معلومات تاريخية

ما أبرز مواضع الخلاف النحوي بين الكوفيين والبصريين؟

البصريون مالوا للمنطق والفلسفة، فيما اعتمد الكوفيون على السماع

توطئة:-

مدرستا الكوفة والبصرة تعتبران أبرز المدارس التي وضعت قواعد النحو، والتي دارت حولها العديد من الدراسات، للترجيح بينهما في المسائل الخلافية، وكان لعلماء المدرستين العديد من المؤلفات القيمة والنفسية.

المسألة الزنبورية وبداية الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة:1

الزنبور هو حشرة صغيرة تشبه النحل ولكن لا عسل لها، وإنما هي تؤذي فقط، وهي مرتبطة عند النحويين بمناظرة شهيرة وقعت بين سيبويه والكسائي عندما وفد سيبويه على البرامكة، فأراد يحيى البرمكي أن يجمع بينه وبين الكوفيين، فجعل لذلك يومًا.

فقال له الكسائي :”أتحب أن تُسأل أو تسأل؟”، فقال :”سلني”

سيبويه
السيرة الذاتية المختصرة لسيبويه

فقال له :”ماذا تقول العرب كنت أظن أن العقرب أشد لسعًا من الزنبور، فإذا هو هي أو فإذا هو إياها؟”، فقال سيبويه :”بالرفع ولا يجوز النصب” فغلطه الكسائي وسأله مسائل كثيرة من الباب نفسه، وسيبويه لا يرى سوى وجهًا واحدًا وهو الرفع، فقال الوزير: “أنتما رئيسيا بلديكما قد اختلفتما فمن يحكم بينكما؟، فقال الكسائي :”إن العرب ببابك فسلهم ماذا يقولون؟ ” فعندما سألهم وافقوا الكسائي، فاستكان سيبويه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج لفارس ولم يعد للبصرة ومات هناك، ويقال إنه مات بمرارة خسارته تلك المناظرة.

علامة فارقة حددت مصير سيبويه

علامَ بنى علماء مدرستي الكوفة والبصرة مذهبهم:

أولًا: البصريون واعتمادهم على القياس.

كان البصريون يميلون للمنطق والفلسفة؛ لذلك فإنهم يستنبطون القواعد من الشواهد الصحيحة ويضعون قواعد مطردة، وما خالفها فهو شاذ أو للضرورة أو نادر أو ضعيف أو مؤول.

ثانيًا: الكوفيون وتوسعهم في السماع.

اعتمد الكوفيون في مذهبهم على السماع وتوسعوا فيه توسعًا شديدًا، فكانوا يجعلون أي مسموع قياسي، ويضعون قاعدة عليه، حتى قيل أنهم إذا سمعوا شاهدًا وحيدًا قد يضعون قاعدة عليه.

كما أنهم يستشهدون بكل المسموع حتى إن كان شعرًا قائله مجهول، وبالقراءات القرآنية سواء كانت شاذة أم آحاد أم صحيحة، وبالأحاديث النبوية، وبالأمثال، وبأقوال الأعراب…. ويقيسون على ذلك كله.

الكوفيون يستشهدون بكل المسموع حتى إن كان شعرًا قائله مجهول

وإذا تأملنا المناظرة السابقة سنجد أن سيبويه اعتمد على القياس، لأن إذا الفجائية يأتي بعدها المبتدأ والخبر مثل قوله تعالى – :” فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ”

سيبويه.. علامة فارقة في تاريخ اللغة العربية

 وقوله :”فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ”

أما الكسائي فاعتمد على السماع عن الأعراب ولذلك أجاز الوجهين.

أهم علماء مدرستي الكوفة والبصرة:

أولًا: علماء البصرة.

  1. سيبويه صاحب الكتاب، المتوفى سنة 180 ه‍‍.
  2. الأخفش الأوسط، صاحب كتاب المسائل الكبير، المتوفى سنة 215ه‍‍
  3. قطرب صاحب كتاب الاشتقاق والعلل، المتوفى سنة 206ه‍‍.
  4. أبو عمر الجرمي صاحب كتابي المختصر والأبنية، المتوفى سنة 225ه‍‍.
  5. المازني مؤلف الديباج في جوامع كتابي سيبويه، والألف واللام، المتوفى سنة 247 ه‍‍.
  6. المبرد صاحب المقتضب، المتوفى سنة 286ه‍‍.
  7. الزجاج صاحب كتابي ما ينصرف وما لا ينصرف، شرح أبيات سيبويه، المتوفى سنة 311ه‍‍.
  8. ابن سراج صاحب كتاب الأصول الكبير، المتوفى سنة 316ه‍‍
  9. السيرافي صاحب المدخل إلى الكتاب، المتوفى سنة 368ه‍‍.
الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة
الأخفش الأوسط أحد أبرز أعلام المدرسة البصرية

ثانيًا: علماء الكوفة.

  1. الكسائي تلميذ أبي عمرو بن العلاء، صاحب كتب مختصر النحو، الحدود في النحو، ما تلحن فيه العوام، المتوفى سنة
  2. هشام بن معاوية الضرير صاحب كتب الحدود، المختصر، القياس، المتوفى سنة 189ه‍‍.
  3. الفراء صاحب الكتاب الكبير، لغات القرآن، المتوفى سنة 207ه‍‍
  4. ثعلب صاحب المجالس، المتوفى سنة 291ه‍‍.
  5. الأنباري صاحب الموضح في النحو، المتوفى سنة 328ه‍‍. 
لازم أبو عمر الزاهد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)
ثعلب .. أحد أبرز أعلام النحو الكوفيين

أسباب الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة:2

أولًا: تسابق العلماء على أبواب الخلفاء والأمراء، ورغبتهم في إظهار علمهم ومعرفتهم.

ثانيًا: التعصب المذهبي.

ثالثًا: الاختلاف الطبيعي بين الناس، فكما اختلفت أشكالهم وألوانهم اختلفت عقولهم وأفهامهم.

رابعًا: اختلاف المنهج المتبع بين مدرستي الكوفة والبصرة، فالبصريون اعتمدوا على القياس، والكوفيون اعتمدوا على المسموع.

الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة
خور العشار في مدينة البصرة بنهاية القرن التاسع عشر

ثمرة الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة:

أولًا: ثراء وغنى في النحو والصرف.

لاشك أن وجود مدرستين يتنافسان معًا، كان دافعًا قويًّا لجعل علمائها يمحصمون المسائل، ويفندون الآراء، ويضعون العلل، ويبحثون في الشواهد، كله هذا أدى إلى ثراء النحو والصرف العربي.

كما كانت هناك المناظرات، وألفت مجموعة من الكتب في الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة، مثل الإنصاف في مسائل الخلاف، وحتى الآن لا تزال هناك كتب ودراسات في الخلاف بينهما.

ثانيًا: الدراسة.

هذا الخلاف جعل الدارسين ينهلون من العلم، ويفكرون في مسائل الخلاف، كما أن سهولة مدرسة الكوفة في بعض القواعد كانت سببًا في تيسير النحو للطلبة الصغار، فبدل إعراب الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر أو متعلقان بالفعل – وفقًا لمذهب البصريين- ، تعرب خبرًا أو مفعولًا مباشرة.

إن الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة خلاف تنوع أدى إلى ثراء دراسة النحو والصرف؛ وبالرغم من أن مدرسة البصرة دومًا أصح قياسًا وأكثر ضبطًا للقواعد، فهناك حالات يكون مذهب الكوفيين فيها أصح، قد رجحها العلماء دون التحيز لمذهب.

وصف الإصطخري لمدينة البصرة
وصف الإصطخري لمدينة البصرة

المصادر:

1- ص 20 المجلد الثالث كتاب إعراب القرآن الكريم وبيانه لمحي الدين درويش، ط السابعة، دار ابن كثير.

2- ص 17 من رسالة جامعية بعنوان :”الخلافات العلمية في باب المرفوعات التي سكت عنها الأنباري في الإنصاف من ارتشاف الضرب” جامعة أم القرى، إعداد مثيبة راقي.

موارد مكتبة قطر الرقمية.

https://www.freepik.com/free-photo/heart-book_3738021.htm

https://www.qdl.qa/العربية/نبذة-عن-العراق

https://www.freepik.com/free-vector/books-seamless-pattern_1539033.htm#page=11&query=books&position=47

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى