أعلام

إبراهيم الخياري المدني .. الفقيه والرحَّالة والجغرافي

اكتسبت رحلته أهمية بالغة، نظراً لدقته في كتابة المعلومات الجغرافية والمواضع التي زارها، نائياً بنفسه عن المبالغة

يعتبر الشيخ إبراهيم عبد الرحمن بن علي بن موسى بن خضر الخياري المدني، أحد أهم الرحَّالة والجغرافيين الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية، هذا فضلاً عن مكانته كفقيه ومحدِّث ومفسِّر.

ولد الخياري المدني في المدينة المنوَّرة صيف عام 1628 م (شوال من سنة 1037 هجرية).

تعود أصوله إلى بلدة الخيارية المصرية وهي من نواحي مركز المنصورة بالدقهلية، وقد كان وغيره من العلماء ممن ارتحلوا أو رافقوا أسرهم من مسقط رأسهم إلى الحجاز.

سمات إبراهيم الخياري المدني :-

وصف الشيخ إبراهيم الخياري المدني بأنهُ من فضلاء ومشاهير عصره، إذ برز في طائفة من العلوم قبل بلوغه العقد الرابع من عُمرِه، مقتفياً أثر سيرة والده العطرة والتي جعلت منه أحد أبرز علماء القرن الحادي عشر الهجري.

وصف الخياري المدني بكونه كان لطيف الطبع، حسن المعاشرة، رقيق العواطف، واسع المحفوظات، حلو العبارة.

تعليمه:-

تتملذ الشيخ إبراهيم الخياري المدني على يد عددٍ من مشاهير العلم الذين بزغ نجمهم في مدينة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، حيث تشرَّب علوم التفسير والحديث والمفهوم والنحو، ليمسي بعد ذلك مُدرِّساً في المدينة المنورة يُشار إليه بالبنان في مضامير الحديث والمعارف والتاريخ والأدب.

أساتذة الشيخ إبراهيم الخياري المدني :-

نهل الشيخ إبراهيم الخياري المدني من علوم عدد من أعلام العلم في عصره، من بين أبرزهم:

  • والده الشيخ عبد الرحمن الخياري المدني:  خطيبُ ومحدِّث المدينة الذي نزل بها سنة 1029 هـ، والذي سبقَ له أن كان متصدِّراً للإقراء في جامع الأزهر، وعنهُ أخذ أكابر الشيوخ.
  • السيد ميرماه الحسيني البخاري المدني: وهو من بين أصحاب والد الشيخ إبراهيم الذي لازمه عقب فقدانه أبيه للقراءة عليه والاشتغال، حيث قرأ عليه العقائد النسفية، والمطالع ومختصر المعاني والبيان، إلى جانب النحو والصرف، وكثيراً من وصايا ومؤلفات الشيخ الأكبر ابن عربي صاحب “الفتوحات المكية”.
  • محمد بن علاء الدين البابلي: العَلَم الشهير في الحديث والفقه، رافق والده وهو طفلٌ من قرية بابل المصرية إلى المدينة المنورة، وكان يشترط على تلاميذه عدم التأليف إلَّا أن يأتي المؤلِّف بشيء لم يسبقه إليه أحد، أو يجيء بشيءٍ مُتَمِّم.
  • محمد الملغري قاضي الحرمين: المُفَسِّر الكبير، التركي الأصل، وقد دَرَّس عليه تلميذه تفسير القاضي البيضاوي بالرَّوضة الشريفة مع مطالعة الحواشي والمواد.
  • عيسى الهاشمي الثعالبي المغربي: أحد أبرز فقهاء المالكية وأصله من الجزائر، وقد تتلمذ علي يديه إبراهيم الخياري “صحيح البخاري” وفي أصول الفقه جميع جمه الجوامع للسبكي، وفي النحو لألفية ابن مالك ، فضلاً عن فنون البلاغة والبديع والعروض والقوافي.
الشيخ إبراهيم الخياري المدني خاض رحلة طويلة انطلاقاً من المدينة المنورة.

رحلة الخياري :-

شَرَعَ الشيخ إبراهيم الخياري المدني في رحلاته قاصداً دمشق وذلك بصحبة قافلة الحَج العائدة إلى مدينة الياسمين، وكان ذلك مطلع عام 1080 هجري (1669 م)، فاستقبلهُ أهل المدينة أحسن استقبال وبالغوا في إكرامه، ثم قصد القسطنطينية في العام ذاته فوصلها في خريف عام 1669 م، ومكث فيها 10 أيام فقط، بعدما بلغ إلى مسامعه بأنَّ الخليفة محمد الرابع في مدينة يني شهر ليقصدها، ثم عاد للقسطنطينية، منهياً فصول الجزء الأول من رحلته.

تدوين الرحلة:-

اعتمد الشيخ إبراهيم الخياري على الملاحظات التي كان يدونها خلال أسفاره، ويقول في هذا الصَّدَد: ” وقد كنتُ أرقُمُ في مُدَّة سيري هذا ما لاحَ في الخاطر أو لحظة النَّاظر من الرياض النواضر، والغصون الخواطر في البوادي والحواضر، فكُنتُ أسوُّده مع زعاج السير حسبنا اتفق، وجادت به القريحة، لا كيف ما استوجَب واستحق في البليغة للبليغة والفصيحة للفصيحة..”.

تميَّزَ أسلوب كتابته بكونه حيَّاً وسجعه يخلو من التكلُّف، كما كان يستعمل في كتابته الياء عوضاً عن الهمزة، مثل فضايل ومناير بدلاً من فضائل ومنائر على التوالي.

كما استعار كلمات عامية في كتابته وأخرى تركية مثل كوبري أي الجسر.

أهمية الرحلة:-

اكتسبت رحلة الشيخ إبراهيم الخياري المدني أهمية بالغة، نظراً لدقته في كتابة  المعلومات الجغرافية والمواضع التي زارها، نائياً بنفسه عن المبالغة من جهة، وقيامه بوصفها بلغة أدبية رفيعة بفضل اجتهاده المبكر في تحصيل العلوم والآداب وتوسعه فيها من جهة ثانية.

وتناول في وصوفاته أيضاً أحوال أهل دمشق والقسطنطينية ومصر وبقية المدن والأمصار التي تنقل إليها، كما جاء على ذكر أزياء السلطان والوزراء وكبار المسؤولين، ووثَّق أيضاً انتصارات السلطان محمد الرابع في المعارك والحروب التي خاضها. كما يأخذ كتابه “تحفة الأدباء وسلوة الغرباء” وجهاً من أوجه مؤلفات التراجم، لما تحدَّث فيه عن الشخصيات التي صادفها من العلماء والشعراء والأدباء وسواهم، كما تناول في كتابه طُرُز العمارة من المدارس والمساجد والخانات والحمامات.. إلخ.

تحفة الأدباء وسلوة الغرباء :-

تحدث الشيخ إبراهيم الخياري عن أسباب تسميته “تحفة الأدباء وسلوة الغرباء” بهذا الاسم. وقال في هذا الصدد: ” وإنمَّا سمَّيتها بسلوة الغرباء لأنَّي تعرَّضتُ فيها لكلِ منزل مررتُ عليه أو نزلتهُ في مسيري الذي سرته، ومسلكي الذي سلكتهُ ذاكراً ما حواهُ من اللَّطائف، وما اشتمل عليه من الظَّرائف بأحسن عبارة وألطف إشارة، ومن أوصافه الحسان ما يشنف ويقَرّط المسامع والآذان، ومن المتاعب والمشاق ما يوقظ الوسنان، فكنتُ بشيراً تارةً ونذيراً أخرى، ومُرغباً وردْا ومحذِّراً صدراً؛ أداءً لواجب النَّصيحة وتعريفاً من صفات ذلك المنهج بالمليحة والقبيحة…، وقد تقرَّر أنَّ السَّفر قطعة من العذاب، لأنَّ فيه فِراق الأحباب والأصحاب، ومخالفة المألوف، ومخالفة الزَّمن العسوف، ..وفيه من المحاسن اكتساب الفضائل والآداب، فإنَّ السَّيف لا يقطع في القِراب، واللَّيثُ لا يجوز الفريسة في الغاب، ولولا مفارقة السَّهم القوس ما أصاب..”.

وصف المواقع التي قصدها:-

أبدع الشيخ إبراهيم الخياري في وصف المدن والمواضع التي زارها ودونها في كتابه تحفة الأدباء في سلوة الغرباء ، ونقتبس مما قاله ما يلي:

  • العُلا : فإذا هو منزل مُذَكِّر بآثار طَيِّبة، مثير ما أسكنهُ الوجْدُ من الغيبة، شاهدنا به النَّخل الباسقات والفواكه الطَّيِّبات من العِنب والبطيخ بنوعيه الأخضر والأصفر والليمون حامضه وحلوه، ووجدنا به عين ماء عذبة حلوة، خلية طيِّبة، أنستنا بما لها من العُذوبة والحلاوة ما قاسيناهُ من المُلوحة في المياه السابقة قبلها..
  • معان:  فإذا قرية مشتملة على بيوتات وبسيتينات وقلعة قائمة البناء يسكنها جماعة من أهل البلاد، لا طائفة من العسكر كغيرها من القلاع لعدم الاعتناء، وإذا بها سوق قائمة وخيرات عامة، أكثر ما فيها يُباع الشعير والمعبوك والتين وما يُناسب الجمال والأتباع، وبها الغَنَم السِّمان من المعز والضأن والبيض الكثير والألبان، وبها بعض الفاكهة كالعنب والكمثرى والتوت وغيرها لم يُدرك زمَن ينوعها ، فجيء لنا بالكمثرى صغاراً لم تنضُج وبالكرم حصرماً لم يعتَنِب، فمن باب أولى يتزبَّب، وهو وادٍ عذب الهواء، حلو الماء، ماؤه يوجد نبعاً..
  • البلقاء:  وأرض هذا المنزل مشهورة بالجودة حتى قيل: إنها تُنبِت الزَّعفران ولكنها إذا إصابها المطر صارت خوارة ولا يستطيع المشي عليها الجمال والرجال، فلربما غاصت بها الأقدام، بل انتهى ذلك حتى عمم الرؤوس، ونزل الجمل بحمله فتركهُ صاحبه كرها ولم يُفِدْهُ أن كان ذا ناموس، وإذا وضع رجليه الجمل عليها تزحلقتا يميناً وشِمالاً فربما انقسَم نصفين والحِملُ عليه..
تحفة الأدباء وسلوة الغرباء تضمن وصفاً بديعاً لمدينة دمشق، وهو الأمر الذي دوَّنه أيضاً جميع الرحَّالة المسلمون.
  • الشَّام: أعدل البلاد، وأنزَه مُراد لبلوغ المُراد، قد جمعت حُسن العرب وظرافة الرُّوم، وكانت برزخاً بين الفريقين يحله من يقصدهما ويروم، بالجملة فأهلها يُنسون الغريبَ أهله، ويخضبون بلطافة أخلاقهم محله، فلقد قابلنا أجلَّاؤها وأعيانها بالتكريم والتعظيم، وعاملونا لما طُبِعوا عليه من شريف الخيم، معاملة الصَّديق الحميم..
  • ومن متنزهات دمشق التي سارت بها الرُّكبان، وحدَا بها الحادي ما بين قاصٍّ ودانٍ، وأولع بها الشُّعراء مدحاً ووصْفاً، وأُشغلوا بها سمعاً وقلباً وطرقاً؛ ربوتها ذات القرار والمعين، المُشار إليها في الكتاب المبين، فلقيد وافيتها متنزَّها في رياضها، وارِداً سلسبيل أنهارها السَّبعة ولا أقولُ حياضها فوجدتُها نزْهة للنَّاظِر، وسلوة لمحزون الخاطر، وتحفة للقاطن والمسافر،.. فمررنا قبلها في طريقها بالمرجة المشهورة بالصِّفات الحسنة السمات، فوجدناها بُقعَة جلَّلَها الله بسُندُس الجنة الأخضر، وحلَّاها باللون الأبهج الأنضر، قد أشرفت قصورها وربوعها، وانظم إلى ذلك ربيعها..
  • النبك (جبل القلمون): فإذا هو منزلٌ عامر به ما يُباعُ من اللحم والبيض والدِّبس والشعير وغير ذلك، وبه نهرٌ عذبُ الماء حلو بارد، وهو مع عذوبة الماء عذب الهواء.
  • حمص: وقد كان منا لرؤيا أهلها وسماع أخبارهم شديد الحرص، فأول ما ظهر لنا قلعتها، فإذا هي قلعة متسعة الجوانب، كثيرة المذاهب..ورأيناها بلدةً كبيرةً عظيمة، إلَّا أن غالبها خراب ومعمورها قليل، وبها سوق يباعُ فيه ما يُحتاجُ إليه، ويُباع كثير من الأقمشة المضلَّعة بالجرير والبشاكير التي تُوضَع على الركب المزخرفة بالألوان العجيبة والحرير..
  • أنطاكية: من أعجب البلاد اتساعاً، قد جمعت من اللَّطائف أقساماً وأنواعاً، وسورها من داخلها وجدنا بع عين ماء عذبة.. والبساتين المخضَّرة منَّا يميناً ويساراً، وتغريد القماري يُحرِّك من ساكن الوجد آثاراً، والوقت كوقت الحنان، لا حرّ ولا قرّ ولا شمس تؤلم الأبدان، بل نسيمٌ عليلٌ يطفي من غريب الدَّار حرّ الغليل..

وفاة إبراهيم الخياري المدني :-

توفي الشيخ إبراهيم الخياري المدني بشكل مفاجئ وذلك في سنة 1083 هجرية (1672 م) ودُفِنَ بالبقيع، وقيل: إنهُ مات مسموماً ذلك لأنَّ شيخ الحرم المدني ألزم الشافعية وخطباءهم أن يسرُّوا في الصلوات بالبسملة كالحنفية، فلم يستجب الخياري لذلك، وقال إن هذا الأمر ليس لك ( لشيخ الحرم المدني)، فأوعز لشخص دسَّ إليه السُّم الذي تسبب بموته، والله أعلم.

اقرأ ايضاً محمد الإدريسي.. أعظم راسم للخرائط في العصور الوسطى

المصدر:-

رحلة الخياري، تحفة الأدباء وسلوة الغرباء، تحقيق رجاء السامرائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى