أعلامانفوجرافيكس

أسر أبي فراس الحمداني .. وولادة قصيدته الملحمية

سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم *** وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ

لقد حجب أبو الطيب المتنبي العديد من شعراء عصره إلا أبا فراس الحمداني «فارس السيف والقلم»، الذي شهد له الجميع بالشعرية حتى المتنبي نفسه، وكان الصاحب بن عباد يقول :”بدئ الشعر بملك وختم بملك”، يقصد امرأ القيس وأبا فراس الحمداني، ومن أهم الحوادث التي أثرت عليه هي أسره وموقف سيف الدولة الحمداني من أسره، فما السبب وراء أسر أبي فراس الحمداني ؟

فارس السيف والقلم:-

أبو فراس الحمداني هو الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي (932 – 968 م)، كان أبوه واليًا على الموصل (العراق)، وقد قُتل أبوه وهو في سن الثالثة، أما أمه؛ فقد كانت رومية، وقد تولت رعايته بعد مقتل والده، وساعدها ابن عمه سيف الدولة الحمداني في رعايته.
يكنى الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي بأبي فراس، وقد اشتهر بكنيته لا باسمه، وهو ليس الشاعر الوحيد المكنى بأبي فراس، فالفرزدق أيضًا كنيته أبو فراس.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب

وقد تعلم الفروسية والعلوم على يد أفضل المؤدبين وكبار العلماء، ولما كَبُر استعان به ابن عمه سيف الدولة الحمداني في غزواته مع الروم، وكان أبو فراس الحمداني فارسًا مغوارًا، ومقاتلًا شجاعًا، وكان يحب القتال لدرجة أنه إذا تركه سيف الدولة ولم يأخذه في غزواته عاتبه على ذلك، وقد ولاه سيف الدولة منبج (شمال سوريا حالياً)، وأخذ يدافع عنها ويحارب الروم.

أسر أبي فراس الحمداني:-

بالرغم من براعة أبي فراس الحمداني (320-357 ه) في الفروسية والقتال؛ إلا أن الروم قد أسرته، وهنا تتضارب أقوال الرواة، فمنهم من يرى أنه أُسر مرة ومنهم من يقول بل مرتين الأولى في عام 348ه‍‍، وزعموا أنه فر هاربًا بفرسه، والثانية عام 351ه‍‍.

والراجح أنه أُسر مرة واحدة وأن سيف الدولة الحمداني فداه سنة 355ه‍‍، وذلك لأن الثعالبي لم يذكر إلا أنه أسر مرة واحدة وكان معاصرًا له، كما أن الرواة متفقون على أن سيف الدولة فداه مرة وحيدة فقط، كما أنه لم يقل الروميات إلا بسبب إبطاء سيف الدولة الحمداني في فدائه.

موقف سيف الدولة الحمداني من أسر أبي فراس:-

قد يبدو موقف سيف الدولة الحمداني من أسر أبي فراس الحمداني غريبًا، فهو لم يسارع في فدائه بل تركه أسيرًا أربع سنوات، وعندما كان ابن أخت الملك أسيرًا عند سيف الدولة وطلب أبي فراس منه أن يجعل الفداء خاصًا، بأن يفديه بابن أخت الملك رفض سيف الدولة إلا أن يكون الفداء عامًا.

ومن الممكن أن يكون السبب الذي دفع سيف الدولة لذلك هو شعوره أن أبا فراس يطمع في الملك، فرأى أن يُبقيه في الأسر ليكسر شوكته، ويضعف قوته، ويريه أن الدولة غنية عنه.

فك أسره:-

اتفق العرب والروم على اللقاء بخَرْشَنَة سنة 355ه‍‍ لفداء الأسرى، وفي شهر رجب جاء أبو فراس الحمداني ومعه 3000 أسير عربي، فتم الفداء.

وقد مات سيف الدولة الحمداني بعد الفداء بعام متأثرًا بمرضه والهزائم والانكسارات التي حلت على الدولة، وبعد موته؛ حاول أبو فراس الاستيلاء على حمص من ابن سيف الدولة أبي المعالي، فعندها يلقاه مولاه قُرغُوَيْه، ويقتل أبو فراس.

الشاعر أبو فراس الحمداني

شعر أبي فراس الحمداني في أسره:-

لا شك أن أسر أبو فراس الحمداني أثر على مشاعره، فجعل الشعر يتدفق في كل حادثة وكل موقف يحدث له، وبخاصة وقد شعر أبو فراس بالخذلان وتخلي سيف الدولة عنه، وقد كتب عدة أشعار في أسره عبرت عن جميع المواقف التي مر بها، وكأنها دفتر مذكراته في الأسر، وهي من عيون الشعر العربي، فقد كتب لسيف الدولة ليفديه وكتب لأبناء سيف الدولة، ولأمه.

وقد صور لنا شعره كل ما أحس به، ومن ذلك إحساسه بالعيد في الأسر، حيث يقول:

يا عيـدُ مـا عُـــدتَ بِمَــحبــــوبٍ … عَـلــى مُعَنّى القَلبِ مَكــــروبِ

ياعيــدُ قَــد عُــدتَ عَـلـى ناظِـــرٍ … عَـــن كُلِّ حُسنٍ فيكَ مَحجوبِ

يـاوَحشَــةَ الــدارِ الَّتــي رَبُّــها … أَصبَـــحَ في أَثـــــوابِ مَربـــوبِ

قَد طَلَــعَ العيــدُ عَلــى أَهـلِـــهِ … بِـوَجــهِ لاحُــسنٍ وَلا طـــــــيبِ

مــالي وَلِلـدَهــــرِ وَأَحـــــــداثِــهِ … لَـقَـــد رَمــــاني بِالأَعاجـــــــيبِ

أمضى سنوات عصيبة في السجن، لكنها كانت كفيلة بإطلاق العنان لطاقاته الشعرية الاستثنائية.

وسبحان الله على التوافق الفكري الذي كان بين أبي فراس والمتنبي ! فقد كتب الثاني أبياتًا في عيد الأضحى، وكان لديه نفس مشاعر الأول، ومنها:

عيــدٌ بأيّـــةِ حــالٍ عُــدتَ يـا عيــدُ .. بمَــا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

أمّـا الأحِبّــةُ فـالبَيْــداءُ دونَهُــمُ .. فَلَيــتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيـــــدُ

ومن أروع أشعاره ما كتب عندما رأى حمامة جعلته يشعر بالحنين لوطنه، فقال:

أقُولُ وَقَدْ نَاحَــتْ بِقُرْبي حمامَـــــة .. أيــا جارتا هل تشعرين بحــــالي؟

معاذَ الهوى ماذقتِ طـارقة َ النَــوى .. وَلا خَطَرَتْ مِنكِ الهُمُـــومُ ببـــالِ

تَعَالَيْ تَرَيْ رُوحًا لَدَيّ ضَعِــــــيفَة ً .. تَرَدّدُ في جِسْمٍ يُعَذّبُ بَــــــــــالِ

أيَضْحَكُ مأسُورٌ، وَتَبكي طَلِيــــقَة ٌ .. ويسكتُ محزونٌ، ويندبُ ســالِ؟

لقد كنتُ أولى منكِ بالدمعِ مقلة ً .. وَلَكِنّ دَمْعي في الحَوَادِثِ غَـالِ!

مناجاة أبو فراس الحمداني للحمامة في سجنه أنتجت قصيدة ملحمية تاريخية
مناجاة أبو فراس الحمداني للحمامة في سجنه أنتجت قصيدة ملحمية تاريخية

ولا ندري هل استلهم أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة يا نائح الطلح من أبي فراس، أم أن رؤية الحمام قد فجّرت الطاقات الشعرية لدى الشاعرين؟ فقد قال شوقي وهو في منفاه في إسبانيا (الأندلس):

يا نائـح الطلح أشباه عوادينــا .. نشـجـى لواديك أم نأسى لوادينا ؟

مـاذا تقص علينــا غير أن يـــدا .. قصــت جناحك جالت في حواشينا

وقد كتب أبو فراس لسيف الدولة إن كانت مفاداته تتعذر عليه؛ فليأذن له بمكاتبة أهل خراسان، فرد عليه ومن يعرفك في خراسان، فكتب أبياتًا شعرية، تُنطق الجماد، يقول فيها:

أَسَيْفُ الهُـدَى، وَقَرِيــعَ العَـــرَبْ .. عَــلامَ الجفاءُ ‍ وفيمَ الغضب ؟

وَمَــــــا بَالُ كُتْبِكَ قد أصْبَحَتْ .. تنكبنـــــــي معَ هذي النكــبْ

وَأنْـتَ الكَـرِيـــمُ، وَأنْتَ الحَـلِــيمُ،.. وأنْـتَ العَطُوفُ، وأنْتَ الحَدِبْ

وكتب قصيدة تُبكي الصخر عندما ذهبت أمه إلى سيف الدولة تسأله فداء ابنها فردها سيف الدولة خائبة، وجرحها، وفي مطلعها يقول:

يا حَسـرَةً ما أَكــادُ أَحمِلُها ..

آخِــرُهــا مُزعِـجٌ وَأَوَّلُـــها

وفيها يحدث أمه ويستعطف سيف الدولة، ويخبره أنه باقٍ على المودة، ولم يقطع الرحم، ويسأله أن يسارع في فدائه.

علاقته بأمه تعززت بعد الوفاة المبكرة لوالده .. فنشأ الحمداني يتيم الأب
علاقته بأمه تعززت بعد الوفاة المبكرة لوالده .. فنشأ الحمداني يتيم الأب

وأما قصيدته «أراك عصي الدمع» التي اشتهرت في الآفاق، وتغنى بها الناس، وكانت فيها العديد من الأبيات التي خرجت مضرب الأمثال فهي:

أَراكَ عَصِيَّ الدَمـعِ شيمَتُــكَ الصَبـرُ .. أَمـا لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ

بَلى أَنا مُشــــــــتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَـةٌ.. وَلَكِنَّ مِثلي لايُذاعُ لَهُ سِــــــرُّ

وفيها يتحدث عن أسره، وأنه كان بسبب قضاء الله سبحانه وتعالى ولا رادّ لقضائه، فقد أسر أبو فراس الحمداني بالرغم من أن أصحابه كانوا مسلحين وفرسه متمرسة، وهو فارس مغوار، وفي ذلك يقول:

أَسِرتُ وَما صَحبي بِعُزلٍ لَدى الوَغى .. وَلا فَرَسي مُهرٌ وَلا رَبُّهُ غَمرُ

وَلَكِن إِذا حُمَّ القَـــــضاءُ عَلى اِمــرِئٍ .. فَلَيسَ لَهُ بَرٌّ يَقـــــيهِ وَلا بَحرُ

وفيها يُذكر قومه بمكانته العظيمة، ويواسي نفسه، قائلًا:

سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم ..

وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ

لا شك أن أسر أبي فراس الحمداني كان مؤلمًا، ولكن أبا فراس ظل معتزًا بنفسه مفتخرًا بها، وكان عصي الدمع، ولكنه أمتعنا بتلك الدرر التي زينت الشعر العربي، والتي نظر لها النقاد والشعراء نظرة إعجاب.

أبو فراس مثل عمرو بن كلثوم وعنترة .. فهم فرسان فضلا عن كونهم شعراء كباراً
أبو فراس مثل عمرو بن كلثوم وعنترة .. فهم فرسان فضلا عن كونهم شعراء كباراً

المصادر:

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى