أعلام

إبراهيم الصابي .. الكاتب الناثر صاحب الرسائل البديعة

حفِظَ أجزاءً من القرآن الكريم واقتبس منه في كتاباته، غيرَ أنَّهُ لم يعتنق الإسلام فبقي صابئيَّاً

من هو إبراهيم الصابي ؟

هو إبراهيم أبو إسحاق بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حبُّون الحراني الصابي الشهير بالتَّرسُل والكتابة والبيان والبلاغة المولود سنة 313 هجرية (925 م)، والذي كلَّفهُ الوزير المهلبي ديوان الرسائل في العاصمة العباسية بغداد وذلك سنة 349 هجرية.

كان شخصية مُحبَّبة، طيبة العِشرة،  صامَ رمضان وحفِظَ أجزاءً من القرآن الكريم واقتبس منه في كتاباته، غيرَ أنَّهُ لم يعتنق الإسلام فبقي صابئيَّاً.

خَدَم بني بويه وذلك حينما احتلوا بغداد وأبقوا على الخليفة العباسي كرمزٍ شكلي، وقد كانت نهايته مأساوية، إذ قال الإمام الذهبي في هذا الصَّدد:” مات في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وله إحدى وسبعون سنة ، ويقال : قتله ُ عضد الدولة لأنه أمره بعمل التاريخ التاجي ، فدَخلَ عليه رجلٌ، فسأله ما تؤلف ؟ فقال : أباطيل أُلفقها ، وأكاذيبُ أُنمِّقهُا ، فتحرَّك عليه عضد الدولة وطرده ، ومات، فرثاه الشريف الرضي فليمَ في ذلك، فقال : إنما رثيتُ فضله.. وهذا عذرٌ بارد”.

أقوال العلماء في إبراهيم الصابي :-

  • قال عنه الإمام الذهبي: الأديب البليغ، صاحب الترسل البديع،  وله نظمٌ رائق ، وكان مُكثراً من الآداب …. المُشرك، حرصوا عليه أن يسلم فأبى ، وكان يصومُ رمضان، ويحفظ القرآن ، ويُحتاج إليه في الإنشاء.. كتبَ لعزِّ الدولة بختيار، ولما تملَّك عضُد الدَّولة همَّ بقتله وسجنه، ثم أطلقه في سنة 371 هجرية فألَّف لهُ كتاب : “التاجي في أخبار بني بويه ” .
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي أثنى على إبراهيم الصابي .
  • يقول جمال الدين القفطي عن إبراهيم الصابي : إنه كان عالماً بالهندسة والهيئة والرياضيات ، وهو إلى ذلك كان مثقفاً ثقافة واسعة باللغة والشعر قديمه وحديثهِ.
  • أبو إسحاق الصابي جاء ذكره عند ياقوت الحموي في معجم الأدباء حيثُ قال الثاني عن الأول : “أوحدُ عصره في أإنشاء الرسائل .. كان بينه وبين الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد مراسلات ومواصلات ومتاحفات، وكذلك بينه وبين الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي مودة ومكاتبات ، مع اختلاف الملل، وتباين النِّحَل، وإنَّما كان ينظمهم سلك الأدب مع تبدد الدين والنسب ..
  • وذكره ابن فضل الله شهاب العمري قائلاً:  جوَّالُ الذِّكر في الكتاب، مشهورٌ شهرة الشَّمس في يوم الصَّحْو، تكلَّم وما تكلَّف، وتقدَّم ومن قبله تخلَّف؛ جرى على سجيِّتهِ في الطِّباع ودَعَا عاصي البيان فأطاع، ولم يَقِف مع السَّجَع يرسف في قيوده، ويُكلِّفَ فكرهُ فوق قُدرتِه، فجاءَ بالعاطِلِ الحالي، وتقدَّمَ على أهل العصر الخالي، وكان حُلو الجَنَى، عَذْب المشارِع لا يرنق مورده، ولا يطفأ موقدهُ، وهو في الكِتابِ بمنزلة امرئ القيس في الشُّعراء، إمامُ القومِ وحامل لوائهم، وكان يحفظُ القرآن الكريم ويتنزع  منهُ الآياتِ ويسشتهد بها، وكانت بينه وبين الشَّريف الرَّضي صداقة مؤكَّدَة، ورثاهُ لمَّا ماتَ برثاءٍ أسمع الخافقين، وطلع في المغربين والمشرقيين، وأوله:

أرايت من حملوا على الأعــوادِ ..

أرأيتَ كيف خبا ضيــاءُ النادي

أبو إسحاق الصابي ورسائله ونثره :-

أجاد إبراهيم أبو إسحاق الصابي وأبدع في نثره ونوعية الرسائل التي كان يكتبها حينما شغل موقعه في البلاط البويهي ببغداد، وفيما يلي مختارات من رسائله.

  • لهُ يدٌ بَرَعَتْ في الجود بنانها، ونظم الدُّر بيانها، فحاتمٌ كامنٌ في بطن راحِتها، وسُحبان مستترٌ بنمارق فصاحتها؛ فلها يدٌ في كُلِّ يدٍ، ومنة في كُلِّ عُنُق، وقرطٌ في كُلِّ أُذُن، وسمطٌ في كُلِّ مهرق؛ لها كل يومٍ مزيد، وعبدُ الحميد عبدُ الحميد.
  • وقوله من عهد لقاضٍ:  وأمره إِن ورَدَ عليهِ أمرٌ يعييهِ فصله، ويشتبه عليه وجه الحُكم فيه، أن يردَّهُ إلى كتابِ اللهِ عزَّ وجَل ويطلُب فيه سبيل المُخلص منه؛ فإِن وجَدَهُ وإلَّا في الأثرِ عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلَّم، فإِن أدركهُ وإِلَّا استفتى فيه من يليهِ من ذوي الفقه والفِهْم، وأهلُ الدِّرايةِ والعِلْم، فما زالَ الأئمَّة والحُكَّام والسَّلَف الصَّالِح وطرق السنن الواضح يستفتي واحد منهم واحِداً، ويسترشِد بعضهم بعضاً لُزُوماً للاجتهاد، وطَلَباً للصَّوَاب، وتَحَرُّزاً من الغَلَط، وتوقِّياً منَ الشَّطَط؛ قال الله تعالى : ” فإِن تنازعتُم في شيءٍ فَرُدُّوْهُ إلى اللَّهِ والرَّسُول”.
  • وقول إبراهيم الصابي في رحلة صيد: واعتمدتُ في الصَّيدِ على من يحضُرني من أوليائه، على قوَّة أبدانِهِم ونشاطاتها، ورياضة خيلهم وانبساطها، والزَّمَان ساقطةٌ جماره ( سقوط الجمار يكون في الشهر الثاني من العام الميلادي)، مُفعَمَة أنهاره، ونحنُ غبّ سحابٍ أقلعَ بعدَ الارتواء، وأقشع بعد الاستغناء، والرِّياض زاهية بحمرائها وصفرائها، تائهةٌ بعوانها وعذرائها، وما نرد منها حديقةً إِلَّا استوقفتنا نضارتها واستنزلتنا غضارتها، وخيلنا تشتاقُ الصيدُ وهيَ لا تُطمعهُ، وتحِنُّ إليهِ كأنَّها تقضمه، وعلى أيدينا جوارِح  مُؤلَّلة المخالب والمناسِر، مُدرَّبة النِّصال والخناجِر، سابغة الأذناب، كريمة الانتساب؛ إذ وَرَدْنَا ماءً زُرْقاً جمامه، طامية أرجاؤه، يبوحُ بأسراره صفاؤه، ويلوحُ في قرارهِ حصباؤه، وأفانين الطير به مُحدِّقة، وغرائبهُ عليه مُحلِّقة، مُتغايرة الألوان والصِّفات، مُختلفة اللُّغات والأصوات؛ فلمَّا أقبلنا عليها، أرسلنا الجَوارِح كأنَّها رُسُل المنايا أو سِهَام القضايا، فلم نسمع إلَّا مُسمّياً، ولم نرَ إِلَّا مذكّياً؛ وانطلقنا بعد ذلك نعتام في الطَّير ونتخيَّر ونقترح ونتحكم؛ فاختَطَفْنا ببراثننا ما طار منهُ وانتشر، وأخذنا بجوارِحنا ما لاحَ منهُ واستَتَر؛ فاهتَدَت إليها تستدل عليها بالشَّميم، وتهتدي إليها بالنَّسيم؛ فلم يفُتنا ما بَرَز، ولا سلِم منا ما احتَرَز، ثُمَّ عدَلنا من مطائر الحمام إلى مسارِح الآرام، وأمامنا أدِلَّة فرِهة يهتدون، ورُوَّاد مَهَرَة يرشِدُون، حتى أفضينا إلى أسرابٍ كثيرةَ العَدَد، مُتَّصِلَة المَدَد، لاهية بأطلائها، راتعة في أكلائها؛ ومعنا فهُود أخطفُ من البُرُوق، وألقف من الّليوث، وأجدى من الغُيوث، وأمكَن مِنَ الثعالب، وأدبّ من العقارب، وأنزَى من الجنادِب، خمص البُطون، رُقْش المُتون، خزرُ الأحداق، هُرتُ الأشداق، غلب  الرِّقاب، كاشرة عن أنياب كالحِراب، تلحظُ الظِّباء من أبعد غاياتها، وتعرِف حسَّها من أقصى نهاياتها، فأقبلنا من تجاه الرِّيحِ عليها، وأغذذنا المسير نحوَها وإليها، ثُمَّ وثَبْنَا لها الضِّراء، وشننا عليها الغارة الشَّعواء، وأرسلنا فُهُودنا، وجَرَت خيلنا في آثارِها كاسِعة لأذنابِها، فألفينا كلاً على ظبي قد افترشهُ، وصرعهُ فعجعجهُ (رفع صوته)؛ وأوغَلنا من بعد في اللِّحاق، وقصِّ آثار ما ندَّ وبعُد؛ وقد انتهَت النَّوبة إلى الِكِلاب والصُّقور، ومعنا منها كل عريق المناسب، نجيح المَكاسِب، حُلو الشَّمائل، نجيب المخايل، أغضف الأُذنين ( الأغضف من الكِلاب  : المُنكسر أعلى أُذنيه)، أسيل الخدَّين، أبي النفس، ملتهب الشَّد، لا يمسُّ الأرض إِلَّا تحليلاً وإيماءً، ولا يطالها إلَّا إشارةً وإيحاءً؛ وكُل صقرٍ ماضٍ كالحُسام، قاضٍ كالحِمام، مشتطٍّ في مطالبه، خفيفُ النَّهضة في مآربهِ، سريع الوثبة فيما يُريد، ثقيلُ الوطأة على ما يصيد؛ فما لبِثْنَا أن أشرفنا على يعافير (اليعفور: ولد البقرة الوحشية) مُتَطرَّفة، ويحامير (اليحمور: دابَّة وحشية لها قرنان طويلان) متعرفة، فخرطنا القلائد والشناقات، فمرَّت متوافقات مترافقات، قد تباينت في الصُّور والأجناس، وتآلفت في  الإرشاد والالتماس؛ فسبقت الصُّقور إليها ضاربةً وجوهها، عاكسةً رؤوسَها، ولحِقت الكِلاب بها مُنشبة فيها، مُدمية لها؛ فبادرناها مجهزين، وغنمناها ما يزين، ثُمَّ أخذنا في صيد ما يقرب ويخفُّ، وتحصيل ما يلوحُ ويستدفُّ، فلاحَ لنا قنبراً، فأطلقنا عليه يؤيؤاً (من جوارِح الطير، يُشبه الباشق)، فغابَ عن الأبصار، واحتَجَبَ عن الأنصار، وصارَ كالغيبِ المرجم والظَّن المتوهَّم، ثُمَّ خَطَفَهُ ووقعَ به، وهُما كهيئة الطَّائر الواحِد، وعُدنا وفي حبائلنا الصيد والصائد، ورجِعنا والشَّمس مصبوبة للغُروب، مؤذنة بالمغيب، والجَوُّ في أطمارٍ مبهِجَةٍ في أصائلهِ، وشفوف مورسةٍ من غلائلهِ؛ فالله ينصُرُ مولانا في دقيقِ الأعراضِ وجليلها، ويقضي لهُ بالظَّفر في جسيم المَطالبِ وضئيلها.
أبو إسحاق الصابي قدَّم وصفاً بديعاً لرحلة الصيد.

المصادر:-

  • سير أعلام النبلاء، الذهبي.
  • مسار الأبصار في ممالك الأمصار، العمري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى