أخبار العرب

أعشى باهلة .. صاحب المرثية الشهيرة

أسهب في مرثيَّته في سرد خصال أخيه من جُود ومن كرم، والشجاعة عند الخطر والإقدام

من هو أعشى باهلة ؟

أعشى باهلة هو عامر بن الحرث بن رياح بن أبي خالد بن ربيعة بن معن الباهلي، ويُكنَّى بأبي قحفان الباهليّ، هو شاعر مجيد من شعراء الجاهلية، قلّ ذِكره في كتب الأعلام والشعراء العرب الجاهليين، كما أن ما ذُكر عن حياته ومماته ليس بالكثير، أو ليس ما يروي ظمأ المعرفة بحياة شاعر أثري الشعر العربي. 

وقبيلة باهلة هي قبيلة نُسبت إلى باهلة بنت صعب بن سعد بن العشيرة بن مذحج، وهم بنو معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن عيلان وينتهي نسبهم إلى سيدنا إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام.

والأعشى في اللغة هو من لا يستطيع أن يرى ليلًا إلّا أنه يرى نهارًا، ولَقبُ الأعشى لم يقتصر عليه فقط، وإنما كان ضمن كثير من شعراء الجاهلية الذين لُقِّبوا بهذا اللقب، ويُمَيز كل منهم بقبيلته، ولعلّ أشهرهم هو ميمون بن قيس المُلقب بأعشى قيس، وأعشى بني ثعلبة ربيعة بن يحيى، وأعشى بني ربيعة عبد الله بن خارجة، وأعشى همدان، وأعشى بني سليم وهو من فحول الشعراء في الجاهلية.

مَرثيّة أعشى باهلة لأخيه المنتشر:-

وكان أشهر ما قِيل من شعر أعشى باهلة هو رثاءه أخيه لأمه وهو المنتشر بن وهب بن سلمة، وكان المنتشر مِقدامًا شجاعًا، ويُعرف بسَبقه في سَعيه، فهو من أفتك العرب في الحرب، وكان يغير كثيرًا على قبائل اليمن فيأسر من يأسر ويغنم ما يغنم، وقد أسر أحد فرسان بني الحارث وهو العنبري بن صلاءة، وقد أَبَى أن يفدي نفسه، فأقسم المنتشر أن يُمثِّل به قائلًا :” لَأُقطعنّك أُنملة أُنملة، وقِطعة قِطعة، إن لم تفتدي نفسك!”، فأصرّ العنبري بن صلاءة على موقفه، فقتله المُنتشر.

وكان بنو نفيل بن عمرو بن كلاب من أخبر عن المنتشر لبني الحارث فكادوا له وقتلوه ثم قطعوه انتقامًا منه، وقِيل أن من قتله هو هند بن أسماء، ولمّا بلغ أعشى باهلة مَقتل أخيه حزن حزنًا شديدًا، ليس فقط لوفاته وإنما لِغدر بني نفيل بحليفهم و إخبارهم لبني الحارث بمكان المنتشر و تمثيلهم بجثته بعد قتله.

فرثى أعشى باهلة أخاه بقصيدة من الرَّواثي المعدودات التي خلدها التاريخ، وكان العرب يولون شعر الرثاء مكانة فريدة ضمن ألوان الشعر في العصر الجاهلي، ويُخلدون بها الحوادث التي تلم بهم.

وقد أَسْهب أعشى باهلة في مرثيَّته في سرد خصال أخيه من جُود ومن كرم، والشجاعة عند الخطر والإقدام عند الحروب، والوفاء لأهله وأصحابه، وكيف كان يغزو الأعداء من غير تَوجُّس ولا رهبة،  ثم دعا على قاتل أخيه – وهو هند بن أسماء – ألّا يهنأ بظفره، ولا تقرّ عينه، وذكر خيانة بني نفيل، وغدرهم بالمنتشر.

ومما قاله في رثاء المنتشر :

إنّي أَتَتني لِســـانٌ مَــــا أُسَــــرُّ بهـــا .. مــن عُلوَ لا عَجَبق فيها ولا سَخَرُ

جــاءتْ مُرَجِّمَــةً قَد كُنتُ أَحـذَرُهــا .. لــو كان يَنفعُني الإِشفاقُ والحَذَرُ

تأتي على النّاسِ لا تُلوي على أحدٍ .. حتى أَتتنا وكانَت دُوننَا مُضَرُ

إذا يُعــــــادُ لهـــــا ذِكـــــرٌ أُكَذِّبُــهُ .. حتـى أتَتْني بها الأنباءُ والخَبَرُ

فَبِـتُّ مُــكْتَئِبــــــاً حَــيْــــــرَانَ أَنْدُبُــهُ .. ولَسـتُ أَدفَعُ ما يأتي به القدَرُ

فَجَاشَتِ النّفسُ لما جَاءَ جَمْعُهُمُ .. وراكبٌ جَاءَ مِنْ تَثْلِيثَ مُعْتَمِرُ

إنَّ الذي جِئْتَ مِـــن تَثْلِيــثَ تَنْدُبُـــهُ .. منــه السّمَاحُ ومنه الجودُ والغِيَرُ

تَنعى امــــرأً لا تَغُبَّ الحـــيَّ جَفنَتُــهُ .. إذا الكواكبُ خَوّى نَوْأها المَطَرُ

وراحَـتِ الشَّـــولُ مُغبَرًّا مَنَاكِبُهــــا .. شُـعْثًا تَغَيّرَ مِنْهَا النَّيُّ والوَبرُ

فنون أعشى باهلة الشعرية :-

كما ذُكر لأعشى باهلة ( أبو قحفان الباهلي ) أغراض أخرى من الشعر في مدح قومه، وفخره وزهوه بهم بين العرب، وسبقهم في مهاجمة أعدائهم وشجاعتهم في خوض الحروب، فكانوا يباغتون أعداءهم بجيشهم الجرّار عظيم المناكب، ويفخر برماحهم التي تُقطع جلود أعدائهم، فمنهم من يُقتل ومنهم من يَلوذ بالفرار.

أعشى باهلة وكثير من أبناء عصره في الجزيرة العربية؛ تركوا إرثاً شعرياً وأدبياً مميزاً.

قصيدة “لَعَمري لقد حفَّت معاذة ضَيْفها” :

حلّ رجل من العرب ضيفًا على امرأة من باهلة، وكانت بمفردها في بيتها، فأكرمته وضيّفته على عادة العرب، فلما تثبَّتَ الرجل ألا أحد عندها، رَاودها عن نفسها، فخشيته وأدركت أنها لن تفلت منه إلا أن تحتال عليه، فقالت له : أَنْظِرني أتهيَّأ لك، فأحضرت مُدْيَة (سكين) وأخفتها في ملابسها، فلما أقبلت عليه، وهمّ بها، ضربته بها في نَحره، فسقط ميتًا من فوره، ثم سقَطَتْ مغشيَّا عليها من هَول الموقف، حتى جاءها رجل من أهلها فوجدها على حالها تلك، فأفاقها، فقصّت عليه ما حدث، وعن عن هذه الحادثة؛ نظم أعشى باهلة بعضًا من أشعاره فقال:

لَعَمرِي لَقد حَفّتْ معَاذَةُ ضَيفَها .. وسَوّتْ عَلَيهِ مَهْدَهُ ثمّ بَرّتِ

فَلَمَّـــا بَغَاهَا نَفسَهَـــا غَضِبَتْ لهَــا .. عــرُوقٌ نمَتْ وَسطَ الثرَى فاستَقرّتِ

وَشدّتْ على ذي مديَةِ الكَفّ مِعصَمًا .. وضِيئًا وَعَرّت نَفسَها فاستَمَرّتِ

فأمّتْ بها في نحرِه وهو يَبتَغي الـ..ـنّكَاحَ فَمَرّتْ في حَشَاهُ وجَرّتِ

فَثجّ كأنّ النيلَ في جَوْفِ صَدرِهِ .. وأدْرَكَهَا ضُعْفُ النّسَاءِ فخَرّتِ

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى