أعلام

ابن زنبل الرمال .. المؤرخ المصري الكبير

تعاطى النظر في الرمل والنجامة؛ فقيل له: "الرّمال".

من هو ابن زنبل الرمال ؟

أحمد بن علي بن أحمد بن زنبل ، عارِف بالتاريخ من أهل مصر، كان يتعاطى النظر في الرمل والنجامة فيقال له: “الرمّال”، ويعد ابن زنبل الرمال أحد المشاهير المؤرخين من العرب المسلمين، ولد سنة 1500م بالمحلة الكبرى في مصر، ودرس اللغة العربية والعلوم القرآنية، ولكنه كان مغرماً بكتابة التاريخ وتفسير الوقائع والبحث عن تفاصيلها وتسجيلها بدقة.

فكره ومنهجه:-

كان منهج ابن زنبل يقوم على الدقة العلمية في جمع التفاصيل، وإسناد الأخبار وذكر المصادر وبسط الحقائق دون مبالغة أو إسراف، فأصبح بذلك أحد كبار المؤرخين العرب وأضاف حقائق كثيرة كانت تعتبر في طي الكتمان.

تأثر ابن زنبل الرمال بكبار المؤرخين في عصره ، أمثال؛ ابن إياس وعبدالباسط بن خليل الحنفي وحسن بن الطولوني وغيرهم.

ورغم أنه كان موظفا بديوان الجيش العثماني؛ إلا أنه قد أولى التاريخ عناية كبيرة، ولا سيما أنه كان مشاركاً وفاعلاً في صنع أحداثه.

لقد رافق ابن زنبل المحلي جیش السلطان سليم الأول (1470-1520 م) أثناء الحروب التي عجلت بنهاية دولة المماليك في مصر والشام، ولا شك أن مؤرخنا قد تأثر بهذه الوقائع الكبرى، ما دفعه إلى الكتابة عنها بصدق ودون مبالغة، ومن شدة تأثره؛ فإنه قد بلغنا أنه قد قام بتوزيع الصدقات على روح آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر، الأشرف طومان باي (1474-1517م) وذلك بعد شنقه في القاهرة.

مؤلفات ابن زنبل الرمال:-

ولمؤرخنا مؤلفات أخرى منها، كتاب في التاريخ باللغة التركية التي كان يتقنها، وهو يشتمل على حكام مصر العثمانيين على أيامه، وكتاب “تحفة الملوك والرغائب لما في البر والبحر من العجائب والغرائب“، وهو في علم الجغرافيا، وكتاب “المقالات في حل المشكلات“، وهو في علم الخط والرمل والتنجيم.

هذا بالإضافة إلى بعض المخطوطات التي فقدت في حياته، ولكنه رغم ذلك كان يواصل كتابة التاريخ بشغف عمیق وصدق بالغ ووطنية وحماس شديد للعمل، والبحث، والكتابة.

مشهد عام لمدينة القاهرة في العام 1870 م
مشهد عام لمدينة القاهرة في العام 1870 م

مؤلفه الشهير ” تاريخ ابن زنبل الرمال “:-

طبع الكتاب بعدة عناوين منها: «آخرة المماليك» و «واقعة السلطان سليم العثماني مع قانصوه الغَوري»، في هذا الكتاب؛ أرخ أحمد بن زنبل للفتح العثماني، وهو سجلُّ وافٍ لحوادث هذا الفتح منذ بداية خروج السلطان الشركسي قانصوه الغوري ( من المماليك البرجية) وذلك من القاهرة إلى شمال حلب السورية وخوضه معركة مرج دابق ضد العثمانيين (1516 م)، حتى يوم رجوع السلطان “سليم الأول” منتصرا إلى إسطنبول.

وكان لهذا الكتاب انتشار كثيف بين الناس والقراء والمثقفين، حيث تحدثوا عنه وناقشوا تفاصيله، لأن الكتاب جاء بطريقة مشوقة من خلال النسيج الدرامي الذي أتقنه المؤلف. وترجم الكتاب إلى اللغتين التركية والإنجليزية وكان مصدرا للمعلومات لعلماء الحملة الفرنسية على مصر، عندما بدأ أحد المستشرقين في إعداد کتاب عن تاريخ مصر الإسلامية.

أسباب هزيمة المماليك:-

تناول ابن زنبل بالتحليل؛ أسباب الهزيمة المنكرة التي تعرَّض لها المماليك، في معركة مرج دابق من أبرزها:

  • أن جيش الغوري كان عامراً بالصِّراعات والنزاعات الدَّاخلية.
  • أن الغوري قدَّم في معركة مرج دابق فئات العسكر المماليك التي كان يَخشى بأسها ، أو تلك التي كانت بينها وبينه عداوة، أو لم يكن معها على وفاق (القرانيص).
  • هذه الطائفة استشعرت بأنها زُجَّت لأتون المعركة في الوقت الذي احتفظ فيه الغوري بمماليكه المجاليب بعيداً عن القتال، لتقرِّر الأولى الامتناع عن القتال، عبر تجاهلها للأوامر في ميدان المعركة.
  • قيام شراذم المماليك بنهب أموال المماليك القتلى في المعركة، ما يعكس عدم وجود توافق أو غياب الفلسفة العسكرية الرصينة، ما أفضى إلى تداعي الروح المعنوية لمن تبقى من مقاتلين.
  • سجَّل سليم نصراً مدوياً وسريعاً بلا حرب فعلية خلال مواجهة جيشه لنظير له أكثر ضخامة، وذلك بفعل مظاهر الفوضى التي دبَّت في أوساط الجيش المملوكي، والتي ظهرت تجلِّياتها في الانسحابات والتآمر، وقيام أعضاء الجيش بنهب بعضهم بعضاً.
  • كثافة النيران العثمانية كانت عاملاً جوهرياً في حسم المعركة وهزيمة المماليك الذين أبدوا مقاومة ملفتة في القاهرة على يد طومان باي، محاولين التحامل على أوجاعهم وصراعاتهم الدَّاخلية.
العثمانيون استخدموا النيران التي لم تكن متوافرة لدى المماليك

من هم القرانيص والمجاليب؟

تناول أحمد بن زنبل في كتاباته بعض تشكيلات الجيش المملوكي الذي كان منقسماً على نفسه، لتكون هزيمته متوقعة سلفاً حتى قبل خوضه معركة مرج دابق.

حيث يشير إلى تصاعد روح البغضاء بين مجموعات عسكرية كان يُطلق عليها اسم “القرانيص” وأخرى دُعيت باسم “الأجلاب” التي لم يدفعها السلطان الغوري إلى المخاطر، على العكس من الأولى التي زُجَّت إلى الواجهة، فزاد حقدها على الثانية، لتُحجم عن القتال أسوة بـ”الأجلاب”.

ويقول ابن زنبل: إن القرانيص هم بمثابة مماليك السلاطين القدامى الأكثر خبرة وتمرُّساً، والسابقين للغوري، والذين فقدوا مظاهر العناية والرعاية والاهتمام التي كانوا يحظون بها في عهد السلاطين السابقين.

وهذه الفئة لا يربطها قاسم مشترك واحد سوى كرهها للسلطان، إذ كانت من مشارب مختلفة، لا ينظم عقد أفرادها فئة عسكرية واحدة أو كتبية مترابطة، وقد نظر الغوري إليها نظرة المرتاب بسبب خبرة رجالها وأسبقيتهم، إلى جانب عدم تيقُنه من مقدار انتماء كل عضو في هذه الجماعة إلى أستاذه السابق الذي اشتراه ومن ثم قام باعتاقته.

أما الأجلاب، أو المجلوبون؛ فهم المماليك الذين قام السلطان الغوري بشرائهم وحيازتهم بطريقة عن تلك التي وصل بموجبها أعضاء القرانيص، فهو الذي تولى جلب أفراد الأولى، وأخضعهم لمعسكرات خاصة، يعيشون فيها سويا، ثم يتم إعتاقهم بعد منحهم جرعات التعليم والتدريب الكافية، وصولاً إلى منح كل منهم راتباً (جامكية)، هذا إلى جانب إعطاء كل منهم السلاح والاقطاعات وإكرامهم بالخيل والقماش..إلخ.

مدفعية عثمانية
مدفعية عثمانية تعود إلى القرن السادس عشر

وهنا يصف ابن زنبل ملمحاً مهماً مما شهدته ساحة الوغى ودور أعضاء كل من الجماعتين المذكورتين في معركة مرج دابق، قائلاً: ..” ولم يقاتل في هذا اليوم أكثر من ألفيّ فارس.. وأما جلبان الغوري الذي هُم مشترواته؛ فلم يتحرَّكوا من مواضعهم ولم يهُزُّوا رُمحاً ولا جبدوا سيفاً.. وعلى ما قيل: إن السلطان الغوري أمر بأن أول مرَّة يخرج القرانصة لكونهم أعرف بالحرب من الجلبان، وكان قصده أن ينقطع القرانصة ليكتفي شرهم ويصفو له الوقت، فإنَّه كان يحسب حسابهم.. فأمر بتقديمهم في الحرب وأخَّرَ جلبانه.. فتغيَّرت نيَّات القرانصة، وقالوا: نحن نقاتل بأنفسنا مع النَّار وأنتَ واقف تنظر إلينا كالعين الشامتة، ما تأمر أحد من مماليكك يخرج للميدان، فكان العسكر مختلفاً في بعضه مفسود النيَّة ..”.

وفاته:-

توفي ابن زنبل الرمال سنة 1572م بمصر، حيث عاش معظم حياته، ولم تحمل إلينا كتب التاريخ أي معلومات تتناول الظروف المحيطة بحادثة وفاته.

وبشكل عام؛ فإن المعلومات حول حياة هذا العلامة المؤرخ الكبير، قليلة جداً، بحيث لا تكفي لكتابة ترجمة كافية شافية توفي هذه الشخصية العظيمة حقها.

وفاة ابن زنبل الرمال
خيرات مصر جعلتها مطمعاً دائماً للقوى الخارجية

المصادر:

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى