أخبار العرب

أحيحة بن الجلاح … سيد الأوس وداهية العرب

كان شديد الشّح والتَّمسك بأمواله، ومنع نفسه الترف ومجالس اللهو للحفاظ على ثَرَواته

من هو أحيحة بن الجلاح ؟

هو أبو عمرو أحيحة بن الجلاح بن الحريش الأوسي، شاعر جاهلي، وداهية من دُهاة العرب، زَعم قومه؛ لسداد رأيه؛ وسِعَة فهمه، حتى أشاع عنه أهل المدينة أن له رفيقًا من الجن يخبره بالأمور قبل وقوعها، كان مُوسعًا غنيًا يبيع بالربا، ويُحسن جَني المال، وكان من أكثر أهل المدينة كَنْزًا للأموال، ويقول عن نفسه مُفتخرًا:

إِنّي أكُبُّ على الزوراء أعمرها ..

إِنّ الكريم على الإِخوان ذو المال

عاش أحيحة حياته مُترفًا مُتربعًا على عرش ممتلكاته، ومُتقلبًا بين رُبوع بَساتِينه ومَزارعه، وقِيل أنه كان يملك تسع وتسعون بِئرًا يستقي منها أنّى شاء، وكان له حِصنان أَسماهما المُستظل والضَحيان، قال الميدانيّ واصفًا مُمتلكاته: «كان أحيحة سيد يثرب، وكان له حصن فيها سمّاه المُستظل، وفي ظاهرها آخر سمّاه الضحيان، ومزارع وبساتين ومال وفير»، وقال البغدادي: «كان سيد الأوس في الجاهلية، وكان مُرابيًا كثير المال، أما شعره فالباقي منه قليل».

بُخل أحيحة بن الجلاح :-

بالرغم من غِناه الفاحش، وثَرْوته الكبيرة، إلّا أن أحيحة بن الجلاح كان شديد الشّح والتَّمسك بأمواله، ومنع نفسه الترف ومجالس اللهو للحفاظ على ثَرَواته، وفيما يُروي عنه أنه كان إذا هبّت ريح الصبا خرج من أطمه أي حصنه، فنظر إلى جهة هبوبها، ثم يقول: “هُبِّي هبوبك، فقد أعددتُ لكِ ثلاثمائة وستين صاعًا من عجوة، أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات، فيردّ علي منها ثلاثًا لصلابتها، بعد جهد ما يلوك منها اثنتين”

زوجته:-

تزوج أحيحة بن الجلاح من سَلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجّار، ويُذكر أن هاشم بن عبد مناف تزوجها بعده حينما قَدِم المدينة، فولدت له عبد المطلب جدّ الرسول محمد – صلّى الله عليه وسلّم.

فِطنة أحيحة بن الجلاح :-

أقبل الملك تُبَّع بن حسان من اليمن قاصدًا المشرق، فترك في طريقه ابنًا له بالمدينة ومضى إلى العراق، وفي طريقه جاءه خبر مَقتل ابنه، فعاد أدراجه عازمًا على تخريب المدينة والتَّنكيل بأهلها، وعندما وصل أَمَر بأن يجتمع لديه أشراف المدينة، وكان على رأسهم أحيحة بن الجلاح، وظلّ يحتال عليهم حتى يكيد لهم، فظن الأشراف أنه قادم لِيُملّكهم على يثرب، إلّا أن أحيحة بن الجلاح أدرك ما كان في سريرته من الغدر، فذهب إلى خبائه، وأمر قِينته أن تغني حتى ينام الحرس الذين وضعهم تُبَّع عليه، ثم قال لها: أنا ذاهب إلى أهلي، فشُدي عليكِ الخباء، فإذا أتاكِ رسول الملك فقولي له: قد رجع إلى أهله، وترك معي رسالة إلى الملك، فإذا ذهبوا بكِ إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: اغدر بقينة أو دَع.

فلما علم بذلك الملك؛ أرسل كَتيبة من خَيل في أَثَره تطلب قتله، فعلموا أنه قد تحصن بحصنه الضَحيان، فلم يتمكنوا منه إلا أن يحاصروه، فبلغ الحصار ثلاثة أيام، يقاتلهم نهارًا بالنبل والحجارة، ويرمي إليهم التمر ليلًا، فلم يملكوا من أمره إلا أن يحرقوا نخله، وذهبوا إلى تُبّع وقالوا له : أرسلتنا إلى رجل يقاتلنا نهارًا، ويُضيفنا ليلًا! فتركه الملك وفتك ببقيّة من كانوا معه.

أحيحة المشهور بشعره وحكمته وبخله.

مُناوشاته مع بني النّجار:-

قتل أحيحة بن الجلاح رجلًا من بني النجار أثناء إحدى المُناوشات القَبَلية، فأراد أخو المقتول عاصم بن عمرو أن يثأر لأخيه، ويقتل أحيحة، لكنه لم يستطع أن يَظفر به، فقرر أحيحة أن يفتك به تأديبًا له، وعزم على الإغارة على بني النجار، فعلمت زوجته بمكيدته ضد قبيلتها، فاحتالت عليه حتى غلبه النوم، وتدلّت من الحصن، وتسللت إلى قبيلتها لتحذرهم وتنذرهم من فتك زوجها، فأعدوا عدتهم وتجهزوا للهجوم، فلما أراد أحيحة أن يباغتهم، وجدهم في كامل استعدادهم، كأنهم على علم بقدومه، فلم يكن ثَمّ قتال شديد، فلما رجع خائبًا، لم يجد زوجته في خبائها، أدرك فعلتها وتحذيرها لقومها، فقال: “هذا عمل سلمى، احتالت عليّ حتى بلغت ما أرادت، وأنذرت قومها”، وقد قال أحيحة في ذلك شعرًا:

لعمــر أبيــك مـــا يغنــي مقـــامـي .. مــن الفتيان رائحة جهـول

نــؤوم مــــــا يقلـــص مسـتـقـــلًا .. عــلــى الغابات مضجعه ثقيل

إذا بــاتـت أعصبهـــــا فنـــامـــت .. علـــى مكانها الحمى الشمول

لعــــل عصابهــــا يبغيـــك حـــربـــاً .. ويأتيهـــــا بعورتـك الـدلـيل

وقد أعــدت للحدثـــــان عـقـــــلًا .. لـــــو أن المرء تنفعه العقـول

شعر أحيحة بن الجلاح الأوسي :-

اشتهر أحيحة بن الجلاح الأوسي بشعره، وقد اختار منه أبو زيد القرشي في جمهرة أشعار العرب قصيدة جعلها من المُذهبات، وهي أطول قصائده على الإطلاق، بلغت أربعًا وعشرين بيتًا، يقول في مَطلعها:

صَحَـوتُ عَــنِ الصِبــا وَالدَهــرُ غــولُ .. وَنَفــسُ المَرءِ آمِنَةٌ قَتولُ

وَلَــــو أَنّــــي أَشـــــاءُ نَعِمــتُ حـــــالًا .. وَباكَـــــرَني صَبوحٌ أَو نَشيلُ

وَلاعَبَنــي عَلـــى الأَنمـــــاطِ لُـعـسٌ .. عَلــــى أَفواهِهِنَّ الزَنجَبيلُ

وَلَكِنّـــي جَعَـــلتُ إِزاءَ مـــــالــي .. فـــأَقلــل بعد ذلك أَو أَنيل

فَهَــل مِــن كـــــاهِـــنٍ أَو ذي إِلَــــهٍ .. إِذا ما حانَ مِن رَبٍّ أُفولُ

يُــراهِنُنــــي فَيُرهِنُنـــي بَنيــــهِ .. وَأُرهِـنُـــــهُ بَنِيَّ بِما أَقولُ

وَمَـــا يَـدري الفَقيــــرُ مَتــى غِنـــاهُ .. وَمـــا يَدري الغَنِيُّ مَتى يُعيلُ

وَمَـــا تَدري وَإِن أَلقَحـتَ شَــــولًا .. أَتُلقَــــحُ بَعدَ ذَلِكَ أَم تَحيلُ

وَمَـــا تَـدري إِذا ذَمَّـــــرتَ سَقبـــاً .. لِغَيـــرِكَ أَم يَكونُ لَكَ الفَصيلُ

وانتخب منه البحتري في حماسته، وله قصيدة في مختارات الأصمعي، وتعبر قصائده عن حياته، ويومياته، وتصف نظرته الخاصة إلى الحياة والناس، والتي كانت غالبًا نظرة سوداوية، ونظرته إلى المال كونه الضمان المادي بالنسبة إليه، والسبيل إلى الحفاظ على سيادته وزعامته بين الناس.

ويتميز شعره بسهولة الألفاظ، وبساطة التراكيب، لا يظهر فيه ميزة فنية فريدة، إلا في بعض الأبيات، ويتجلّى في شعره الكثير من الِعبر والحكمة.

وصية أحيحة بن الجلاح :-

توفي أحيحة بن الجلاح سنة 130 ق.هـ الموافق 497م، ويُذكر أنه أوصى ابنه عمرو عند وفاته قائلًا : “أصلِح مالك، فانّ قومك لا يزالون يعرفون لك فضلًا ما علموا غِناك، واعلم أني لم أترك عليك دَينا ولا خلّة أعرابيّ، فانّ الأعرابي لو أتاك بأَدِيم قد حَلِم بعته له، ودفعته إليه نقيًا صحيحًا، رأى أنه قد أحسن إليك”.

اقرأ ايضا النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

  • الزركليّ، الأعلام.
  • أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، دار الكتب المصرية.
  • ابن هبة الله، المجموع اللفيف، دار الغرب الإسلامي.
  • https://dl.wdl.org/9634.png

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى