أعلام

إبراهيم عبد القادر المازني .. الأديب اللامع

أدلى بدلوه في أغلب أنواع الأدب، فهو شاعر وكاتب وناقد وقصاص ومترجم

إبراهيم عبد القادر المازني نجمٌ تلألأ في سماء الأدب، وواحد من أساطين النهضة في الأدب الحديث، وأديبٌ له أسلوب خاص يميزه، فتُرى كيف كانت حياته؟ وما هو نتاجه الأدبي؟.

نشأة  إبراهيم عبد القادر المازني :-

ولد إبراهيم عبد القادر المازني في بيت عتيق على حدود الصحراء في القاهرة سنة 1889م ، في بيئة دينية متواضعة فكان أبوه محاميًا شرعيًا، وأخوه محاميًا شرعيًا أيضًا، وخاله من رجال الدين، وقد حُرم المازني من رعاية والده وهو في عامه الثاني، ولما توفي أبوه بدد أخوه القليل الذي تركه الوالد، وغمرته أمه بالرعاية والحنان، ولم تمنعها فاقتها من تعليم ابنها المدارس الابتدائية والثانوية.

القاهرة التي ولد فيها إبراهيم عبد القادر المازني .

دراسته:-

كان إبراهيم عبد القادر المازني يطمح لدخول مدرسة الطب، ولكنه ما لبث أن دخل غرفة التشريح حتى أصيب بغثيان شديد، وفكر في الالتحاق بمدرسة الحقوق، ولكنه عدل عن ذلك؛ لارتفاع مصاريف تلك المدرسة.

دخل المازني مدرسة المعلمين، والتي كانت تعنى في ذلك الوقت بتدريس اللغة الإنجليزية وآدابها، فأقبل المازني على دراسة تلك الآداب، ولم يعكف على ما تقرر دراسته منها وحسب؛ وإنما صار ينهل من عيون شعرائها مثل: شكسبير (Shakespeare) وشيلي (Shelley) وبايرون (Byron) ، وعيون كتابها مثل: ديكنز (Dickens) وثاكرى (Thackeray)  ووالتر سكوت ( Walter Scott) وتشارلز لام (Charles Lamb)، واهتم بمؤلفات كبار النقاد الإنجليز مثل: هازلت (Hazlitt) وأرنولد (Arnold) وسينتسبري (Saintsbury).

وقد كان لهذه القراءات في الأدبي العربي والغربي أثر واضح في أدبه.

حياته العملية:-

بدأت حياة إبراهيم عبد القادر المازني العملية في مرحلة مبكرة حيث كان يكتب في صحيفة “الجريدة” وهو لا يزال طالبًا في مدرسة المعلمين.

وقد تنقل المازني في بداية حياته بين عدة وظائف حكومية وحرة، ثم اتجه إلى العمل بالصحافة.

رحلة المازني وعبد الرحمن شكري والعقاد :-

لقد تعرف المازني بعبد الرحمن شكري زميله، وربطتهما مودة وصداقة، وبدآ يكتبان الشعر معًا على غرار ما قرآ في الشعر الإنجليزي، وبخاصة عند أصحاب النزعة الرومانسية أمثال شيلي وشعراء البحيرة.

وقد حاول المازني أن يقف وراء محاولات صديقه شكري في التجديد عندما أصدر ديوانه “ضوء الفجر”، وأخذ يشيد بتلك المحاولة، واضطر في سبيل ذلك أن ينقد حافظًا نقدًا شديدًا، ولسوء حظ المازني فقد كان حافظ صديقًا لوزير التربية والتعليم أحمد حشمت باشا، فتوعد المازني أنه سيُعاقب على نقده، ونُقل بعدها المازني لمدرسة دار العلوم، فغضب وقدم استقالته واتجه للأعمال الحرة، وعمل بإحدى المدارس مع العقاد.

ولا يمكننا ونحن نتحدث هنا عن هذا الجيل الجديد من الشعراء أن نغفل دور العقاد الذي سرعان مع تعرف على المازني وشكري، وكوّنوا معًا مدرسة شعرية جديدة، وهي مدرسة الديوان، كما تعاون العقاد والمازني على إصدار كتابها الشهير الديوان.

إبراهيم عبد القادر المازني تعاون مع العقاد.

الثروة الأدبية للأديب المازني :-

بدأ المازني حياته الأدبية بالثورة على الأدب التقليدي، فالأدب لا بد أن يواكب العصر الذي هو فيه، لقد حاول هو والعقاد وشكري تحطيم تلك الأصنام للأدب التقليدي، وتحرير الأدب من قيود الماضي، وأدلى المازني بدلوه في أغلب أنواع الأدب، فهو شاعر وكاتب وناقد وقصاص ومترجم.

شعر إبراهيم عبد القادر المازني :-

لقد كان شعر المازني يفيض بالمشاعر الإنسانية المعذبة، والتجارب المرة المؤلمة، لقد عبر المازني في شعره عن ما يشعر به، وحاول أن يكون ابن عصره، وظهر تأثره بالشعراء الرومنطقيين كثيرًا، وجدد المازني أحيانًا في قوافي الشعر، فاستعمل القافية المزدوجة التي يلتزمها في بيتين من القصيدة، والقافية المتجاوبة التي يستعملها في بيتين بينهما مقطوعة لها قافية مختلفة، وذلك يشبه شعراء الموشحات في الأندلس.

وأما الموضوعات؛ فقد ترفَّع إبراهيم عبد القادر المازني في شعره عن شعر المناسبات، ومع ذلك فلم تكن محاولاته مكللة بالنجاح، فبرغم من كل ما سبق لم يخرج عن إطار الشعر الغنائي الذي ظل الشعر العربي منحصرًا فيه  لعصور.

ومن خير ما يصور لنا تلك النزعة المتشائمة في شعر المازني، قصيدة الملل من الحياة، ومنها:

أكلما عشت يومًا .. أحسست أني متّه

وكلما خلت أني .. وجدت خلصاً فقدته

لا أعرف الأمن عمري .. كأنني قد رزئته

ثوب الحياة بغيضٌ .. يا ليتني ما لبسته

ويمكن إرجاع اختيار المازني لهذه النوعية من الشعر إلى أنه كان صاحب حس مرهف ونفس حساسة للغاية، ثم إن حياته مليئة بالآلام، فقد ذاق الألم وهو صغير، وكان قصيرًا تقتحمه الأعين، فضاق ذرعًا بحياته، وزاد ضيقه عندما أصيب بحادث، أدى إلى إصابة ساقه، فصار العرج يلازمه.

كتابات المازني :-

نضج المازني الأديب، ولم يحصر نفسه على قراءة الأدب الإنجليزي، وإنما نهل من كل ما تُرجم إلى الإنجليزية من آداب، فقرأ لإيفان تورغينيف، وأرتزيباشيف وقد ترجم له رواية سانين بعنوان ابن الطبيعة.

وقرأ المازني لأغلب الكُتاب الروسيين الذين حملت كتاباتهم طابع السخرية.

وهنا يتحول المازني من شاعر وجداني إلى كاتب ساخر، يسخر من الحياة ومن الهموم، ويرسم صورًا فكاهية، وصار هذا أسلوب خاص به.

فلسفة جديدة :-

إن المازني في هذه المرحلة شعر بأن التشاؤم والتبرم من الحياة لا يغير الواقع، فقرر أن يغير فلسفته لا في أدبه بل في الحياة، فصار يقابل ذلك الواقع المرير بالابتسامة، بل وشعر أن عليه واجب تجاه قرائه وهو تخفيف أعباء وهموم الحياة، فما دام لا يملك علاجًا، وليس بيده الحل، فليس أمامه سوى الاستخفاف والضحك على الحياة.

و إبراهيم عبد القادر المازني هنا لا يزال بعيدًا عن السياسة والحياة السياسية، ولكنه يكتب في الموضوعات الاجتماعية.

أسلوب المازني في كتاباته:-

لقد خلق المازني لنفسه أسلوبًا شخصيًا تميز به، فقد أبدع المازني نوع من الأدب المصري الفكاهي، واستعمل بعض الألفاظ العامية ما دام لها أصل فصيح، وتؤدي المعنى المطلوب، ولم تكن الخصائص اللفظية فقط هي ما ميز المازني وإنما عمق الأفكار وكذلك الأسلوب الساخر، وكأن كتابات المازني تُعرب عن نفسها، فليس من الصعب على القارئ أبدًا معرفة كتابته.

ومثلما هاجم المازني حافظًا هجومًا شديدًا، فقد هاجم المنفلوطي وأسلوبه الإنشائي الفارغ من الفكرة والعمق أو التجديد، بل لقد هاجم صديقه عبد الرحمن شكري، ولم يعجب بشعره، وكأنما نحن أمام شخص غير ذلك الشاعر السابق، وكأنه وجد ذاته بعد ذلك التيه.

مقالات المازني :-

نشر مجموعة مختارة من مقالاته سنة 1924 م تحت عنوان “حصاد الهشيم” ، ونشر مجموعة أخرى سنة 1927 م  بعنوان “قبض الريح” تعرض فيها لنقد ساخر لطه حسين وآرائه في الأدب الجاهلي والأدب العربي.

ونشر مجموعة ثالثة سنة 1929 م عنوان “صندوق الدنيا”، وفيها يظهر ذلك الاتجاه الساخر والفاكهي بوضوح، فنراه في المقدمة يقول :”كنت أجلس إلى الصندوق وأنظر ما فيه، فصرت أحمله على ظهري وأجوب به الدنيا، أجمع مناظرها وصور العيش فيها عسى أن يستوقفني نفرٌ من أطفال الحياة الكبار، فأحط الدكة وأضع الصندوق على قوائمه، وأدعوهم أن ينظروا ويعجبوا ويتسلوا ساعة بملاليم قليلة يجودون بها على هذا الأشعث الأغبر الذي شَبرَ فيافي الزمان”2

وكتب مجموعة رابعة بعنوان”خيوط العنكبوت، بنفس الأسلوب الساخر لصندوق الدنيا.

نقد إبراهيم عبد القادر المازني :-

كان كتاب الديوان الذي أصدره المازني مع العقاد بداية نقدية، فقد حاول فيه بيان رأيه في الشعر وأنه يجب أن يكون صادقًا، ومعبرًا عن عصره، وليس تقليدًا لمذهب أحد، فالشعر يجب أن يصور ما يحس به الشاعر تصويرًا إيحائيًا.

ويمضي المازني في مقالاته ويسجل آراءه النقدية والأدبية.

والمازني ينقد بمنطق سديد وبعمق، ويهتم بالإقناع بكل وسائله، ويقوم بالمصارحة الجريئة، ويدعم رأيه دائمًا بالأدلة، ويتصدى للرأي الآخر بعناد وبعد نظر.

ولم يغفل المازني وهو ينقد الشعراء والكُتاب عن ربط حياتهم بما أنتجوا من نتاج أدبي، كيف لا! وهو يرى أن الأدب يعبر عن حياة صاحبه.

ويبدو لنا من نقد المازني أنه رجل واسع الثقافة، ومتمكن من التحليل والتعليل، وصاحب ذوق عالٍ يذهب مع الجمال حيث ما كان.

قصص إبراهيم عبد القادر المازني :-

اتجه المازني سنة 1932 م إلى كتابة القصة الاجتماعية والتي استمد أبطالها من الواقع المصري، واهتم فيها بتحليل الشخصيات تحليلًا عميقًا، وبيان أبعادها النفسية، وما في النفوس البشرية من عقد، وهو في ذلك متأثرًا بالأدب الأوربي الواقعي التحليلي الذي قرأه.

أهم قصصه :-

  • إبراهيم الكاتب.
  • ع الماشي.
  • في الطريق.
  • ميدو وشركاه.
  • عود على بدء.
  • ثلاث رجال وامرأة.
  • إبراهيم الثاني.
  • من النافذة.
  • المسرحية الوحيدة  “بيت الطاعة أو غريزة المرأة.”

وله قصص منثورة في “حصاد الهشيم” و”قبض الريح” و “صندوق الدنيا” و”خيوط العنكبوت”.

قصص المازني في ميزان النقد:-

بوجهٍ عام؛ فإن أغلب قصص المازني لا يعني فيها بالأحداث، ولا يغرب في الخيال، وإنما هي أحداث أو ذكريات أو تجارب بالغة البساطة، يعمق فيها المازني من التحليلات النفسية، وكأنما هي مقالات قصصية لا حبكة فيها ولا بناء، ومع ذلك فهي تبقى كنز مليء بالقيم الإنسانية والفنية، وقد استعمل المازني فيها بعض الألفاظ العامية في الحوار، بينما التزم السرد بالفصحى.

ترجماته :-

لقد كان المازني في مقدمة المترجمين المبدعين والمتميزين في الترجمة من الآداب الغربية، فهو متذوق للآداب الغربية، وعالم باللغة العربية ومتمكن منها، وبرهن في ترجمته أن اللغة العربية مرنة، ويمكنها استيعاب جميع المعاني، وتصوير جميع الأشياء، وقد ترجم عدة قصص منها قصة ابن الطبيعة، والشاردة لجون جالسورذي (John Galsworthy)، وقصص مختارة من الأدب الإنجليزي.

لقد كان إبراهيم عبد القادر المازني يحاول جاهدًا التعبير في أدبه بصدق، لدرجة جعلت النقاد يرون أن كتابات المازني المختلفة أشبه باعترافات، لأن المازني يتحدث عن نفسه بصدق، ويصف كل ما يجول في خاطره، وقد انعكس هذا الصدق على أدبه، فمس قلوب القراء وعقولهم.

القاهرة عام 1870 م والتي انطلقت شهرة الإمام السيوطي منها إلى آفاق العالم
القاهرة عام 1870 م – مكتبة الكونغرس.

اقرأ ايضاً كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:-

  • ديوان المازني، ص 123 ، مؤسسة هنداوي، طبعة أولى.
  • صندوق الدنيا للمازني، ص 8 ،مؤسسة هنداوي، طبعة أولى.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى