أعلامانفوجرافيكس

أبو عبد الله بن الأعرابي .. من أكابر أئمة اللغة

ناقش العلماء، واستدرك عليهم، وخطَّأ كثيراً من نَقَلَةِ اللغة

أبو عبد الله بن الأعرابي:-

محمد بن زياد، أبو عبد الله الكوفي، المعروف بابن الأعرابي الكوفي، راوية، نسَّابة، من أكابر أئمة اللغة المشار إليهم في معرفتها، كان أبوه زياد عبداً سندياً، وقيل: إنه من موالي بني شيبان، والأعرابي هذه النسبة إلى الأعراب، وكان ابن الأعرابي أحول، وُلِدَ في الليلة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة، وذلك في الكوفة، في شهر رجب، سنة 150هـ.

الكوفة في عام 1932 م
الكوفة في عام 1932 م

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:-

يعتبر ابن الأعرابي راويةً لأشعار القبائل، ناسباً، وكان أحد العالمين باللغة المشهورين بمعرفتها، يقال: لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه.

وهو ربيب المفضَّل بن محمد الضَّبِّي صاحب «المفضَّليَّات»، كانت أمه تحته، سمع منه الدواوين وصححها، وأخذ الأدب عنه، وأخذ عن الكِسائي كتاب «النوادر»، وأخذ عن أبي معاوية الضرير، والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود القاضي.
وأخذ عنه إبراهيم الحربي، وأبو العباس ثعلب، وابن السِّكِّيْت،ِ وأبو عكرمة الضَّبِّي، وغيرهم. كما ناقش العلماء، واستدرك عليهم، وخطَّأ كثيراً من نَقَلَةِ اللغة، وكان رأساً في كلام العرب، وكان يزعم أن أبا عبيدة والأصمعي لا يحسنان شيئاً، وكان له منزلة كبيرة عند المأمون.

مجلسه العلمي:-

كان يحضر مجلسه خلق كثير من المستفيدين ويملي عليهم؛ قال أبو العباس ثعلب: “شاهدت مجلس ابن الأعرابي، وكان يحضره زهاء مائة إنسان، وكان يُسأَل ويُقرَأَ عليه، فيجيب من غير كتابٍ، ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتاباً قط، ولقد أملى على الناس ما يُحمَل على أجمال، ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه”.

أفاد أبو عبد الله بن الأعرابي العديد من طلبة العلم، الذين توافدوا عليه من شتى بقاع الأرض.
أفاد أبو عبد الله بن الأعرابي العديد من طلبة العلم، الذين توافدوا عليه من شتى بقاع الأرض.

وكان طلبة العلم يأتون إلى مجلس ابن الاعرابي من شتى بقاع الأرض، وقد رأى يوماً في مجلسه رجلين يتحادثان، فقال لأحدهما: من أين أنت؟ فقال: من إِسْبِيْجَاب -مدينة قريبة من الصين-، وقال للآخر: من أين أنت؟ فقال: من الأندلس، فعجب من ذلك وأنشد:

رفيقان شتَّى ألَّفَ الــدَّهْرُ بينــــنا ..

وقد يلتقي الشَّــتَّى فيأتلفــــان

ثم أملى ابن الأعرابي على من حضر مجلسه بقية الأبيات، وهي:

نزلنا على قيســـــــيَّــةٍ يمينـــــــيَّــةٍ .. لهـــا نسبٌ في الصَّالحينَ هجان

فقالَتْ وأرخَتْ جـــانبَ السَّتْرِ بيننـا .. لأيَّةِ أرضٍ أم مَـــنِ الرَّجــــــلان

فقلت لها: أمَّا رفيقـــي فقومُــــهُ.. تميمٌ، وأمَّا أســــرتي فيمــــاني

رفيقـــان شتَّى ألَّفَ الــدَّهْــرُ بينــــنا.. وقد يلتقي الشَّــتَّى فيأتلفــــان

نوادر ابن الأعرابي:-

سأله إمام المحنة أحمد ابن أبي دواد: أتعرف معنى استولى؟ قال: لا، ولا تعرفه العرب؛ لأنها لا تقول: استولى فلان على شيء؛ حتى يكون له فيه مضاد ومنازع، فأيهما غلب استولى عليه؛ والله تعالى لا ضد له؛ وأنشد قول النابغة:

إلاّ لِمثْلِك، أوْ مَنْ أنتَ سَـابِـقُـهُ ..

سبقَ الجوادِ إذا اسْتَولَى على الأمَدِ

وقال محمد بن حبيب: سألت أبا عبد الله ابن الأعرابي في مجلس واحد عن بضع عشرة مسألة من شعر الطِّرِمَّاح؛ يقول في كلها: لا أدري، ولم أسمع، أفأحدِّث لك برأيي؟

واغتاب رجل عنده بعض العلماء فقال له: “لو لم تقل فينا ما قُلْتَ عندنا فلا تجلسنّ إلينا”.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الذهبي: “كان إليه المنتهى في معرفة لسان العرب”.
  • قال ياقوت الحموي: “كانت طريقته طريقة الفقهاء والعلماء، وكان أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب”.
  • قال ثعلب: “انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي”.
  • قال ثعلب كذلك: “سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعتُ من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي”.
  • قال عنه الجاحظ: كان نحوياً عالماً باللغة والشعر، ناسباً كثير السماع من المفضَّل بن محمد الضبيّ، راوية للأشعار، حَسَن الحفظ لها، ولم يكَن أحد من الكوفيين أشبه روايةً برواية البصريين منه، وكان أحول أعرج.
  • قال محمد بن الفضل الشعراني: “كان للناس رؤساء: كان سفيان الثوري رأساً في الحديث، وأبو حنيفة رأساً في القياس، والكِسائي رأساً في القرآن، فلم يبق الآن رأسٌ في فن من الفنون أكبر من ابن الأعرابي؛ فإنه رأسٌ في كلام العرب، وكان ممن وُسِمَ بالتعليم، فكان يأخذ كلَّ شهرٍ ألفَ درهمٍ، فينفقها على أهله وإخوانه، وتماسك في آخر أيامه بعد سوء حاله”.
  • قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: “وقد أملى على الناس أحمالاً، ولم يُرَّ أحد في علم الشِّعر أغزر منهُ، وأدرك الناس”.
  • قال آخرون عن ابن الأعرابي: “كان ممَّن وُسِمَ بالتعليم، وكان يأخذ كلَّ شهرٍ ألف درهم، فينفقها على إخوانه وأهله، وكان شيخاً جميل الأخلاق”.

ولئـن سَـــألـتَ بنــي سُلَيْـــم أَيُّنَـــا .. أدْنَــــى لكُـل أُرُومة وفَعَالِ

لَيُنَبئَنَّــك رَهْــط مَعْــنٍ أَنهـــم .. بالعِـلــم لَلْأَتْقَون مِـن سَمَّـــالِ

إن السَّمــاءَ لَنا عليكَ نجومهـا.. والشَّمْسُ مُشْرِقةٌ وكـلُّ هِلال

تَبْكِي المَرَاغة بالرَّغـام على ابْنها.. والنائحـاتِ يَهِجنَ بالأَعـــوالِ

سُوقي النوَّاهِق مــاتَ مَنْ يَبْكيَنه.. وتَعَرَّضي لِمُصَعَّـد القُفَّــال

ابن الأعرابي.

مواقف:-

كان ابن الأعرابي يقول: إنما سُمِّيَ الشَّجرُ شَجَراً لاختلافِ أغصَانهِ، ومِنهِ اشتَجَرَت الرِّماحُ إذا اختلفت بالطَّعن، وقَد شَجَرَ بينهم أمرٌ إذا اختَلف، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : “فلا وربَّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شَجَرَ بينهم”.

وكان يقول: “جائزٌ في كلام العرب أن يعاقبوا الظاء بالضاد، فلا يخطئ من جَعَل هذه في موضع هذه”، ويقول: “هكذا سمعتُ من فُصَحاء العَرب”.

مختارات من شعر ابن الأعرابي

رَحَل أبو الفضل المنذري إلى العراق، حيث دَخَل مدينةَ السلام بغداد يوم الجمعة قاصداً ابن الأعرابي، وذلك بعد أن أشكلت حروف على أبي هيثم الرازي، ليطلب الأخير من الأول؛ السفرو أخذ الرأي الفصل من ابن الأعرابي الذي أجاب وأفاد.

إذَا رَأيتَ صَبِـيَّ القـــوْمِ يَلثَـمُــهُ .. ضَـخْــمُ المَنَـاكِبِ لا عَـمٌّ ولاَ خـالُ

فـاحْـفَـظْ صَبـيَّــكَ مِنـــهُ أنْ يُدَنِّسَـــهُ .. ولاَ يَغـُرَّنْـكَ يَوْمـاً قِلَّـةَ المَـالِ

ابن الأعرابي.

كتب ابن الأعرابي:-

  1. النوادر.
  2. الأنواء.
  3. البئر.
  4. الفاضل.
  5. صفة النخل.
  6. صفة الزرع.
  7. النبات.
  8. الخيل.
  9. تاريخ القبائل.
  10. معاني الشعر.
  11. تفسير الأمثال.
  12. الألفاظ.
  13. نسب الخيل.
  14. نوادر الزبيريين.
  15. نوادر بني فقعس.
  16. الذباب.

فَصَـدَّتْ بِعَينيْ شـادِنٍ وتَبَـسَّمَتْ.. بحَـمَّــاءَ عنْ غُـرٍّ لهُـنَّ غُـرُوبُ

جَـرَى الإسـحِلُ الأَحْـوَى عليْهِـنَّ أو جَرَى .. علْيهِـنَّ مِنْ فَرْعِ الأَراكِ قَضِيبُ

وفاته:-

توفي أبو عبد الله بن الأعرابي بمدينة سامراء، 14 شعبان، سنة 231هـ، وقد عاش 81 سنة، وكانت وفاته في خلافة الواثق بن المعتصم، وصلَّى عليه قاضي القضاة أحمد بن أبي دواد الإيادي.

لقد كان ابن الأعرابي سليم الصحة، متماسك الجسم في شبابه، وكهولته، وفي شيخوخته، ولم تورد المصادر ما يفيد بأنه شكا يوماً ما من علةٍ مزمنة في جسده.

 وقد عُرِفَ عنه كثرة تنقله بين موارد اللغة والأدب ومصادرهما عند الأعراب الفصحاء الذين كانوا ينزلون الكوفة وفي أطرافها، فضلاً عن بواديها البعيدة، وذلك طيلة فترة غدوه ورواحه بين الكوفة والبصرة وبين الأولى وبغداد، وبين الكوفة وسامراء.

وحينما داهمه المرض، وساءت حالته؛ تماسك في بيته ولزم داره في سُر من رأى “سامراء” وأحجم عن التعليم، بحسب ما ذكره ياقوت الحموي في “معجم البلدان”.

وبوفاته؛ انطفأ مشعل من أكبر مشاعل الحضارة الإسلامية، فقد مات إمام من كبار أئمة مدينة الكوفة الذين خدموا اللغة والأدب بلا انقطاع ولا وهن.


المصادر:

  • الأعلام (6/131).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة (3/128/رقم 645).
  • سير أعلام النبلاء (10/687/رقم 254).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/141).
  • العبر في خبر من غبر (1/322).
  • أمالي المرتضى، غرر الفوائد ودرر القلائد.
  • معجم الأدباء (6/2530/رقم 1047).
  • النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة (2/264).
  • الوافي بالوفيات (3/66).
  • وفيات الأعيان (4/306/رقم 633).
  • أسماء خيل العرب وفرسانها لابن الأعرابي، تحقيق محمد عبد القادر.
  • بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، جلال الدين السيوطي.
  • النحو والنحاة، المدارس والخصائص، خضر موسى حمود.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى