أعلام

أسد الدين شيركوه .. الملك المنصور

كان عابداً قانتاً، حج سنة 555هـ من دمشق على طريق تيماء وخيبر، فتصدَّق وفعل كلَّ خير، وأغنى أهل الحرمين

أسد الدين شيركوه –اسمه ونشأته:

شيركوه بن شاذي بن مروان، أبو الحارث، الملقب الملك المنصور أسد الدين ، عم السلطان صلاح الدين الأيوبي، وأخو نجم الدين أيوب، وأول من ولي مصر من الأكراد الأيوبيين في القرن الهجري السابع.

وشِيرْكُوْه: لفظ عجمي، معناه بالعربي: أسد الجبل، فِشير: أسد، وكُوْه: جبل.

أسد الدين شيركوه – مكانته وسلطته:

كان أسد الدين شيركوه عابداً قانتاً، حج سنة 555هـ من دمشق على طريق تيماء وخيبر، فتصدَّق وفعل كلَّ خير، وأغنى أهل الحرمين، وأمر ببناء رباطه في مدينة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى إذا مات أن يُحمَل ويُدفَن فيه.

الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف مآثر دمشق
الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف مآثر دمشق

كان من كبار القواد في جيش نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وسبب توليه لمصر أن شَاوَر بن مجير توجَّه سنة 558هـ من مصر إلى الشام مستنجداً بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام؛ بسبب خروج ضرغام بن عامر بن سوَّار بجموع كثيرة عليه، حيث وغلبه وأخرجه من القاهرة، وقتل ولده طيّاً، وولي الوزارة مكانه؛ وذلك بسبب تجبُّر شَاوَر وظلمه، فأنجده نور الدين بالأمير أسد الدين شِيرْكُوْه؛ لأنه كان مضرب المثل في الشجاعة، وكان الفِرَنْج يخافه، فثبَّته في منصبه، فغدر شَاوَر بأسد الدين شِيرْكُوْه، ولم يفِ له، ونكث العهد مع نور الدين، وعمل القبائح، واستنجد بِالفِرَنْج، وكادوا أن يملكوا مصر بسببه، فعادوا إلى دمشق وأخبروا نور الدين بذلك.

ثم إن شَاوَر ألجأته الضرورة لطلبهم ثانيةً؛ خوفاً من الفِرَنْج؛ فعاد أسد الدين مرة ثانية إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة 562هـ، وسلك طريق وادي الغزلان وخرج عند وادى إطفيح، فكانت بينه وبينهم وقعة هائلة.

وتوجَّه صلاح الدين الأيوبي إلى الإسكندرية واحتمى بها وحاصره شَاوَر؛ لأنّه كان قد وقّع بينهم وبينه أيضاً، واصطلح عليهم مع الفِرَنْج، ثم رجع أسد الدين من الصعيد نجدةً لابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، وأخذه وسار إلى بِلْبِيس حتى وقع الصلح بينه وبين المصريين، وقويت صلته بالمصريين، وعاد إلى الشام.

هاجم بعد ذلك الفِرَنْج بلدة بِلْبِيس بمصر، وملكوها سنة 564هـ، وقتلوا أهلها، فأرسل العاضد يطلب النجدة من نور الدين، فأرسله له أسد الدين شيركوه ، وهي ثالث مرة، فمضى إليهم أسد الدين وطرد الفِرَنْج عنهم، وعلم بأن شَاوَر بن مجير يأتمر به لقتله هو ومن معه من كبار القواد، فتعاون مع صلاح الدين على قتل شاور، حيث تمارض شِيرْكُوْه، فعاده شَاوَر، فقتله عنده جُرْديك النوري، وأرسل رأسه إلى الخليفة العاضد، فدعاه العاضد، وخلع عليه، ولقَّبه بالملك المنصور، وولاه الوزارة يوم الأربعاء، 17 ربيع الآخر، سنة 564هـ، وأقام بها شهرين وخمسة أيام إلى أن توفي فجأة، وتولى مكانه صلاح الدين الأيوبي.

رسم تقريبي لصلاح الدين الأيوبي يعود للقرن التاسع عشر
رسم تقريبي لصلاح الدين الأيوبي يعود للقرن التاسع عشر

ما قيل فيه:

قال ابن تَغْري بَرْدي: “كان أسد الدين أميراً عاقلاً شجاعاً مدبِّراً عارفاً فطناً وقوراً، كان هو وأخوه أيُّوب من أكابر أمراء نور الدين محمود الشهيد، وهو الذي أنشأهم حتى صار منهم ما صار”.

وقد مدحه العماد الكاتب أسد الدين شيركوه بقصيدة؛ منها هذه الأبيات:

بالجـد أدركـت ما أدرجـت لا اللعـب .. كـم راحة جنيت من دوحة التعب

يا شيركوه بن شاذي الملك دعوة من.. نادى فعرف خير ابن بخير أب

جــرى الملــوك وما حـــازوا بركضهم .. من المدى في العلا ما حزت بالخبب

ملكت مـن ملك مصــر رتبة قصـرت .. عنهــا الملوك فطالت سائر الرتب

قد أمكنت أسد الدين العزيمة من.. فتح البلاد فبادر نحوها وثب

وقال عرقلة الدمشقي فيه عندما قتل شَاوَر المتىمر مع الفِرَنْج:

لقـد فـــاز بالملـك العظيــم خليفــة .. لـه شيركوه العاضدي وزير

هو الأسد الضاري الذي جل خطبه.. وشاور كلب للرجال عقور

بغى وطغــى حتى لقد طـــال صحبه .. علــى مثلها كان اللعين يدور

فـــلا رحـــم الـرحمــن تربــة قبـــره .. ولا زال فيه منكر ونكير

وفاته:

توفي أسد الدين شيركوه بالقاهرة فجأة يوم السبت، 22 جمادى الآخرة، سنة 564هـ، ودُفِنَ بها، ثم نُقِلَ إلى المدينة المنورة بعد مدة بوصية منه، ولم يخلف ولداً سوى ناصر الدين محمد بن شِيرْكُوْه الملقب الملك القاهر.

قال ابن شداد في «سيرة صلاح الدين»: “إن أسد الدين كان كثير الأكل، شديد المواظبة على تناول اللحوم الغليظة، تتواتر عليه التُّخَم والخوانيق، وينجو منها بعد مقاساة شدة عظيمة، فأخذه مرض شديد، واعتراه خانوق عظيم فقتله في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، وفوَّضَ الأمرَ بعده إلى السُّلطان، واستقرت القواعد، واستتبت الأحوال على أحسن نظَام، وبذل المال، وملك الرجال، وهانت عليه الدُّنيا، فملكَها، وشكَرَ نعمة الله عليه، فتابَ من الخمْر، وأعرَضَ عن أسبابِ اللَّهو، وتقمَّصَ بلباس الجد والاجتهاد، وما عادَ عنهُ ولا ازداد إلَّا جِدَّاً إلى أن توفاه الله إلى رحمته”.

المسجد النبوي بالمدينة المنورة 1910 م
المسجد النبوي بالمدينة المنورة 1910 م

تعرف أيضاً على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

المصادر:

  • الأعلام (3/183).
  • مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (21/12).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (5/387).
  • النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي) (1/371).
  • وفيات الأعيان – ابن خلكان (2/479).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى