أعلام

أحمد فارس الشدياق .. العالم باللغة والأدب

ساعد في ترجمة الإنجيل في أقل من عشرين شهراً

أحمد فارس الشدياق – اسمه ونشأته:-

أحمد فارس بن يوسف بن منصور بن جعفر بن فهد الشدياق ، عالم باللغة والأدب، وُلِدَ في قرية عشقوت اللبنانية سنة 1219هـ-1804م، وأبواه مسيحيان مارونيان سمياه فارساً.

ثم انتقل مع والده إلى الحدث سنة 1809م، فاستوطنها، حيث تلقى الابن تعليمه الأوَّلي، بها ثم انتقل إلى كلية اللاهوت الكاثوليكية في عين ورقة، وترتب على منازعة سياسية ووفاة أبيه أن احترف حرفة أخيه طنوس (1791-1861م)، وهي نسخ المخطوطات التي وجد منها كمية لا بأس بها في مكتبة أبيه.

ثم جرت بعد ذلك في سنة 1830م مأساة أثرت في حياته وطبعه وسلوكه واتجاهاته كل التأثير، ألا وهي مقتل أخيه أسعد (1798-1830م)؛ لتحوله إلى البروتستنتية، مما حمل البطرك الماروني يوسف حبيش (المتوفى عام 1845م) على أن يسجنه ويعذبه حتى مات تحت التعذيب.

مدينة بيروت في مطلع القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

مسيرته العلمية:-

رحل أحمد فارس الشدياق إلى مصر فتلقى الأدب عن علمائها، وتسنى له في مصر أن يتصل بجماعة من كبار العلماء والأدباء مثل نصر اللَّه الطرابلسي، وشهاب الدين محمد بن إسماعيل المالكي، وقد أتاح له وجوده في هذه البيئة الجو الملائم لدراسة العربية والمنطق واللاهوت وعلم الكلام، كما اختير محرراً بصحيفة الحكومة الرسمية وهي «الوقائع المصرية» محل رفاعة الطهطاوي.

ثم سأله رئيس الإرسالية الإنجيلية البروتستنتية أن ينتقل إلى مالطة، فانتقل إليها وأمضى فيها بضع سنوات (1834-1848م) يُعلِّم العربية، وينسخ المصادر، ويصحح المخطوطات.

فأمَّا حُبّهم لكسب المال فهو بحيث لم يُغادِر لشيءٍ سواهُ قيمةً، ومنُهم من يُسافرُ إلى البلاد الشَّاسِعة ويعرض نفسه للامتهان والابتذال حتَّى إذا أحرزَ المالَ؛ رَجَعَ إلى وطنهِ مبتذِّخَاً مُتشبِّعاً، يمرحُ في الأسواق مَرَحَ من ازدَهَتْهُ النِّعمَةَ، وأبطَرَهُ الحَظّ، ولا شيءَ يُعجبهم في الدُّنيا مثلَ بِلادِهم، ولا تزالُ تسمعهم يتبجَّحونَ بها وبِأحوالِهَا، وإذا سألتَ أحَدَاً منهُم عَنهَا أجَاَبَكَ بِلِسانٍ ذلِق عمَّا كانت عليه من الغِبْطَةِ والسَّعَادةِ، وآلت إليهِ من سوءِ الحَظ، وهُم – في محبَّتها- كاليهودُ في محبَّةِ صهيون، ومن الغريب، مع هذا التَّفَاخُر، أنَّكَ إذا ذَكَرْتَ لأحدِهِم أفرادَ قومهِ لم تلقَهُ راضياً عن أحَدٍ منهُم، فأوَّل منهم، فأوَّل نعتٍ يُنعَتُ بهِ قولهُ: هو أبلهٌ شحيحٌ، فكأنَّ قولهُ: نحن المالطيين شأننَا كذا، يُريدُ به وحدةَ نفسِهِ.

— الشدياق، الواسطة في معرفةِ أحوالِ مالطة.

ولم يقطع هذه الحياة الجافة إلا مرتين فقط عاد في أولاهما سراً إلى لبنان سنة 1837م، وزار في ثانيتهما إنجلترا سنة 1845م، ثم دُعِيَ إلى لندن سنة 1848م؛ ليُساعِد في ترجمة الإنجيل.

ولما تمت ترجمة الإنجيل في أقل من عشرين شهراً استقر في باريس، حيث نظم قصيدتين مدح في واحدة منهما أحمد باشا باي تونس، ومدح في الثانية السلطان عبد الحميد سنة 1854م، وكان لهاتين القصيدتين أكبر الأثر في تغيير مجرى حياته، حيث تلقى دعوة حارة لزيارة تونس سنة 1857م، فاعتنق الإسلام، وتسمَّى: أحمد فارس، واقتدت به زوجته وابنه.

فإني لمَّا رأيتُ في تعاريفِ القاموس للإمام القاضي مجد الدِّين الفيروز أبادي قُصُوراً وإبهاماً، وإيجازاً وإبهاماً، وترتيب الأفعال ومشتقَّاتهَا فيه محوج إلى تعبٍ في المُراجَعَة، ونصَبٍ في المُطالعة، والنَّاسُ راوون منه، وراضون عنه، أحببتُ أن أُبيّن في هذا الكِتاب ما يحضُ أهلَّ العربية في عصرنا هذا على تأليف كتابٍ في اللُّغة يكون سهل الترتيب، واضح التعاريف، شاملاً للألفاظ التي استعملها الأدباء والكُتَّاب وكُلُّ من اُشتُهِرَ بالتأليف، سهل المُجتنى، داني الفوائِد، بين العِبارة وفي المقاصِد، فإنَّ هذا اللِّسَان وإن يكُن قد تضوَّعَ نشره، ونشر تضوّعه، وترفع قدره، وقدر ترفعه، وصفَت موارده، وورد صفاؤه، ووفت محامده، وحمَدَ وفاؤه، وقامَ شاهد بيانه، وشهِدَ قيام تبيانه، وبزغت أنواره فأنار بزوغها، وسبغت أستاره فأجار سبوغها، وشرق سائره وسار شارقه، وبرقت أسرته وسر بارقه، وسبق جواده وجَاد سابقه، فما أجدَرَه بأن يكون لسان ذوي الحِكمة والأحكام، وما أقدره على أن يصونَ مكان أولى الحرمة والأحلام.

— الجاسوس على القاموس.

بعد ذلك دُعِيَ أحمد فارس الشدياق إلى إسطنبول، وبلغ فيها ذروة شهرته، فقد حظي بعطف السلطان الذي كان قد بعث رسمياً في استدعائه، وأحاطه بكل مظاهر التشريف، وهنا أسس فارس الشدياق مجلة «الجوائب» الأسبوعية سنة 1277هـ، والتي عاشت 23 سنة، وكان صدورها تدشيناً لعهد جديد في الصحافة العربية.

ثم جاء إلى القاهرة سنة 1886م فلقى بها ترحيباً صادقاً، وأقام فترة قصيرة فيها وغادر بعدها إلى إسطنبول، حيث توفي فيها.

كتب أحمد فارس الشدياق :-

  1. كنز الرغائب في منتخبات الجوائب: جمع فيه خلاصة مطالعاته ورحلاته وترجماته وأخبار علاقاته الشخصية، فهو بذلك مزيج من الأخلاقيات وعلم الاجتماع والسياسة والأدب والمحاورات الأدبية، فقد صادف هذا اهتماماً في الدوائر الشرقية والأوروبية.
  2. سر الليال في القلب والإبدال: يدرس في هذا الكتاب الأفعال والأسماء شائعة الاستعمال، ويرتبها حسب نطقها وأصولها، ويوضِّح الفروق الجزئية التي تختص بها.
  3. الواسطة في أحوال مالطة: وهو مكتوب بأسلوب رحَّالة العرب، وقد ضمَّنه ملاحظاته أثناء وجوده بمالطة، وألمَّ فيه بجغرافيتها وسكانها ومناخها وفنها ولا سيما الموسيقى والغناء والعمارة وما بها من الكنائس، وكان يرفق ذلك في بعض الأحيان ببيانات إحصائية ومقارنات.
  4. كشف المخبا عن فنون أوربا: وهو الجزء التالي لكتابه «الواسطة»، ويتضمن ملاحظاته في أوروبا، وتعرض فيه لأحداث تاريخية؛ ككلامه عن نابليون، وجان دارك، وغيرهم من المشهورين، وضمَّنَه أيضاً آراءه عن مظاهر الحضارة في لندن وباريس، ونظم الحكومات المختلفة، وآراءه عن الدين.
  5. الجاسوس على القاموس: تحدث فيه عما يعتري المعاجم العربية من نقص، وبيَّن ذلك النقص، ووضَّح الأخطاء الرئيسية التي وقع فيها أصحاب هذه المعاجم، ثم أورد نقداً لاذعاً للفيروز آبادي وللبستاني في محاولته تقليد الفيروز آبادي.
  6. اللفيف في كل معنى طريف.
  7. الساق على الساق فيما هو الفارياق: تناول فيه أيام العرب والعجم. ويعتبر هذا الكتاب أهم مؤلفاته وواحداً من أبرز الكتب العربية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، ويلاحظ أن اسم “الفارياق” مشتق من المقطع الأول من اسمه الشخصي (فارس)، أما المقطع الثاني فمشتق من اسم عائلته “الشدياق”، وقد تضمنت هذه السيرة مزيجاً كبيراً من ذكريات الطفولة والشباب، وملاحظاته، والنقد الاجتماعي والأخلاقي والديني.
  8. غنية الطالب.
  9. الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية.
  10. سند الراويّ في الصرف الفرنساوي.
  11. المرأة في عكس التوراة.
  12. تراجم الرجال.
  13. التقنيع في علم البديع.
  14. منتهى العجب في خصائص لغة العرب.

إنَّ الاسفَاَرَ طالَمَا ذكرها الذَّاكِرون، وبَالغَ في وصْفِهَا الواصِفون، فمَدَحَهَا من عَلَتْ مروءته، وسَمَتْ هِمَّتُه، وذمَّهَا من قصُرَ عنها، ولم يَجْنِ مِنْهَا. فمِنهُم من شَبَّه صاحبها بدر إن لم يقُل قي التيجان منضوداً، وبهلالٍ إن لم يَسْرِ لم يَصِر بدراً مشهوداً، ومنهم من زَعَمَ أنَّها الحاملة على الذُّل، المُضيعة لحَسَبِ المرء والمُوقِعةِ في الضُّل (الضلال)، والخمولِ وعدم الشَّكْل (الدَّلال)، وإنَّ الشيءَ إنَّما يَرْزُن في مُستقرِّه، حتى عرفوا الظُّلمَ أنَّه وضِعَ الشيءُ في غير مقَرِّه. ومعلومٌ أنَّ محَلَّ العربِ مُباينٌ لمحلِّ العَجَم، فكانَ أحدُ الفريقين إذا جاوَزَ محلَّهُ فقد ظَلَم. إلى غيرِ ذلكَ من تناقُض العِباراتِ والاعتباراتِ، كمَا جَرَت بذلك عادُة البُلَغاءِ في المُحاورات، إذ كُلّ حُكمٍ وقضية من القضايا الجارية أطالوا فيها المقال، وجالوا فيها من حيثُ لا مَجَال، كاعتزالِ النَّاسِ والانفرادِ عنهُم، والمُخالطة لهُم والأخذ منهُم، فبعضهم آثَرَ الأول، ووَدَّ لو يقضي عمره على قُنَّة جبل، وبعضهم شبَّهَ الزِّحَام، بمنهل عذبٍ لذي الأوام، وأمثالُ ذلكَ لا تحصى، ولا تُعدُّ ولا تُسْتَقصى.

— كشف المخبا عن فنون أوربا، الشدياق.

شعره:-

أحمد فارس الشدياق صاحب ديوان شعر، يشتمل على اثنين وعشرين ألف بيت، طُبِعَ نحو ربعه في الجزء الثالث من «كنز الرغائب»، وفي شعره رقة وحسن انسجام، ومن ذلك مدحه للسلطان عبد المجيد، حيث قال :

يا صــاحبــي لدى فــروق أقيمــــا .. تجـدا المقام مسرة ونعيما

وتغـــادرا ألم النــوى نسيـاكـمــــا .. ينسـى الصدى من يوعد التسنيما

بلـــد يقـــول لـزائـــريـــه ابشــــروا .. بنـــوال ما املتموه عميما

حمد السرى من فيه عند صباحهم .. فكأنهم لم ينكروا التهويما

وكــأنهم لم يجــزعــوا حــزنا ولا .. جـزعــوا له حزنا ولا تهيما

قــروا به عينــا وفي اليد منه مــا .. عنهـم نفى غينا ووسد جيما

يدعون للملك المعظم من غدت .. آلاوه تستغرق التعظيما

عبد المجيـد لكــل أمجـد سيـد .. مولــى الملوك جبلة وأروما

شـرفــت له نفــس فـارفـع مـــارب .. يبـدو حضيضا عندها مثموما

ويجــل عن أن يستمــاح فإنمــا .. جـدواه تسبق من جداه قدوما

تمضـي جليـل الهم همته كمــا .. تمضــى المضارع لم بها مجزوما

إن الســــعـيـد بنـظــــرة يـومـــا لـــه .. أو منه يصبح مسعدا مأموما

وفاته:-

توفي أحمد فارس الشدياق في إستانبول سنة 1304هـ-1887م، ونُقِلَ جثمانه إلى لبنان.

تعرف أيضاً على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى