامـــا

فَبـــاتَ الذِئبُ يَشكوكُـــم عُـــواءً .. وَبـــاتَ الظَبيُ يَشكوكُــم بُغــامـــا

جَرَيتُــم بِالهِـــلالِ إِلى مَحـــــاقٍ .. وَلَــــولا جَهلُكُم بَلَــــغَ الطَمامـــا

وَكُنتُــــمُ كُلَّمــــا زِدنـــا لِيــانـــاً .. لِنَسبِــــرَ غَورَكُـــم زِدتُـــم عَرامـــا

فَمـــــا رَقَــبتُــــــمُ فيـنـــــا جِـــــواراً .. وَلا حَفِظَت لَنـــا يَدُكُــم ذِمامـــا

أَثَـرتُم بينَنـــا الأَحـقــــادَ حَتّى .. لَيَـقتُـــــلُ بَعضُنـــا نَعداً خِصامـــا

وَشـــاءَ اللَـــهُ كَــيدَكُــمُ فَبِتـنـــا .. كَـمِثـــلِ المــاءِ وَالخَمرِ اِلتِئامـــا

انتقاد شعره:-

انتقد النُقّاد والأدباء شعر إيليا أبو ماضي ، وتجلى النقد من نواحِ عدة:-

  • شعره معقد ولا يخلو من الأخطاء اللغوية التي لا يجب أن يقع فيها شاعر بمكانته.
  • شكل ومضمون الشعر يتسم بالضعف وعدم القوة والجزالة.
  • ضعف الصياغة الشعرية لأغلب قصائده، ويبرز ذلك في ديوان «تذكار الماضي».

إيليا أبو ماضي – دواوينه الشعرية:-

تذكار الماضي:-

أهداه لمصر معبراً عن تعلقه بها، وعشقه لها، وقد حذف منه جميع القصائد الوطنية؛ خوفاً من سطوة الحكّام عليه.

الجداول:-

تضمن هذا الديوان القصائد الإنسانية العذبة والطريفة، وهذا الديوان يدل على تمكُن إيليا أبو ماضي من الشعر؛ حيث خلا مما وجه إليه من انتقادات في الشعر، واتصف هذا الديوان بقوة المبنى والمعنى، والاهتمام بالصياغة الشعرية، والاعتناء بالقوافي،، ومما قاله في “الجداول”:

إنِّــي، إذا نَزَلَ البـــــــلاءُ بصاحبي .. دافعتُ عنه بناجذي وبمخلبي

وأرى مســــاوئــه كـــــأنــي لا أرى .. وأرى محـــاسنه وإن لَـمْ تكتَبِ

وألــومُ نفســـي قبلــه إن أخطـــأتْ .. وإذا أسَـــاء أليّ لَــمْ أتعتَّبِ

الديوان:-

يتضمن هذا الديوان قصائده الوطنية، والقصصية والوصفية، والقصائد التي ألقاها في المناسبات المختلفة.

الخمائل:-

ضمن هذاالديوان القصائد الإنسانية التأملية والفكرية والتفاؤل بالحياة، وبرز فيها قوة الألفاظ والتراكيب، وتنوع الأوزان الشعرية.

تجد شعر التفاؤل في “الخمائل”، وهو آخر دواوين شعره، إذ يعبر عن التفاؤل باعتباره نزعةً إنسانية عميقة الجُذور في نفسه، وإن كان يعلوها بين الفينة والأُخرى غُبار الزَّمن فيخلع على بهائها وجمالها مسحة من الكآبة والحُزن والأسى، وترى هنا يقول متفائلاً:

فَمَنْ يغرِسْ لكي يَبني ســـواه .. يَعِشْ، ويَموتُ مَنْ يحيــا ليجنـي

ألائمتـي اتركينــي في سكــونـي .. ولـــومي من يَضجّ بغيـر طحــنِ

إذا صــار السَّــمَـــاع بلا قـيـــاسٍ .. فـــــلا عَجَب إذا سَكَتَ الـمغنـي

أنا ولِئنْ سَكَــتُّ وقـــالَ غيري .. وجعجـــعَ صــاحبُ الصوتِ الأرَنِّ

إذا لَمْ أجِــدْ حَـقـــلاً مَرِيـعـــاً .. خـلقـــتُ الحقــلَ في روحي وذِهنـي

فكـــادتْ تَمْـلأ الأثْمَـــارُ كَفِّـي .. ويَعبــــق بالشَّذى الفَوَّاحِ ردنـي

وفاته:-

توفي في نيويورك، 23 تشرين الثاني، سنة 1377هـ-1957م، وذلك إثر سكتة قلبية، وصُلِّيَ على جثمانه في كاتدرائية نيقولا السورية ببروكلن.

مدينة نيويورك في مطلع القرن العشرين – مكتبة الكونغرس.

تعرف أكثر على محمد عابد الجابري .. المفكر العربي الكبير

المصادر:

  • الأعلام (2/35).
  • ديوان إيليا أبو ماضي، دار العودة، بيروت.
  • معجم المؤلفين (13/375).
  • الموسوعة العربية (4/483).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى