أعلام

أحمد بن حنبل .. الفقيه والمحدث واللغوي الزاهد

كان يريد الخروج مبكراً إلى حلقات العلم فتمنعه أمه لصغره

أحمد بن حنبل – التعريف بالشخصية:-

الإمام الفقيه المجتهد الشيخ أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي الشيباني البغدادي، صاحب “المسند”.

نسبه:

هو أحمد بن محمد بن حنبل، بن هلال بن أسد، بن إدريس بن عبد الله، بن حيان بن عبد الله، بن أنس بن عوف، بن قاسط، بن مازن بن شيبان، بن ذهل بن ثعلبة، بن عكابة، بن صعب بن علي، بن بكر وائل، بن قاسط بن هنب، بن أفصى بن دعمي، بن جدلية بن أسد، بن ربيعة بن نزار، بن معد بن عدنان.

وقد أثبت الإمام أحمد رحمه الله هذا النسب بنفسه في وثيقة ورثها عنه ابنه صالح رحمه الله حيث قال: “وجدت في بعض كتب أبي نسبه” ثم ساقه كما مر آنفاً.

مولده:

ولد الإمام أحمد رحمه الله في مدينة بغداد، في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، حيث كان والده يعمل في مرو ومعه زوجته، فحملت به أمه بمرو، وقدمت بغداد وهي حامل بهن فولد الإمام في مدينة السلام، وحين بلغ الثالثة من عمره توفي والده، وقد تولت أمه تربيتهن ونشأ في كنفها يتيماً.

وقد حدد الإمام بنفسه تاريخ مولده فيما ذكره عنه ولده صالح: “سمعت أبي يقول ولدت في سنة أربع وستين ومائة، في أولها، في ربيع الأول، وجيء بي حملاً من مرو”.

نشأته وتربيته:

نشأ الإمام أحمد ببغداد يتيماًن حيث توفي والده شاباً وله نحو ثلاثين سنة، قال صالح بن أحمد: “وتوفي أبو أحمد بن حنبل وله ثلاثون سنة، فوليته أمه”.

بغداد حيث ولد أحمد بن حنبل
بغداد التي أنجبت عدداً هائلاً من الفقهاء والمفكرين والعلماء

وقامت أمه صفية على تربيته، فنشأ في موئل العلم والعلماء عاصمة الخلافة في ذلك الوقت (بغداد)، فتوجه لطلب العلم منذ نعومة أظفاره حيث قال عن نفسه: “اختلفت إلى الكتاب ثم اختلفت إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة” وقال أيضاً: “وطلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة”.

 وكان يريد الخروج مبكراً إلى حلقات العلم فتمنعه أمه لصغره، قال الإمام أحمد: “كنت ربما أردت البكور في الخروج فتأخذ أمي بثيابي، فتقول: حتى يؤذن الناس او حتى يصبحوا”.

سعة علمه:

أحمد بن حنبل إمام في ثماني خصال: إمام في الحديث، وإمام في الفقه، وإمام في اللغة، وإمام في القرآن، وإمام في الفقر، وإمام في الزهد، وإمام في الورع، إمام في السنة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله.

صفحتان من القرأن الكريم تم خطهما في بغداد
صفحتان من القرآن الكريم تم خطهما في بغداد

رحلات أحمد:

يتضح من سيرته العليمة أنه لم يقتصر في طلب العلم على علماء بغداد، بل سافر في طلبه إلى بلاد شتى، فقد رحل إلى البصرة، والكوفة، والشام، ومكة، والمدينة، وطرسوس، واليمن، والجزيرة، وغير ذلك، فأخذ من علماء تلك البلاد العلم الغزير لينفع الله به البلاد والبعاد.

قال الخطيب البغدادي: “قدمت أمه بغداد، وهي حامل فولدته ونشأ بها، وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخه ثم رحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، واليمن، والشام، الجزيرة، فكتب عن علماء ذلك العصر”.

وفي رواية ابنه عبد الله: “وخرد أبي إلى طرسوس ماشياً على قدميه، وخرد إلى اليمن ماشياً”.

وهذه الرحلات الكثيرة والعظيمة للإمام، تأكد حرص الإمام على تعلم العلم ونشره، ومما يدلل على شدة حرصه للعلم، ما أخبر به ابنه صالح، فقال: ” رأى رجل مع أبي محبرة، فقال: يا أبا عبد الله! أنت بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين، فقال: مع المحبرة إلى المقبرة”.

وكان يقوله عليه رحمة الله: “أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر”.

شيوخ أحمد:

إن الكلام عن شيوخ الإمام أحمد يطول ذكره، ويعصب إحصاء أسمائهم لكثرتهم، كما أثبت ذلك الخطيب البغدادي، وقد ذكر ابن الجوزي شيوخ الإمام أحمد، ورتبهم على حروف المعجم، وقال الذهبي: “فعدة شيوخه الذين روى عنهم السمند مائتان وثمانون ونيف”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الشيخ أحمد بن حنبل حاز على ترجمة واسعة في سير أعلام النبلاء

ومن شيوخه:

  1. هشيم بن بشير بن أبي حازم أبو معاوية السلمي، الإمام، شيخ الإسلام، محدث بغداد، وحافظها، ثقة ثبت.
  2. يحيى القطان بن سعيد بن فروخ أبو سعيد، الإمام الكبير، أمير المؤمنين في الحديث، البصري، القطان، الحافظ، ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة، مات سنة 189 هـ.
  3. محمد بن إدريس الشافعي: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس الشافعي، الإمام المجتهد الفقيه، إمام المذهب المشهور، مات سنة 204 هـ.
  4. وكيع بن الجراح: كان محدثاً ثقة حافظاً، وقال عنه الإمام أحمد ما رأيت أوعى لعلم ولا أحفظ من وكيع، مات سنة 197 هـ.
الإمام الشافعي اشتهر بالعلم والفقه والبلاغة والشعر

تلاميذ أحمد:

قال الشريف أبو جعفر عن تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل: “لا يحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد، ولعلهم مائة ألف، أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف”، وذكرهم ابن الجوزي مرتبين على حروف المعجم في كتابه مناقب الإمام أحمد.

أشهر المحدثين والرواة الذين تتلمذوا وحدثوا عن الإمام:

الشيخ أحمد بن حنبل أستاذ مجموعة من أعلام الفقه والحديث من بين أشهرهم:

  1. محمد بن إسماعيل البخاري: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، الإمام المحدث الحافظ، صاحب الجامع الصحيح، مات سنة 256 هـ، وله 62 سنة.
  2. مسلم بن الحجاج: هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري، النيسابوري، إمام الدنيا في فقه الحديث، الحافظ الحجة، صاحب الصحيح مات سنة 261 هـ، وله 57 سنة.

آثاره العلمية:

الإمام أحمد كان يكره تصنيف الكتب المشتملة على الآراء والمسائل، ولكنه جعل جهده واهتمامه على كتابة الأحاديث وآثار السلف.

وفاة الإمام أحمد :-

توفي الإمام أحمد بن حنبل ببغداد يوم الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، من سنة إحدى وأربعين ومائتينن وكان سنه سبعاً وسبعين سنة رحمه الله.

توفي العلّامة أبو عمر الزاهد سنة 345هـ، ودُفِنَ في بغداد - أحمد بن حنبل
بغداد في العام 1932 م

وكانت وفاة الشيخ أحمد بن حنبل بعدما مرض مرضاً شديداً ألم به، ودام أياماً معدودة ثم توفي بعدها، وخرجت جنازته بعد صلاة الجمعة، فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع، حيث قدر من حضرها من الرجال بثمانمائة ألف.

وقد دفن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بباب حرب، ببغداد، وقد أصحبت تعرف فيما بعد بمقبرة الإمام أحمد.

رواية المسعودي:-

وفي رواية المسعودي؛ قال “.. وكانت وفاة أحمد بن حنبل في خلافة المتوكل بمدينة السلام، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودُفِنَ بباب حرب في الجانب الغربي، وصلى عليه محمد بن طاهر، وحضر جنازته خلقٌ من الناس لم يُرَ مثل ذلك اليوم والاجتماع في جنازة من سلف قبله”.

المسعودي صاحب “مروج الذهب” الشهير

وأضاف صاحِب “مروج الذهب” عن الشيخ أحمد بن حنبل، ” .. وكان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس والضد في الأمور: منها أن رجلاً منهم كان ينادي: العنوا الواقف عند الشبهات، وهذا بالضد عما جاء عن صاحب الشريعة عليه السلام”. وكان عظيم من عظمائهم ومقدم فيهم يقف موقف بعد موقف أمام الجنازة وينادي بأعلى صوته:

وأظلمت الدنيا لفقد محمد وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل

يشير بذلك إلى حالة الظلام التي سادت بعد وفاة الإمام أحمد، كتلك التي أتبعت وفاة النبي الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام.

اقرأ هنا كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

مراجع ترجمته:

  • سير أعلام النبلاء 11/ 177
  • سزكين 1/3/215 – 227
  • مروج الذهب للمسعودي.
Image by Şinasi Müldür from Pixabay 

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى