نوادر العرب

إمام البخلاء

زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل غايته، وصار إماماً لكل البخلاء في عصره، وأنه لشدة شُحِّه كان إذا صار في يده الدرهم خاطبه وناجاه وفداه واستنبطه، وكان مما يقول له: كم من أرض قد قطعت؟ وكم من كيس قد فارقت؟ وكم من خامل رفعت؟ ومن رفيع قد أخملت؟ لك عندي ألا تعرى، ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تُهانُ، ولا تُذل،ُّ ولا تُزعَجُ منه!

وأنه لم يدخل في كيسه درهماً قط فأخرجه، وذات يومٍ ألحَّ عليه أهله في طعام اشتهوه، وأكثروا عليه في إنفاق درهم، فدافعهم ما أمكن ذلك، لكنهم لم ينتهوا، فاستجاب وحمل درهماً واحداً فقط، وبينما هو ذاهب إذ رأى حاوي الأفاعي، قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه، فقال البخيل في نفسه: أأتلف شيئاً تُبذَل فيه النفس بأكلة أو شربة؟! والله ما هذا إلا موعظة لي من الله.

ورجع إلى أهله، ورد الدرهم مرة أخرى إلى كيسه.

فكان أهل البخيل منه في بلاء، وكانوا يتمنون في كل يوم موته والخلاص منه، حتى جاء اليوم الذي مات فيه، وظنوا أنهم قد استراحوا منه، فتقدَّم ابنه فاستولى على ماله وداره، ثم قال لأهله: ما كان إدام أبى فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام؟ قالوا: كان يتأدم بجبنة عنده. قال: أرونيها. فإذا فيها حزٌّ كالجدول من أثر مسح اللقمة!.

قال: ما هذه الحفرة؟ قالوا: كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح على ظهره فيحفر كما ترى! قال: فبهذا أهلكني وبهذا أقعدني هذا المقعد! لو علمت ذلك ما صليت عليه.

قالوا: فأنت كيف تريد أن تصنع؟ قال: أضعها من بعيد فأشير إليها باللقمة!!..

المصدر:

البخلاء (174)، للجاحظ.

https://www.freepik.com/free-vector/flat-snake_4165465.htm#page=1&query=snake&position=3

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق