أعلام

أسامة بن منقذ .. المؤرخ والشاعر والسياسي

تناولت دراسته النحو والخط والشعر والقرآن، فنشأ راوية أديباً كاتباً

أسامة بن منقذ :-

هو مؤيد الدولة أبو ظفر أسامة بن مرشد الكناني الشيزري، المؤرخ والشاعر والأديب والسياسي، ولد ابن منقذ في سنة 488 هجرية، أي 1095 ميلادية.

قال العماد الكاتب: “.. وكنتُ أتمنَّى أبداً لقياه (أسامة) وأشِيمُ على البعد حَيَاه حتى لقيته في صفَر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده، فقال: يوم الأحد السَّابِع والعشرين من جُمادى الآخرة سَنَة ثمان وثمانين وأربعمائة بقلعة شيزر”.

ينتمي ابن منقذ لأسرة عربية أصيلة، من بني منقذ من كنانة، والتي أقامت لنفسها إمارة صغيرة شمالي الشام ومركزها شيزر، كانت تقع على نهر العاصي، غربي مدينة حماة.

الإمارة:-

وكان من حق مرشد وهو والد أسامة ، أن يتولى مقاليد الإمارة في شيزر، غير أن ميوله الأخرى صرفته عن ذلك، فقد كان منكباً على نسخ القرآن الكريم، وهو العمل الذي هيمن على فؤاده، هذا إلى جانب اهتماماته بالصيد التي تطلبت منه القيام برحلات بعيدة عن مركز شيزر.

وهنا قرر مرشد أن يتنازل عن حقه بالإمارة لأخيه سلطان والذي كان يزعم تولية أسامة ابن أخيه كخليفة من بعده، لكن إنجاب سلطان لمولود ذكر، دفعه للعودة عن فكرته ليمنح الأولوية لنجله، وهو الأمر الذي دفع أسامة إلى مغادرة شيزر.

الرحيل والفراق:-

لكن هذا الرحيل لم يفُت في عضد أسامة بن منقذ الذي واصل دراسته للنحو والخط والشعر والقرآن الكريم، فنشأ راوية كاتباً، بحسب ما ورد في معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري.

ومنذ خروجه من شيزر، بعد الاضطرابات التي اندلعت بين أفراد أسرته، أخذ يطوف بأرجاء الشرق العربي، فلم يشهد القتال في شيزر وحماة، بل خاضه في فلسطين ومصر والشام والجزيرة، كما اتصل بأمراء وملوك هذه الجهات، من قبيل عماد الدين ونور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، إضافة إلى الخلفاء الفاطميين.

شيزر:-

وقد ذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي (توفي 332 هـ/934 م) في كتابه صورة الأرض والمدن وما تشتمل عليه، فقال: “فأمَّا شيزر وحماه؛ فإنَّهُما مدينتان صغيرتان نزهتان، كثيرتا المياه والشَّجَر والزَّرع”.

كما تناوَلَ ياقوت الحموي في “معُجم البلدان” وَصف منطقة شيزر التي انتمت إليها أُسرة ابن منقذ.

ياقوت الحموي الجغرافي الرحّالة صاحب البصمة التاريخية
ياقوت الحموي الجغرافي الرحّالة صاحب البصمات الجغرافية والتاريخية والأدبية

وقال الحموي في وصفها: ” قلعةٌ تشتمل على كورة بالشَّام قُرب المعرة، بينها وبين حماة يوم، وفي وسطها نهر الأردن عليه قنطرة في وسط المدينة، أوله من جبل لبنان، تعدُّ في كورة حمص وهي قديمة، ذكرها امرؤ القيس ..”.

والغريب ورود ذكر اسم نهر الأردن في هذا الموضع لدى الحموي ( توفي 622 هـ- 1225م) والذي أضاف في حديثه عن شيزر نقلاً عن البلاذري قوله: “سار أبو عبيدة من حماة بعد أن فتحها صُلحاً على الجزية  إلى شيزر، فتلقَّاه أهلها وسألوه الصُّلح على مثل صلح حماة ففعل، وذلك في سنة 17 هـ، وينسب إلى شيزر جماعة، منهم الأمراء من بني منقذ، وكانوا ملوكها…”.

مشاهدة ابن منقذ لطلائع الجحافل الصليبية:-

وبحكم تنقله في بلاد الشام؛ فقد شاهد ابن منقذ وصول طلائع الحملات الصليبية إلى المنطقة، كما واكب ما وقع من حروب واقتتال بين المسلمين وأدعياء حماية الصليب، كما كان شاهداً على حدثِ مهم للغاية، ويتمثل في استعادة المسلمين لبيت المقدس في العام الميلادي 1187، إذ توفي بعد هذا التاريخ بعام واحد وتحديداً سنة 584 هجرية، أي 1188 ميلادية، وحينها كان قد بلغ من العمر 96 عاماً، مخلفاً مذكراته التي عرفت باسم كتاب “الاعتبار” التي أظهر فيها شخصيته العروبية.

تلاحق الحملات الصليبية على العالم الإسلامي أسامة بن منقذ
تلاحق الحملات الصليبية على العالم الإسلامي

خلاصة تجربة حياة ابن منقذ الطويلة:-

أسامة بن منقذ هو صاحب كتاب “الاعتبار” الذي حققه لأول مرة فيليب حتي في جامعة برينستون الأميركية وخرج من مطبعتها عام 1930 م.

“الاعتبار” يتضمن خلاصة تجربة ابن منقذ ، وما واكبه من أحداث خلال سنوات حياته الطويلة، دونما التزام من قبله بقاعدة محددة في الأسلوب أو الترتيب، وجاء كتابه نابضاً بروح الفتوة والشباب، وذلك على الرغم من تأليفه إياه أثناء فترة شيخوخته.

وبالإضافة إلى الحملة الصليبية؛ فقد كانت بلاد الشام مشحونة بالاجواء المضطربة التي غذَّتها النزاعات السياسية بين الإمارات الصغيرة المتناثرة، ما أدى إلى ولادة مظاهر من الفتن والمؤامرات، وهي أحداث شهدها ابن منقذ ودوَّنها في كتابه.

وإلى جانب ما كان يربط أسامة من علاقات صداقة بالفرنج، فإنه كان شديد التشبث بأخلاقه وسماته المزروعة في شخصيته والمستقاة من بيئته من قبيل الأخذ بمبادئ الفروسية والشهامة والصيد والمغامرة، وهي بالإضافة إلى إتقانه للفن القصصي، أمور ساهمت في جعل كتابه صورة متجددة حية للمجتمع الذي عاش فيه.

رسم لمدينة القدس المحتلة يعود للعام 1880 م

أسامة بن منقذ -شخصيته وأعماله:-

  • تنوُّع مؤلفاته؛ يعكس لنا عِظَم عقلية تلك الشخصية ذات الإنتاج الغزير في سائر المجالات الأدبية والتاريخية.
  • هو فارس مسلم قوي الشكيمة، خبير متمرس في أمور الحرب والقتال، وكذلك فقد كان بارعاً في ميادين الصيد، ليفوق بذلك بقية الرحَّالة الذين لم يتصف أيٌ منهم بصفة الفروسية.
  • قدَّم كتاباً وهو “الاعتبار” والذي مثَّل مذكراته الشخصية، وخلاصة تجربة حياته، وهو المؤلَّفُ الذي تميز فيه ابن منقذ بدقة الملاحظة، والقدرة الوصفية الهائلة، إلى جانب تمكُّنه من اختيار الجوانب الحسَّاسة التي لم يتناولها معاصروه في كتاباتهم.
  • قدَّم رؤية خاصة عن بلاد الشَّام في فترة تعرض الأخيرة للغزو الصليبي، وجاء وصفه للأحداث والمواقع عميقاً، ذلك لأنه أحد أبناء هذه المنطقة، ولم يكُن كبقية الرحَّالة؛ أحد الوافدين عليها.
  • قدَّم رؤية بانورامية شاملة عن بلاد الشام في عصره، حيث حرص على تغطية جميع الجوانب السلوكية والجغرافية، فضلاً عن الأحداث الرئيسة والتي تقل عنها من حيث درجة الأهمية.
  • تناول المرأة المسلمة في تلك الحقبة، ومظاهر بطولة عدد من النساء المسلمات في مواجهة الصليبيين، وكذلك أوضاع الأسرى منهُن.
  • اتسم بنظرة موضوعية في تناول المرأة المسلمة في عهده، فهو لم يكتفِ بطرح صورتها المشرقة
    فحسب، بل إنه استعرض الجانب المظلم منها، مثل قيام بعض النسوة بالعمل كساحرات مثل تلك
    التي تدعى بريكة التي كانت تحترف السِّحر بين المقابر خلال ساعات الليل.
  • تعرَّض للإسماعيلية النزارية التي ترتبط بها فرقة الحشَّاشين، والتي كانت تهاجم القرى والمناطق،
    مشيراً إلى فشل هجوم أصحاب هذه الطائفة على منطقته شيزر وذلك بفضل بسالة أهل هذه الأخيرة.
  • تحدَّث عن انتشار ظاهرة التصوف في بلاد الشام، ومشاركة أقطاب الصوفية في مواجهة الصليبيين المحاصرين لدمشق.
الرحَّالة المسلمون وصفوا أحوال بلادهم في فترة الحملات الصليبية

وصفه للصليبين:-

وطَّد أسامة بن منقذ علاقاته بعدد من قادة الصليبيين، ما مكنه من تصوير ما كان يجري في أروقة
مجتمعاتهم ولسنوات عديدة وتحت ظروف متباينة، وهو ما لم يُتَح لسواه من المؤرخين أو الرحَّالة
المسلمين، وفيما يلي بعضاً من أوصافه لهم ولنمط معيشتهم.

  • كان هناك انحلالاً كبيراً ضمن المجتمع الصليبي، حتى أن المرأة لديهم لا يغار عليها زوجها، ضارباً
    مثلاً برجلٍ يسير مع زوجته في لقاء آخر، يأخذ المرأة فيعتزَّل بها ويدخل معها في حديث طويل بينما
    زوجها يقف منصتاً ينتظر انتهاء حوارهما، فإذا طالت المحادثة؛ تركهما الزوج وانصرف.
  • رجال الصليبيين كانوا يؤجِّرون أماكن العبادة من أجل تسهيل أعمال الدعارة، لمن لهذا النشاط المنحدر من عوائد مالية وفيرة.
  • قال أيضاً: إن سفن الجيوش الصليبية التي جاءت عبر المتوسط لتحارب المسلمين، كانت محمَّلة
    بالبغايا والعاهرات، وذلك من أجل الترفيه عن الفُرسان.
  • من ناحية أخرى، قال: إن الصليبيين قريبي العهد بالبلاد الأوروبية كانوا ذوي طبائع جافَّة، إذا ما جرى مقارنتهم بأولئك الذين عاشروا المسلمين وتأثروا بأطباعهم وأخلاقهم، حتى أن بعضهم كان يأنفُ من
    تناول لحم الخنزير وإدخاله إلى بيته.
  • لفت أيضاً إلى أن طول مكوث الصليبيين في الشَّام؛ أدى إلى تحسن طبائعهم وأخلاقهم، وذلك بفعل احتكاكهم بالمسلمين.
  • وصَفَ الصليبيين بالشَّجاعة العظيمة، والاحتراز في الحرب، ولا يوجد لديهم فضيلة سوى ذلك.
  • تعرَّض للجهود التنصيرية التي بذلها الصليبيون أثناء تواجدهم في المنطقة.
الحملات الصليبية على المنطقة العربية استمرت لقرون عديدة ابن منقذ
الحملات الصليبية على المنطقة العربية استمرت لقرون عديدة

أسامة بن منقذ الشاعر:-

قال في وصفِ الديار:

دارٌ على قُلَلِ الجِبـــــــــال تَفَجَّرَتْ .. فيها بحارُ فَضائِلِ وَمَكارِمِ

فيها النَّدى والجُــــــــودُ حقَّاً لا الذي .. كُنَّا نُحَدَّثُ عن سِمَاحةِ حاتِمِ

وفوارسَ جَمَعوا المكـــــــارِم والعُلى .. لينَ التَّواضُعِ في قلُوبِ ضَراغِمِ

أفنَـــــــاهُمُ رَيْبُ المَنونِ فَلَم يَدَعْ .. مِنهُم سِوى ذِكْــرٍ كَحُلْمِ النَّائمِ

وقال أيضاً:

نَظَرْتُ إلى دارِ الأَحِبَّــــــــــــةِ قَفْـــــرةً .. وقَد كَـانً فيها العِزُّ والكَرَمُ المَحْضُ

فلَمَّـــــــا رأَى صَحْبي عليهــــــا تَلَدُّدي .. وَدَمْعـــي بكى بعضٌ وعَنَّفَني بعــضُ

وقالوا : أَفِقْ للأَرضِ تَبــــكي، فَقُلتُ لا .. ولكِنَّنــي أبكي لمِنْ وَارَتِ الأرَضُ

قال ابن خلكان في “الوفيات” عن ابن منقذ: وله ديوان شعر في قسمين موجود في أيدي الناس ورأيته بخطه، ونقلتُ منه قوله:

لا تَسْتَعِـرْ جَلَـدَاً عـلى هِجْـرَانِـهِم.. فَقِـوَاكَ تَضْعُـفُ عَـنْ صُـدُودٍ دَائِـمِ

واعْــلَـمْ بِـأَنَّكَ إنْ رَجَـعْتَ إليْـهِمُ.. طَـوْعَـا وإلَّا عُـدْتَ عَـوْدَةَ رِاغِـمِ

ولابن منقذ من قطعةٍ يَصِفُ ضعفه:

فاعجـَـبُ لِضَـعْفِ يَدِي عَن حَــمْلِهـــا قَلَـــماً.. مِــنْ بَـعْـدِ حَـطــمْ القنــا في لبَّــةِ الأسَــدِ

كتب أسامة بن منقذ:-

  • كتاب الاعتبار، والذي حمل أهمية بالغة القيمة تسلط الضوء على تطور العلاقات بين المسلمين والإفرنج، لفترة تصل لنحو مائة عام (القرن الثاني عشر الميلادي)، كما احتوى على وصف عادات وتقاليد ونظم قضائية واجتماعية وعسكرية اختص بها الإفرنج أثناء تواجدهم بالمنطقة، ومقارنة كل ذلك بما هو معلوم لدى المسلمين، وقد تُرجِمَ الكِتاب إلى مختلف اللغات.
  • البدري.
  • الشيب والشباب.
  • رسائل السائل.
  • نصيحة الرُّعاة.
  • البشارة.
  • العصا.
  • أزهار الأنهار.
  • النوم والأحلام.
  • التأسي والتسلَّي.
  • نزهة الناظر في البلاد الخاطر.
  • ردع الظَّالم ورد المظالم.
  • تاريخ ذكر الحوادث من أول الهجرة.
  • لباب الآداب.
  • التجارة المربحة.
  • المكارم والكرم ورعاية الذِمم.
  • مكارم الأخلاق ( عشرون مجلداً).
  • المنازل والديار.
  • البديع في الشِّعر.

وفاته:-

قال ابن خلكان: توفِّي أسامة بن منقذ ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة بدمشق، رحمه الله تعالى، وَدُفِن من الغد شرقيّ جبل قاسيون (دمشق)، ودخلتُ تربته وهي على جانب نهرِ يزيد الشَّمالي، وقرأتُ عنده شيئاً من القرآن وترحَّمتُ عليه.

المصادر:

  • معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري، إعداد يسري عبد الغني عبد الله.
  • الجغرافيون والرحَّالة المسلمون في بلاد الشَّام زمن الحروب الصليبية، محمد مؤنس عوض.
  • معجم البلدان، ياقوت الحموي.
  • وفت الأعيان، ابن خلكان.
  • بُغية الطلب في تاريخ حلب، ابن العديم.
  • متحف الميتروبوليتان – نيويورك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى