أخبار العرب

إياس بن قبيصة الطائي .. قائد الفرس في معركة ذي قار

هرب من مواجهة كسرى بهزيمة جيش الفرس خوفًا من بطشه

من هو إياس بن قبيصة ؟

إياس بن قبيصة الطائي أحد أشراف ووجهاء طيئ، وهو من أشهر فصحائها وشجعانها في الجاهلية، وكان عالمًا بأيام العرب ووقائعهم، وكان على اتصالٍ بملك الفرس كسرى أبرويز؛ الذي ولاه على الحيرة، ثم نحاه ليُولّي النعمان بن المنذر أبا قابوس، ثم أعاد توليته الحيرة سنة 611 م بعد حادثة قتل النعمان على يد كسرى، ومَلَك سبع سنوات، وقد بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم – لسنةٍ وستة أشهر من مُلكه، ووقعت في عهده واقعة ذي قار التي انتصر فيها العرب وهُزمت الفرس ومَن حالفها شر هزيمة.

نسبه :-

إياس بن قبيصة بن أبي عفر بن النعمان بن حية بن سعنة بن الحارث بن الحويرث بن ربيعة بن ملك بن منقذ بن هبي بن عمرو بن الغوث بن طي.

ودائع النعمان :-

بعد غدر كسرى بالنعمان، أمرَ كسرى إياس بن قبيصة أن يجمع ما استودعه النعمان عند هانئ بن مسعود الشيباني، وكان النعمان قد أحسّ بالغدر من قِبَل كسرى فاستودع قبل مقتله سلاحه وأهله عند هانئ الشيباني، فأرسل إياس إلى هانئ يطلب منه تسليم ودائع النعمان وسلاحه، إلا أنه رفض ببسالةٍ مُنقطعة النظير أن يُسلمَ أمانةَ النعمان إلا إلى أهله رغم علمه بمقتل النعمان، فاستشاط كسرى غضبًا، فأشار عليه النعمان بن زرعة التغلبي المُغرض لبكرٍ بن وائل بأن يتريث حتى يُجهز عليهم بمنطقة ذي قار؛ فيباغتهم بالحرب على قبائل العرب ممن تحالفوا مع هانئ بن مسعود، ومع قبائل بني شيبان التي آوت هند بنت النعمان التي أرسل كسرى في طلبها أيضًا، فأرسل كسرى النعمان بن زُرعة إليهم ليُخيَّرهم من ثلاث؛ إما أن يُسلّمُوا ما بأيديهم، أو يتركوا ديارهم، أو الحرب، وكان العرب قد ولّوا أمرهم إلى حنظلة بن ثعلبة العُجليّ، وكانوا يتيمَّنون به ويحتكمون إليه، فأشار عليهم بالحرب قائلًا:”لا أرى إلا الحرب، فإنّا إن رَكبنا الفلاة هلكنا عَطشًا، وإن أعطينا بأيدينا تقتل مُقاتلتُنا وتُسبى ذرارينا”، وهو الذي تولى إدارة القتال وقاد قومه من بني عجل، فاستقرّ العرب على قرار خوض غِمار الحرب ضد العجم؛ أنَفَةً لعروبتهم وصونًا للأمانة، وحمايةً للجِوار، واستعد كسري لخوضِ الحرب انتقامًا من العرب، وجعل إياس بن قبيصة على قيادة جيش الفرس.

أول معركة ينتصر فيها العرب على الفرس.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

نتائج معركة ذي قار:-

ولأول مرة في التاريخ؛ يجرؤ العرب على مواجهة الفرس في معركة طاحنة، فتوحدت صفوفهم، وقويت إرادتهم، بالرغم من إنحياز بعض القبائل العربية لجيش الفرس خوفًا من مواجهة كسرى وبطشه، إلا أن كثيرًا من القبائل انضمت مع بكر وشيبان ومنهم بني سكون، وبني تميم، وغيرهم.

وكانت قبيلة إياد قد زعمت انضمامها لصفوف الفرس في الحرب، لكنها اتفقت سرًا مع بكر على خديعةِ الفرس والانسلال من بين صفوفهم في خضمِّ القتال، فهربت إياد في ذُروةِ القتالِ وانضمت إلى صفوف بكر ومن معها من القبائل العربية، فاضطربت صفوف العجم، وانكسرت شوكتهم، وولّوا الأدبار، فقُتل وأُسر الكثير منهم، وأُسر أيضًا النعمان بن زرعة التغلبي.

ولم تكن معركة ذي قار يومًا واحدًا، بل كانت جملةً من المعارك والأيام التي وقعت تِباعًا ثم ختمت بـ “ذي قار”، والتي كانت هي المعركة الفاصلة والحاسمة لانتصار العرب على العجم، فنُسبت المعارك إلى هذا المكان، ومن أيام هذه المعركة الخالدة: يوم قراقر، ويوم حنو ذي قار، ويوم حنو قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذي العجرم، ويوم الغذوان، ويوم البطحاء: بطحاء ذي قار، وكلهن حول ذي قار.

وكان النصر حليفًا للعرب في هذه المعركة الضارية، وانهزم الفرس، وعلى أثرِ خُذلان العجم في هذا اليوم؛ فقد تم إقصاء إياس بن قبيصة عن ولاية الحيرة؛ فقد اعتبره الفرس مسؤولًا عن هذه الهزيمة المُخزية، كونه القائد الأعلى لجيش الفرس فيها.

وعن هذه الواقعة يقول المسعودي: “حدثت واقعة ذي قار لتمام أربعين سنة من مولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو بمكة بعد أن بُعث، وقيل: بعد أن هاجر”.

وفي رواية أخرى أنها كانت بعد وقعة بدر بأشهر، وأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال فيها: “هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، ونُصِرَتْ عليهم بي”.

هروب إياس بن قبيصة :-

ويُذكر أن إياسًا قد هرب من مواجهة كسرى بهزيمة جيش الفرس خوفًا من بطشه، وأنه انفصل عن المعركة حينما تيقن أن جيشه مهزومٌ لا مَحالة، ثم ذهب إلى كسرى وأخبره كَذبًا أن النصرَ حالف الفرس؛ وذلك لأن كسرى كان معروفًا عنه أنه يخلع كتف من يأتيه بخبر هزيمة جيشه، فقال لكسرى:” لقد هزمنا بكر بن وائل ومن حالفهم وأَتيناك بنسائهم”، فابتهج كسرى وأمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس لزيارة أخيه قيس بن قبيصة الذي ادعى أنه كان مريضًا بعين التمر، فأذن له كسرى، فلاذ بالفرار، ثم وفد رجل من أهل الحيرة على كسرى وهو بالخورنق، بعدما علم أن إياسًا قد سبقه إلى الملك، فظن أنه أخبره بهزيمة الفرس، فدخل عليه وتحدث معه حول هزيمة الفرس وانكسارهم وأسرهم، فأمر بقتله في الحال، وبعد ذلك أصبحت الحيرة تحت الحكم المباشر من الفرس.

من شعر إياس بن قبيصة الطائي :-

أورد أبو تمام في حماسته قول إياس بن قبيصة وقد هرب من كسرى:

مــــا وَلدَتنـــي حـــاصِــنٌ رَبَعِيَّــةٌ … لَئِــن أَنا مالَأتُ الهَوى لِاِتِّباعِها

أَلَـم تَرَ أَنَّ الأَرضَ رَحـبٌ فَسيحَــةٌ … فَهَــل تُعجِزَني بُقعَةٌ مِن بِقاعِها

ومَبثــــوثَـــةٍ بَثَّ الدَبا مُبَطِــــرَّة … رَدَدتُ عَلـى بِطائِها مِن سِراعِها

وأَقدَمتُ والخَطِّــــيُّ يَخطِــــرُ بَينَنـــا .. لِأَعلــمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها

طاق كسرى الواقع جنوبي مدينة بغداد.

وفاته :-

توفي إياس بن قبيصة الطائي نحو سنة 618م.

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج1، ص488.
● ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج2، ص304.
● الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج2، ص152،193.
● البلاذري، فتوح البلدان.
● الزركلي، الأعلام، ج2، ص33.
● أبو البقاء الحلي، المناقب المزيدية، ص160.
● أبو زكريا التبريزي، شرح ديوان الحماسة، ج1، ص66.
● توفيق برو، تاريخ العرب القديم، ص228.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى