أعلامانفوجرافيكس

إحسان عباس .. المؤرخ والناقد والمفكر الموسوعي

حقَّق ما يقارب من 52 كتاباً من أمهات كتب التراث

إحسان عباس :-

الدكتور إحسان عباس هو الناقد والمحقق والأديب والشاعر الفلسطيني، وُلِدَ في قرية عين غزال التابعة لمدينة حيفا في فلسطين سنة 1920م.

نظَمَ عباس أول قصائده وهو في عُمُر العاشرة وكان يريد عبرها تحريض أهل قريته على مواجهة المستعمر المحتل الإنجليزي الذي فرض نفسه وانتدابه على فلسطين، حيث قال في مطلعها:

ألا يا أهل عين غَـــزالَ..

هبوا بأكبركِم لأصغركم معينا

تحصيله العلمي:-

أنهى في مدينة حيفا المرحلة الابتدائية، ثم حصل على الإعدادية في صفد، ونال منحة إلى الكلية العربية في القدس الشريف، وقد نال البكالوريوس في الأدب العربي عام 1946م من القاهرة، فالماجستير، ثم الدكتوراه عام 1954م.

مدينة القدس الشريف حيث درس عباس في الكلية العربية - الصورة في عام 1915 م
مدينة القدس الشريف حيث درس عباس في الكلية العربية – الصورة في عام 1915 م

حتى إذا كِدتُ أُنهي السنة الخامسة من العُمر وأدخل السَّادسة، أوصَى أبي صانعَ الأحذية في القرية أن يصنعَ ليَ “بوتيناً” حذاء له عُنُق يحتضن جُزءاً من السَّاق، فلم أعُد أستطيع أن ألعب بالطِّين، ولا أن أخُوضَ الوادي الشَّامي، كان الدُخُول إلى المدرسة لا يمكن أن يتمَّ قبل بلوغ السَّابعة، ولكِنَ صداقة َ والدي للمعلِّم الأول (المدير) في مدرَسَة القَرية ذلَّلت هذه العَقَبة، فقُبِلْتُ وأنا في سِن السَّادِسة، وبذلك قضَى البوتين اللَّعين على طفولتي حين حَدَّدَ لها نهايتها.

إحسان عباس من كتابه “غُربة الرَّاعي”.

إحسان عباس -مناصبه العلمية:-

عمل إحسان عباس في التدريس سنوات، وقد التحق بعدها بجامعة القاهرة عام 1948م، ودرَّس في الجامعة الأردنية، وفي عدد كبير من الجامعات العربية، حيث بدأ تدريسه الجامعي في كلية غوردون التذكارية في السودان، ثم جامعة الخرطوم، ثم انتُدِبَ للتدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1961م، وشغل فيها منصب رئيس دائرة اللغة العربية ولغات الشرق الأدنى، ومدير مركز الدراسات العربية ودراسات الشرق الأدنى، ومدير مركز الدراسات العربية ودراسات الشرق الأوسط، ورئيس تحرير مجلة الأبحاث، وهو عضو في المجمع العلمي العربي بدمشق.

ويقول عباس عن عملية انتقاله من الخرطوم إلى بيروت : “قبلتُ براتبٍ شهري لا يبلغ ثُلُث راتبي في الخرطوم، وهذا سيُلجئني إلى البحث عن موارد رزقٍ أخرى، وبخاصة أنَّي فارقتُ الخرطوم دون أو أوفِّر شيئاً، مع أنه كان في استطاعتي أن أعود بوفرٍ ينفعني في المستقبل، وضحكتُ حين قال لي أحد أصحابي أول وصولي إلى بيروت: تعال نشترِك في مشروع تجاري، ولم يُصدِّق حين قلُتُ له: إنني لا أملكُ شيئاً سوى ما اشتري به أثاثاً ضرورياً للبيت، وأدفع منه أجرة الشُقة، وأقساط الأولاد في المدارس”.

الجامعة الأمريكية في بيروت مطلع القرن العشرين
الجامعة الأمريكية في بيروت مطلع القرن العشرين

الأنشطة الأكاديمية والمؤتمرات التي شارك بها:-

شارك الأديب إحسان عباس في أنواع مختلفة من النشاط الأكاديمي والتربوي في جامعات ومؤتمرات وندوات عربية وعالمية كثيرة من الدراسات الإسلامية والعربية والتراث والأدب الحديث، وكان مستشاراً لعدد من الجامعات في تخطيط برامج الدراسات العليا.

ويتحدَّث عبَّاس عن شغفه وأخلاصه العلمي في المشاركة بالمؤتمرات المتخصصة التي أرهقتهُ مالياً، خصوصاً أثناء تواجده في الجامعة الأميركية في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بمنتصف سبعينيات القرن الماضي بالقول: “فقد كُنتُ في صيف كُلِّ عام؛ أُشارِكُ في مؤتمرات المستشرقين، وأُقدِّم بحوثاً تتناسب والموضوع المقترح في كُل مؤتمر، وكانَ السَّفر إلى هذه المؤتمرات والإقامة على حسابي، وهذا كان يستنزف وفرَ كُلَّ عام، وعادت مشكلة الصِّراع بين يدي وبين المال إلى الظُّهور، ولكن حِرصي على المؤتمرات كان أكثر من حرصي على النُّقود”.

مكانة إحسان عباس العلمية:-

ناقد ومحقق وأديب وشاعر وفيلسوف ومؤرخ وكاتب وباحث موسوعي، ويعتبر من أبرز نقاد الأدب العربي في القرن العشرين، كان غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمةً من لغة إلى لغة؛ فقد ألَّف ما يزيد عن 25 مؤلفاً بين النقد الأدبي والسيرة والتاريخ، وحقَّق ما يقارب من 52 كتاباً من أمهات كتب التراث، وله 12 ترجمة من عيون الأدب والنقد والتاريخ، كان مقلاً من الشعر؛ لظروفه الخاصة؛ كونه معلماً وأستاذاً جامعياً، وقد أخذه البحث الجاد والإنتاج النقدي الغزير من ساحة الشعر والتفرغ له.

دخلتُ عالم الأدب الأندلسي فأوصلني إلى ابن حَزم، ووقفتُ عند هذا المُفكِّر الذَّكي الجريء وقفة المتعرِّف المتأمل المُعجَب، أعجبني الفِكر الظَّاهري لأنَّه يلائم شخصيتي .. وسَعِدّتُ بصحبته على مرَّ الزمن وشَغَلتْني رسائله وما فيها من مقدِّمات تمهِّد لِفِكر ابن حيان مؤرِّخ الأندلس، ثمَّ لِفِكْر ابن خلدون شيخ مؤرخي الإسلام.

إحسان عباس من كتابه “غُربة الرَّاعي”.

منهج إحسان عباس العلمي:-

أرسى عباس الكثير من التقاليد في حقول البحث والمعرفة؛ إذ كان عقلاً منفتحاً مستقلاً، ولم يركن الدكتور إلى منهج من المناهج الناجزة المعرفة، وإنما كان موسوعياً في معرفته المناهج النقدية؛ يستفيد منها في سبك منهجه الخاص المميز.

مؤلفات إحسان عباس:-

  1. الحسن البصري.
  2. فن الشعر.
  3. فن السيرة.
  4. تاريخ النقد الأدبي عند العرب.
  5. ملامح يونانية في الأدب الغربي.
  6. اتجاهات الشعر العربي المعاصر.
  7. تاريخ الأدب الأندلسي.

وفاته:-

توفي الأديب إحسان عباس في عمَّان سنة 2003م، وقد قال قبل ذلك بسنواتٍ وأثناء إقامته واستقراره النهائي في العاصمة الأردنية التي أبدى فيها ارتياحه وأنجز خلالها تحقيق مشروع “تاريخ بلاد الشَّام”: “وقد اكتشفتُ سنة 1994 أنني أصحبتُ فريسة لأمراض الشيخوخة، وقد قال لي طبيب نفسي: إن مشكلتكَ هي الكآبة، فقُلتُ له: لا عَجَبَ في ذلك بعد شهود كل هذه المآسي في حياةِ أُمَّتي، ثمَّ إنني أحسُّ أني فقدتُ جذوةً كانت تتأرجحُ في نفسي، وبها كُنتُ أعمل وأعيش، وإذا كان صحيحاً أن القلب تتناقص فيه الكهرباء بتزايد السِنّ، فتلك هي الجذوة التي فقدتها”.

ليس في الموت عِبرة، كان الشاعر الجاهلي (أبو ذؤيب مثلاً) يُحدِّثُنا عن موت ثور الوَحش وبقرة الوحش وحِمار الوحش، والفارسُ القويُ المُدجَّج بالسِّلاح ليتعزَّى بأنَّ كلَّ شيءٍ مهما تكُن قوته يدركهُ الموت، أمَّا نحن؛ فليست لهذه التعزية قيمةً لدينا، الذي ماتوا ونحنُ لا نَعرفُهُم كأنما لم يموتوا، لأنهُم لم يوجَدُوا بالنسبة لنا، والذين ماتوا مِمْن نعرِف؛ موتهم حادثٌ جديد، في كُلِّ مرَّةٍ نبكي كُلَّ من ماتَ منهم كأننا لم نتوهَّم قطّ أنه قد يُفارقُ هذه الأرض في يومٍ من الأيَّام.

المرحوم إحسان عبَّاس.

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى