أعلام

إبراهيم اليازجي .. رائد نهضة اللغة العربية

فرض نفسه على السَّاحة الأدبية، بفَصاحة لَفْظه، وحَصَافة رأيه

تمهيد :-

بَرَز إبراهيم اليازجي من بين أدباء عصره، وفرض نفسه على السَّاحة الأدبية، بفَصاحة لَفْظه، وحَصَافة رأيه، اتّسم قلمه بالجرأة الأدبية، وكان دائم السّعي وراء الحرية الفكرية، تشهد له كثير إنجازاته، وبليغ إنتاجاته، بأنه أحد رُواد نهضة اللغة العربية.

من هو إبراهيم اليازجي؟

هو إبراهيم بن ناصيف بن عبد اللّٰه بن ناصيف بن جنبلاط، أحد أبرز علماء اللغة والأدب والنقد في عصره، شاعر لبنانيّ سوريّ، ولد في بيروت سنة 1847م، هاجر جده من حِمص إلى لبنان واستقرّ بها، نشأ في بيت يَضجُّ بالثقافة والأدب، وتربّي وهو يَستقي من علوم اللغة، فوالده هو الشاعر الكبير ناصيف اليازجي ، الذي أسَّسه في اللغة، وسقاه من فنون الأدب، الأمر الذي جعل نفسه توّاقة للتّبحر فيها وتحصيلها، مُبديًا نبوغًا لافتًا للأنظار منذ صِباه في اسْتيعاب العلوم، ونَظم الأشعار.

تطلَّع إبراهيم اليازجي إلى مُتَّسعٍ من الحرية لأفكاره وآرائه الحرة، ولم يكن هذا المناخ متوفرًا في لبنان آنذاك، فعزم على السفر إلى مصر ليحظى بالحرية المنشودة لأفكاره التجديديّة.

شخصية اليازجي :-

كان إبراهيم اليازجي مُتوقِّد الذكاء، حاضر الذهن، نَهِمًا للعلم والمعرفة، أَبيّ النّفس، عصبيّ المزاج، لذّاع النّقد، وكان لَسِنًا، وكثيرًا ما كان يُؤنس المجالس بأحاديثه الطريفة.

إنجازاته:-

تقلّد إبراهيم اليازجي الكثير من المهام التي أُسْندت إليه؛ وذلك لما عُرف عنه من مَتانة اللغة، وفصاحة الأسلوب، وقوة البيان، ومنها تكليفه بتحرير جريدة “النجاح” عام 1872م، وعمل مُدرسًا للغة العربية بمدرسة البطريركية للروم الكاثوليك ببيروت، وأُسندت إليه مهمة ترجمة الكتاب المقدس – العهد القديم والعهد الجديد – نظرًا لما لمسه الآباء اليوسوعيون من قدرته اللغوية الدقيقة في انتقاء الترجمة الصحيحة المرادفة للغة السريانيَّة والعِبرية، وقد حَظي هذا العمل باهتمام منقطع النظير من قِبَل إبراهيم اليازجي، حتى يظهر بأفضل صورة، فاستغرق فيه تسع سنوات عاكفًا عليه حتى أنجزه على النّحو المرجوّ.

اشترك مع الدكتور بشارة زلزل في إصدار مجلة البيان سنة 1897م، غير أن هذا التعاون لم يستمر أكثر من عام، ثم أصدر مجلة الضياء عام 1898م، والتي كانت مَجمَعًا لِعلوم اللغة والأدب، واشتهرت بالعناية التامة بفصاحة الكلمة، ومتانة الأسلوب، ولاقت نجاحًا ورَواجًا استمر طيلة ثمانية أعوام، حتى داهمه المرض الذي حال بينه وبين استمرار إصدارها.

وقد بلغت شهرته الآفاق؛ حتى قلّده ملك النرويج وسام العلوم والفنون، كما حصل في باريس على عضوية الجمعية الفلكية،

وله مُباحثات مع الفلكي الفرنسي المشهور فلاماريون، و نظرًا لقيمة ما عرضه على الجمعية الفلكية، فقد تم طبعه في مجلة الكوزمس الشهيرة.

بيروت في عام 1890 م -مكتبة الكونغرس.

مناظرته مع الشدياق :-

أَبدى إبراهيم اليازجي قُدراته الأدبية واللغوية في مُقتبل عمره، في مناقشة احْتَدمت بينه وبين أحمد فارس الشدياق بعد وفاة أبيه، فقد انتقد الشدياق ناصيف اليازجي بعد وفاته في معرض التأبين، وقيل أن الانتقاد كان على لفظة ” فِطْحَل” حيث وردت في مقاماته ساكنة الثاني، بينما الصواب هو ” فِطَحْل”، ولعله كان خطأ مطبعيًا اتخذه الشدياق ذَريعة لمهاجمة الشيخ بعد وفاته، لكن إبراهيم اليازجي انتصر لأبيه، في تلك المناظرة التي كانت حديث الساعة حينها، كما أخذ يتطرق إلى أخطاء الشدياق في كتابه “سر الليال في القلب والإبدال” وينتقدها، فما كان من الشدياق إلا أن قابله بكلام جارح لِينتقص منه، فردّ عليه إبراهيم اليازجي ردًا طويلًا بليغًا استعرض فيه قدراته اللغوية والأدبية، فاستقطب الأضواء بنبوغه، ومما قاله هذا النظم الذي يدل على أدبه الجمّ، وعقله الراقي حين قال:

لَيسَ الوَقيعةُ مِن شَأني فَإِن عَرَضَت .. أَعرَضتُ عَنها بِوَجهٍ بِالحَياء نَدِي

إِنــي أَضــنُّ بِعِرضــي أَن يُلمَّ بِـهِ .. غَيــري فَهَل أَتَولَّى خرقه بِيَدي

اهتمامه باللغة العربية :-

أَسْدَى إبراهيم اليازجي للعربية الكثير من الخدمات، وكان أحد أعمدة نهضتها، فقد قام باصطناع حروف الطباعة ببيروت، وكانت الحروف المستعملة آنذاك حروف المغرب والأستانة، كما قام بتسمية كثير من المخترعات الحديثة بما يناسبها من الكلمات العربية، وعرّب الكثير من المصطلحات، وأضاف للغة مصطلحات جديدة، كما عنى عناية تامة بالتنويه على اللغة الملائمة للصحافة، وشدد على البعد عن ركيك الأساليب أو العبارات التي تتسلل إلى اللغة العربية؛  لأنها اللغة الأساس الذي تُبنى عليه ركائز القومية العربية.

وقد أورد في مجلة الضياء 68 مصطلحًا جديدًا، له منها 41 مصطلحًا، ومنها:

البيئة – Milieu
الحساء – Soupe
الحُوذِيّ – Cocher
اللّولب – Vis
الدّراجة – Bicyclette
المَأسَاة – Tragédie
المِقْصَف – Buffet
المِقْصَلَة – Guillotine
المِجلّة Revue
الطّلاء Vernis

أقوالٌ في إبراهيم اليازجي :-

● قال فيه مصطفى لطفي المنفلوطي: “هو أكبر عالم لغوي في العصر الحاضر، واتفق له ما لا يتيسر إلا للقليل من اللغويين من قوة البيان وبراعة الإنشاء، فهو فخر سوريا خاصة والعرب عامة”

● مَدَحه الرافعي قائلًا: ” هو أديب النصرانيّة وبليغها”

● قال عنه خير الدين الزركلي: “عالم بالأدب واللغة”

● ويقول الشاعر العراقي فالح الحجية مُعلّقًا على اهتمامه بالقومية العربية: “التزم إبراهيم اليازجي القومية العربية، وعمل في سبيل إحيائها وإذكائها في قلوب الناشئة العرب، وبثّ الروح العربية المُتوثبة في الشباب المُثقف المُتعطش إلى الحرية، وكان يعمل على استقلال البلاد العربية”.

هو في الطبقة الأولى من أدباء نصارى بلاد الشام، وقد اشتهر بالعناية والبحث في اللغة العربية وانتقاد ما يُكتب بها وإن قومه لَيُجلّون قدره، ولكننا كنا نراهم على فخرهم به يَشكون من عجبه، ويألمون من غروره.

— السيد رشيد رضا يتحدث عن اليازجي.

مؤلفات إبراهيم اليازجي :-

  • معجمه اللغوي القيّم “الفَرائد الحِسان من قَلائدِ اللسانِ” وهذا الكتاب لا يزال مخطوطًا.
  • “العُرف الطّيب في شرح ديوان أبي الطيب“، وهو كتاب كان قد بدأه والده، فنقّحه وأتمّه.
  • نُجْعَة الرَّائد وشِرعَة الواردِ في المُترادفِ والمُتواردِ” وهو كتاب ألّفه في ألفاظ اللغة العربية وتراكيبها.
  • “تنبيهات اليازجي على محيط البستاني”.
  • “شرح المقامة البدوية” من كتاب مجمع البحرين.
  • “تنبيهات على لغة الجرائد”.
  • اختصر كتابي والده “نار القرى في شرح جوف الفرا” في النحو، و”الجمانة في شرح الخزانة” في الصرف.
  • شرح كتاب “الجوهر الفرد” واختصره في كتاب سمّاه “مَطالع السّعد لمطالع الجوهر الفرد”.
  • نقّح “تاريخ بابل وآشور” لجميل نخلة المدور.
  • نقّح كتاب “عقود الدرر في شرح شواهد المختصر” لشاهين عطية.
  • نقّح “دليل الهائم في صناعة الناثر والناظم” جمعه شاكر البتلوني.
  • نقّح “نفح الأزهار في منتخبات الأشعار” جمعه شاكر البتلوني بِإرشاده.
  • ديوان شعره الذي أسماه “العقد” .

إبراهيم اليازجي والقومية العربية :-

تمّسك إبراهيم اليازجي بفكرة القومية العربية العمومية، وظل يدعو إليها في كل مَقام ومَقال، وأَفرد لها قصائدًا من أشعاره، شأنه شأن أعلام النهضة الحديثة، الذين أدركوا أهمية القومية العربية ووحدة الوطن العربي في النهوض بالأمة العربية ومواجهة أعدائها ومشاكلها، ولعلّ من أشهر ما نظم من قصائد في القومية العربية قصيدته التي ألقاها في إحدى جلسات الجمعية العلمية السورية، حيث تطلَّع فيها إلى مستقبل مشرق، تتوحد فيه جميع الأقطار العربية؛ لتنال استقلالها الذاتي، والتي يقول فيها:

تَنَبَّهُــوا واستَفِيقُـــوا أيُّهَــا العَــرَبُ .. فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ التَّعَلُّلُ بِالآمَــــال تَخْدَعُكُــم .. وأَنتُـــمُ بَيْنَ رَاحَاتِ القَنَا سُلبُ

اللهُ أَكبَرُ ما هذا المَنَـــامُ فَقَدْ .. شَكَـــاكُمُ المَهْدُ واشْتَاقَتْكُمُ التُّرَبُ

كَم تُظلَمُونَ ولَستُمْ تَشْتَكُونَ وكمْ .. تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبدُو لكم غَضَـبُ

أَلِفْتُمُ الهَونَ حتَّى صَارَ عندكمُ طَبعًا .. وَبَعـضُ طِبَـاعِ المَرءِ مُكتَسَـبُ

وفَــارَقَتكُمْ لِطُـــولِ الذُّلِّ نَخــوَتُـكُـمْ .. فَلَيــس يُؤلِمُكُمْ خَسْفٌ ولا عَطَـبُ

للّٰهِ صَبـــرُكُــــمُ لــو أنَّ صَبــرَكُــــمُ .. فِــي مُلتَقَى الخَيلِ حينَ الخَيلُ تَضطرِبُ

كَـمْ بَينَ صَبـــرٍ غَــدَا لِلـذُّلِّ مُجتَلِبـــاً .. وبيــنَ صبـرٍ غَدَا لِلعِـزِّ يَجتَلِـبُ

فَشَمِّـــرُوا وانْهَضُــوا للأَمـرِ وابْتَدِرُوا .. مِـن دَهرِكُمْ فُرصَةً ضَنَّتْ بِها الحِقَـبُ

لا تَبْتَغُـــوا بِالمُنَـى فَـــوزًا لأَنفُسِـكُــمْ .. لا يُصدَقُ الفَوزُ ما لَم يُصدَقُ الطَّلَبُ

للشاعر إبراهيم اليازجي.

كما ظلَّ يدعو إلى نَبذ الانقسام الطائفي، والتَّعصب والتَّشرذم، وتعزيز التَّآلف والتَّآزر، وأن يكون العرب على قلب رجلٍ واحدٍ، وهكذا؛ فقد تحوَّل شِعره إلى شعارات ثوريّة، رفعتها كثير من الحركات الثورية السرية، التي طالبت بالاستقلال.

وفاة إبراهيم بن ناصيف:-

بعد صراعٍ مع المرض؛ تُوُفِّيَ إبراهيم بن ناصيف اليازجي في القاهرة عام 1906م، ثم نُقل رُفَاته عام 1913م إلى لبنان، حيث وُضع بمقبرة الروم الكَاثولِيك ببيروت.

تخليد ذِكراه:-

 قدّم إبراهيم اليازجي الكثير للغة والأدب، مما دفع الجالية السورية واللبنانية في البرازيل أن تبذل المال في سبيل تشييد تمثال من البرونز له ببيروت عام 1924م، تقديرًا لعلمه وخدمته للغة، وقد وُضع هذا النُّصب التذكاري في الطريق المؤدية إلى الكلية البطريركية، حيث كان يعمل اليازجي، وقد نُقل هذا التمثال سنة 1956م إلى قصر اليونسكو في بيروت، في أجواء إحتفالية شارك فيها جَمع من الشعراء والأدباء.

تعرف على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

المصادر:-

● خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1992.
● فالح الحجية، شعراء النهضة العربية.
● محمد عبد الله القواسمة، إبراهيم اليازجي واللغة العربية، جريدة الدستور، 2019.
● ميشال جحا، إبراهيم اليازجي، لندن، 1992.
● شبلي الشبيل، مجلة فتاة الشرق، مصر، 1912.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى