أعلامانفوجرافيكس

إسحاق النديم .. الرأس في صناعة الأدب والطرب والموسيقى

كان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق من الشهرة بالغناء لوليته القضاء

إسحاق النديم – الاسم والنشأة:-

إسحاق بن إبراهيم بن ميمون، أبو محمد النديم التميمي الموصلي، كان رأساً في صناعة الأدب والطرب والموسيقى، فارسي الأصل، وُلِدَ في بغداد سنة 150هـ.

مكانته العلمية:-

كان إسحاق النديم عالماً باللغة، والموسيقى، والتاريخ، وعلوم الدين، وعلم الكلام، راوياً للشعر، حافظاً للأخبار، شاعراً، له تصانيف، من أفراد الدهر أدباً وظرفاً وعلماً، وكان يعد من الأجواد.

أخذ الحديث من مالك بن أنس، وهُشَيْم بن بشير، وسفيان بن عُيَيْنَة، وأبي معاوية الضرير، وغيرهم، وروى عنه مصعب بن عبد الله الزبيري، والزبير بن بكار، وغيرهم، وقد وثَّقه إبراهيم الحربي، فقال: كان ثقةً عالماً”.

وأخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة، وبرع في علم الغناء فغلب عليه ونسب إليه، وكان يكره أن يُنْسَبَ إلى الغناء، ويقول: “لأن أُضْرَبَ على رأسي بالمقارع، أحب إليَّ من أن يقال عني: مغني”.

الأصمعي إمام اللغة يتحدث عن إسحاق النديم

كان من ندماء الخلفاء العباسيين؛ كالرشيد والمأمون والواثق، ولما مات نُعِيَ إلى المتوكل، فقال: “ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته”.

وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار الشعراء وأيام الناس، وكان له يد طولى في الحديث والفقه وعلم الكلام، وكان مليح المحاورة، ظريفاً فاضلاً.

وكان كثير الكتب، حتى قال أبو العباس ثعلب: “رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب، وكلها بسماعه، وما رأيت اللغة في منزل أحد قط أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي”.

له شعر؛ منه ما كتبه إلى هارون الرشيد من أبيات:

وآمرةٌ بالبخــــلِ قلْتُ لها: اقصـري.. فليس إلى ما تأمرينَ سبيـلُ

أرى النَّاسَ خلَّانَ الجـوادِ ولا أرى.. بخيلًا لَهُ في العالمينَ خليـلُ

وإنِّي رأيْتُ البخلَ يُزري بأهلِـهِ.. فأكرمْتُ نفسي أنْ يقالَ بخيـــلُ

ومن خيرِ حالاتِ الفتى لو علمتـه.. إذا قالَ شيئاً أنْ يكونَ ينيــلُ

عطائي عطاءُ المكثــرينَ تكرُّماً.. ومالي كمـا قَدْ تعلمينَ قليــــلُ

وكيف أخافُ الفقرَ أو أحرمَ الغنـى.. ورأي أميرِ المؤمنينَ جميـلُ

اغتنام إسحاق للوقت:-

قال عن نفسه: “بَقِيْتُ دَهْراً منْ عُمُرِي أُغَلِّسُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى هُشَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ، ثُمَّ أَصِيرُ إِلَى الكِسَائِيِّ، أَوِ الفَرَّاءِ، أَوِ ابْنِ غَزَالَةَ، فَأَقْرَأُ عَلَيْهِ جُزْءاً مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ إِلَى أَبِي مَنْصُوْرٍ زَلْزَلٍ، فَيُضَارِبُنِي طَرْقَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً، ثُمَّ آتَي عَاتِكَةَ بِنْتَ شَهْدَةَ، فَآخُذُ مِنْهَا صَوتاً أَوْ صَوْتَيْنِ، ثُمَّ آتَي الأَصْمَعِيَّ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ، فَأَسْتَفِيْدُ مِنْهُمَا، وَآتَي مَجْلِسَ الرَّشِيْدِ بِالعَشِيِّ”.

الغِناءُ غِذاءُ الرُّوحِ، كما أنَّ الطَّعامَ غذاءُ البَدَنِ

إسحاق الموصلي

أقوال العلماء فيه:

قال عنه الذهبي: “الأخباري، صاحب الموسيقى، والشعر الرائق، والتصانيف الأدبية، مع الفقه، واللغة، وأيام الناس، والبصر بالحديث، وعلو المرتبة”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع، إن الإمام الثقة المتقن برع بعلم الحديث، علم الجَرح والتعديل، وعلم القراءات والتاريخ، وصنَّف فيها جميعاً
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

وقال الخطيب البغدادي: “كان حلو النادرة، حسن المعرفة، جيد الشعر، مذكوراً بالسخاء”.

وقال ابن الأهدل: “كان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق من الشهرة بالغناء لوليته القضاء؛ فإنه أولى، وأعف، وأصدق، وأكثر ديناً وأمانةً من هؤلاء القضاة”.

وقال ابن الفرات: “كان إسحاق من العلماء باللغة، والفقه، والكلام، والأشعار، وأخبار الشعراء، وأيام الناس، وكان كثير الكتب، حتى قال ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب كلها سماعه، وما رأيت اللغة في منزل أحد أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي”.

وقال عون بن محمد الكلبي: “حدثنا محمد بن عطية العطويّ الشاعر، أنه كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع النّاس فيه، فرآني إسحاق بن إبراهيم، فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن، وقاس، واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، فأقبل على يحيى وقال: أعزَّ الله القاضي، أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا”.

مواقف:-

  • عن عبد الصَّمَد بن المعذِّل قال: سمعتُ إسحاق الموصلي يتحدَّث، قال: حجَجتُ مع الرَّشيد، فلمَّا نزلت المدينة آخيت رجلاً كان له مروءة ومعرفة وأدب، وكان يُغنِّي، فإنِّي ذات ليلة في منزلي إذا أنا بصوته يستأذن عليّ، فظننتُ أمراً قد حَدَث ففزِعَ فيه إليّ، فأسرعتُ نحوَ الباب، فقُلت: ما جاءَ بِك؟.

قال دعاني صديقٌ إلى طعامٍ عتيد، ومجلس شراب قد التقى طرفاه، وشواء رَشراش (الخضل النَّدي)، وحديثٍ ممتع، وغِناء مشبِع، فأجبته وأقمتُ معهُ إلى هذا الوقت، فأخذتْ مني حُميا الكأس مأخذها، ثم غَنيّتُ بقول نصيب:

بزيْنبَ أَلْمِمْ قبل أن يرحلَ الرَّكبُ

وقُل إن تَمَلينـــــــا فما مَلَكِ القلبُ

فكِدتُ أطير طَرَبَاً (إسحاق)، ثم وَجَدتُ في الطَّرَبِ تنغيصاً إذا لم يكُن معي من يفهم هذا كما فهمته؛ فَفَزِعت إليك لأصِف لك هذه الحال، ثم أرجِع إلى صاحِبي! وضَرَبَ بغلتَه مولِّياً، فقُلت: قِف أُكلِّمك، فقال: ما بي إلى الوقوف إليكَ مِن حاجة.

قال إسحاق : دعاني يحيى بن خالد البرمكي فدخلتُ عليه، وكان عنده الفضل وجعفر ولداه، فقال لي: أصبحتُ اليوم مهموماً فأردت الصبوح لأتسلَّى، فغنِّ صوتاً لعلِّي أرتاح إليه فغنيته:

إذا نزلوا بطحاء مكَّة أشرقت.. بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر

فما خلقت إلَّا لجود أكفهم.. وأرجلهم إلَّا لأعواد منبر

فسُرَّ (يحيى) وأمر لي بمائة ألف درهم، وأَمَرَ لي كل واحدٍ من ولديه بمثل هذا المبلغ، فحملتُ المال وانصرَفت.

كتب إسحاق:-

  1. الأغاني، أغانيه التي غنى بها.
  2. أخبار عزة الميلاء.
  3. أغاني معبد.
  4. أخبار حماد عجرد.
  5. أخبار ذي الرُّمَّةِ.
  6. الاختيار من الأغاني، ألفه للواثق.
  7. مواريث الحكماء.
  8. جواهر الكلام.
  9. الرقص والزفن.
  10. الندماء.
  11. النغم والإيقاع.
  12. قيان الحجاز.
  13. النوادر المتخيرة.

وفاة إسحاق:-

توفي إسحاق النديم في بغداد، في شهر رمضان، سنة 235هـ، وعاش 85 سنة، وكان قد عمي قبل وفاته بسنتين.

مدينة بغداد التي توفي بها النديم (الصورة تعود للعام 1932 م)

المصادر:

الأعلام (1/292).

سير أعلام النبلاء (11/118/رقم 42).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/161).

العبر في خبر من غبر (1/330).

وفيات الأعيان (1/202/رقم 87).

اللطف واللطائف للثعالبي.

العقد الفريد لابن عبد ربه.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق