مخطوطات

نقوش وزينة مخطوطة السلطان إسكندر المغولي

المخطوطة كتبت بأمر سلطاني؛ فقد كان الدعاء هنا موجهاً بالكامل في مناجاة لطول عمر السلطان

توطئة:-

لطالما تميزت المخطوطات الإسلامية وخاصة تلك الخاصة بالملوك والسلاطين (فغالباً ما كانت تكتب بأمر سلطاني) بأسلوب تزيين فريد لم نعهده في التاريخ، حيث كان كل منها يتميز بمقدمة تُظهر عنوان المخطوطة والفقرات، وغالباً ما نجد إطار وزينة ختامية لها، ناهيك عن هوامش وحواشي متميزة ومتفردة لا تشترك فيها مخطوطتين.

 هنا سنقوم بإلقاء نظرة عن قرب على واحدة من أجمل المخطوطات الكبيرة والفريدة التي حافظ على جمالها تعود ملكيتها اليوم إلى المكتبة البريطانية، سنتحدث اليوم عن حواشي وزينة مخطوطة السلطان إسكندر حفيد المغولي تيمورلنك.

مقدمة الأطروحة:-

نبدأ من مقدمة الأطروحة، في أول صفحتين فيها (صفحتي الافتتاحية) وتحديداً في أعلى كل من الصفحتين وأسفلهما نجد العنوان وعبارات منقوشة ومزينة بخط الثلث، وبقراءة العبارات نلاحظ أنها دعاء مكتوب بالخط الكوفي وباللغة العربية (مع أن المخطوطة بأكملها مكتوبة باللغة الفارسية).

لقد بدأ الكاتب الأساسي للمخطوطة أطروحته هذه بالدعاء والمديح ولكنه لم يتابع وينهيها على نفس النمط كما سنجد فيما بعد، وبالطبع وبما أن المخطوطة كتبت بأمر سلطاني؛ فقد كان الدعاء هنا موجهاً بالكامل في مناجاة لطول عمر السلطان إسكندر ووصفاً في مأثره. وهو بالفعل ما نجده في العبارات المكتوب بخط الثلث الذي يظهر على الصفحة اليمنى يقول:

“اللهم أدم دولة السلطان الأعظم والإمبراطور الأكثر عدلاً ونبلاً، سلطان سلاطين العرب والعجم”.

وعلى الصفحة اليسرى نجد الكتابة التالية:

“ظِلُ اللهِ في الأرضين، قهر ما في الماء والطين، الواثق بالملك الأكبر جلال الدنيا والدين اسكندر خلد الله ذكره”

نظرة عن قرب على الدعاء المكتوب في الصفحتين:-

ستجد عند تصفُّح المخطوطة لمسات خاصة وشخصية تتعلق بكاتبها وتمدح الأمر بكتابتها، ونخص بالقول تلك العبارات المخفية والموزعة في صفحات وفصول المخطوطة حيث تزين الهوامش في الصفحات الثلاث الأولى، ولم نتأكد بعد من أن النص المخفي هذا قد تم تأليفهُ خاصة للسلطان إسكندر أم أنه كُتب لغيره واقتبس هنا.

هذه العبارات الهامشية تحتاج تدقيقاً لتراها وتميز الحروف تحيط “كإطار” بفصل خاص يشرح المبادئ الأساسية للعالم الإغريقي إقليدس، وقد كتب هذا النص المخفي المادح للسلطان بماء الذهب وخبئ ضمن زخرفة على طول الهامش وامتداده والهوامش هي:

كتبت العبارات باللغة العربية وتقول:

“أيا دفتري اقبل نقشي حواشينا فتوح

بّر إذا قضى وحروفه الأولى كُتبت على ألواح القدر.

بدواة العدالة والحظ كتب آيات الفضلة والمكرمة

على متن وحواشي الصفحة وأيام القدر”.

في الواقع كانت العبارات السابقة صعبة القراءة واحتاجت تدقيقاً كبيراً منا لنفهمها، بينما الهوامش هذه كانت أسهل قراءة مع أنها كتبت بالفارسية:

نجيني سعادة، بنامي توباد     …. همة كار دولة، بكامي توباد والتي

وهي عبارات تترجم للعربية كالتالي:

ما إن يذكر اسمك حتى تكون كل شؤون الدولة متوافقة مع رغباتك.

وكأن كل المدح والتبجيل المذكور في الصفحات السابقة لم يكن كافياً، لنجد صفحة أخرى في المخطوطة مكتوبة ومرفقة باسم “علي” كزينة نصية مكتوبة بالذهب على خلفية زرقاء وأسلوب الكتابة هي الخط الكوفي:

والتي تعني بالعربية:

أنتم هبة من السماء، ونذير رحمة من الله، في هذا الزمن، أرسلكم الله، عناية منه، ولطف بنا.

قصيدة صوفية:-

والآن سننتقل في الحديث إلى فصل مختلف وزينة هامشية أخرى تم العناية فيها ضمن هذه المخطوطة، فقد لفت انتباهنا هامش قصيدة مميزة كتبها الشاعر الصوفي الشهير فريد الدين العطار (توفي سنة 1220م) تُسمى (إلهي نامة) أي الرسالة الإلهية حيث وضعت على حواشي آخر صفحات هه القصيدة وتحديداً في الصفحة التي يترك فيها الناشر والكاتب ملاحظاتهم عن المخطوطة.

هنا عرفنا أن الخطاط الذي قام بكتابتها هو مُحمد الحلوائي وذلك في يوم جمعة من شهر سبتمبر أيلول سنة 1410م. حيث كتبت باللغة العربية وتخبرنا عن مدى اهتمام السلطان والكاتب لهذه التحفة بالأسلوب الصوفي في الحياة والتدين، ومن الممكن أن يكون الكاتب نفسه من اتباع الصوفية.

ملاحظة الناشر على هامش الصفحات الختامية من المخطوطة، وهي قصية الكتاب الإلهي للعطار تمت كتابتها سنة 813هـ / 1410م.

وتقول هذه الحاشية التالي:

من كتاب آلهي نامة (الكتاب الإلهي):

إذا كعشار سلطان العارفين والعاشقين، مولي موالي المتقدمين والمتأخرين، فريد الدنيا والدين، مُحمد المشتهر بعطار برد الله مضجعهُ، وروح روحهُ، ونوّر مثواه، وأَجْعلَ بحبوحة الجنان مأواه.

في يوم السبت، السابعة والشعرين جمادى الأول من سنة ثلاث عشر وثمان مائة، والحمد لله وحده، وصلى الله على خير خلقهِ مُحمد واله الطيبين الطاهرين أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً، علي يد العبد الضعيف النحيف الواثق بالملك الصمد، مُحمد المشتهر بالحلوائي أحسن الله حاله وأصلح باله.

الآن سننتقل إلى صفحات أخرى نلاحظ فيها اختلافاً في الأسلوب، وتغير في الانتقاء والعمل، فنجد أن الحلوائي أورد في القصية الخامسة من المخطوطة (في الصفحة 294) قصة تشعر عند رويتها بأنها قد كتبت على عجل، وكأنه قام بتأليفها ونسخها بسرعة رغبة في الانتهاء منها، فلم يقم فيها بتعظيم الخالق، أو تحية النبي والسلام عليه، حتى أنه لم يذكر أسم المؤلف، وكأنه سارع للوصول إلى السطر الأخير القائل:

هذه نهاية القصيدة الخامسة كتبت بقلم مُحمد غفر الله له، في يوم الجمعة من سنة 814 هـ الموافق لـ 1411م.

سرد التاريخ الفارسي:-

ومن النقوش الأخرى التي تم ذكرها على الحواشي؛ ما ورد في صفحة (302) وعنونه الكاتب باسم نظم الفاريخ، وهو كناية عن سرد تاريخ بلاد فارس من بداية عصورها ونشأتها حتى سنة (674هـ / 1275م) قام بإضافتها عن الكاتب عبد الله البيضاوي بعد إصدار أمر بذلك من السلطان المغولي الخان أبو سعيد، وقال فيه:

اليوم ينعم عباد الله بعدالة ورحمة من الله العادل، ذو المكانة والعزة في الدين السلطان إسكندر أدام الله حكمهُ، (ويتابع في باقي الحاشية دعاء له).

وفي الصفحة رقم (340) من المخطوطة وتحديداً في حاشيتها الجانبية؛ تتضمن مجموعة من أبيات العشق والغزل وهي مقاطع شعرية غنائية تعود إلى مجموعة من الشعراء المختلفين، هنا أيضاً لا يوجد أي تاريخ يحدد زمن كتابة الابيات أو نسخها، وتقول الحاشية بالفارسية ما يترجمُ كالتالي:

“تم الانتهاء من أبيات الغزل، بفضل الله سبحانه وتعالى، والصلاة والسلام على محمد خير البرية وعلى آله الاطهار، كتبه العبد الفقير لله محمد، كاتب جلالة السلطان إسكندر غفر له الله ونشر عدله وإحسانه في شتى أنحاء الكون، بفضل النبي الكريم وذريته”.

حاشية ختامية لأبيات الغزل في الصفحة (340).

وبعد هذه الصفحة في المخطوطة؛ لم نعد نرى أي حواشي طويلة في الصفحات، ونلاحظ أنه يتم ذكر فقط العناوين في الصفحات الختامية مع وضع بعض أنماط الزينة التقليدية، ففي الصفحة (542) والتي تبدأ المخطوطة فيها بالحديث عن الفلك علومه وإلى آخر النص نجد فقط سطرين كتبا وكأنهما جزء من النص المنسوخ والمجموع في الأطروحة، حيث يخبرنا السطر الأول عن انتهاء فصل روعة المنجمين، ويقول السَّطر الثاني ما يلي:

” كتبه مجموعة من الدراويش والفقراء الله، كحسنة لوجه تعالى في شهر جمادى الثانية من سنة 814هـ”

حاشية جزء روعة المنجمين في المخطوطة هذه والتي انتهت كتابتها في 814هـ / 1411م

مصدر الترجمة:-

https://blogs.bl.uk/asian-and-african/2015/01/inscriptions-in-the-iskandar-sultan-miscellany-add27261.html

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى