نوادر العرب

مِن مِلَح أبي دلامة

كان أبو دُلامة شاعراً فصيحاً، وماجِناً مليحاً، صاحب نوادر وحكايات وأدب ونَظم، واسمه زَنْد بن الجَوْن الأزدي، أدَرَكَ آخر بني أمية ولم يكُن لهُ نباهة في أيامهم، ونبغ في أيام بني العباس، فانقطع إلى السَّفاح والمنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضِّلونه ويستطيبون نوادره.

مع رَوْح بن حاتم:-

لأبي دلامة قصَّة مع رَوْح بن حاتم، وهو أمير من الأجواد الممدوحين، والذي ولَّاه المهدي بلاد السِّند، ثم نقله للبصرة، فالكوفة، ثمَّ ولَّاهُ هارون الرَّشيد على القيروان سنة 171 هجرية، وظلَّ والياً عليها حتى أزِفت ساعة وفاته فيها سنة 174 هجرية. فقد قال رَوْح بن حاتِم لأبي دُلامة: اخرُجْ معي وهذه عشرة الآف دِرهم، فقال:

إِني أعـــــــوذُ بِــــــرَوْحٍ أَن يقرِّبَنـــــي .. إلى الحمام فتشْقَى بي بنو أسدِ

إنَّ المُهلَّب حُبَّ الموتِ أورَثكُــــــم .. وما ورِثْتُ اختيارَ الموت من أحدِ

القيروان بمنتصف القرن التاسع عشر – المكتبة الرقمية العالمية

مع المنصور:-

دَخَل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور، الخليفة العباسي (95-158 هجري)، فأنشده وذكَرَ زوجه:

فاخرنطمت ثمَّ قـــــالت وهي مغضبةٌ .. أأنتَ تتلو كتاب الله يا لكـــع؟!

قُمْ كــي تبيعَ لنــا نخـــلاً ومزدرعـــــاً .. كمــــا لجارتنـــــــا نخلٌ ومزدرعُ

خـادع خليفتنــا عنهــــــــــا بمســـألةٍ .. إن الخليفـــةَ للســــؤالِ ينخدِعُ

فقال المنصور: قد أمرنا لك بمائة جريب عامر، ومائة جريب غامر، فقال: وما الغامر يا أمير المؤمنين؟، قال: الذي لا ينبُت، قال: فإني أُقطِعَكَ عشرة آلاف من فيافي بني أسد، فضحِكَ وأمَرَ له بالجميعِ عامراً، فقال: ائذن لي بتقبيل يدك يا أمير المؤمنين، فقال: أمَّا هذه فدَعْها، فقال: ما منعتُ عيالي شيئاً أسهل عليهم من هذه.

وفي يومٍ آخر؛ دخل أبو دُلامة على المنصور، فأنشدهُ:

إنّــي رأيُتكَ في المنـــــــــــــــــــا م .. وأنتَ تعطـــيني خيـــــــاره

ممثلـــــــــوءةً بـــــــــــــدراهِمَ .. وعليــــــــــــــك تأويـــــــــــلَ العِبــاره

فقال له أبو جعفر: امض فأتني بخيارة أملؤها لك دراهم، فمضى فجاء بأعظم دباءة (قرع) توجد، فقال له المنصور: ما هذا؟، يلزمني الطَّلاق إن كُنتُ رأيتُ إلَّا دباءة، ولكني نسيت، فلمَّا رأيتُ الدباءة في السوق ذكرتها.

والمنصور شهير ببخله، وقد كان أبو دُلامة يستنزله بالمِلَح للإفادة منه، إذ دخل عليه يوماً وبين أصبعيه خِرقة، فقال له ما هذا يا أبا دُلامة؟، فقال: وَلِدَت لي البارحة صبية وقد قُلتُ فيها:

فما ولدتــــــــــــــكِ مريمُ أم عيسى .. ولـــم يكفلك لقمــــــــان الحكيـــــم

ولكــن قد وُلدِتِ لأمّ ســــــــــــــــــــوءٍ .. يقـــــــــــــوم بأمرِها بعلٌ لئــــــيمُ

فضَحِك المنصور، وقال: ما تريد؟، قال: ملء هذه الخِرقة أستعينُ بها على تربيتها، فقال المنصور: املؤوها دراهم، ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير، فملؤوه، فأخذ عشرة الآف درهم.

وفي موقفٍ آخر مع المنصور، ولاستدرار عَطفه، فقد وصَف له حال أمِّه قائلاً:

هاتيك والدتي عجــــوزٌ هَمـــــــــــةٌ .. مثل البليّةِ درعها في المشجبِ

مهزولة اللّحيين من يــــرها يقُل .. أبصرتَ غولاً أو حيال القطربِ

التهرُّب من الفرائض:-

اُشتُهِر أبو دُلامة بكثرة تهرُّبه من أداء الفرائض، إذ لم يكن يحضر الصلاة الجامعة، كما لم يكُن قادراً على الصِّيام لإسرافه في معاقرة الخمر، لا بل أنه هرب من تأدية مناسك الحَج.

وفي يوم من الأيام؛ وهو واقعٌ تحت وطأة شدَّة السُّكر يتخبَّط في سيره على غير هُدى، فصادف الحرس، فبادروا بسؤاله: من أنت؟ وما دينك؟، فأنشدَ قائلاً:

ديني على دين العبَّــــــــــــــــــــاس .. ما خَتَمَ الطِّين على العبَّاس

إذا اصطبحت أربعـــاً بالكـــــــــاسِ .. فقد أدار شربهـــــــــــــا براسي

فتناهى الخبر إلى مسامع المنصور، فأوعز إلى حرسه بسجنه مع الدَّجاج، فقاموا بذلك، فلما زال عنه أثر السُّكر؛ أنشد أبو دلامة مُخاطباً الخليفة وهو بمعية الدَّجاج:

أمير المؤمنين فدتْـــــــــــكَ نفسي .. علامَ حَبَستَني وخرقْتَ ساجي

أمِن صَهْباء صافيـــــــــــة المَزَاجِ .. كـــأن شعاعهــا لهب السّراجِ

وقد طبخت بنــــــــــــار اللـــه حتى .. لقد صـــارت من النُّطف النضاج

تهشُ لهـــا القلـــــــــوب وتشتهيها .. إذا برزت ترقرق في الزُّجاج

أُقـــــــــادُ إلى السُّجونِ بغيرِ جُــرمٍ .. كأنِّي بعض عُمَّــــــــال الخراجِ

فاستدعاهُ المنصور بعد أن قرأ أبياته، قائلاً له : فما كُنتَ تصنع؟

قال: كُنتُ أقوقئ حتى الصَّباح!، فضحِكَ المنصور وخلَّى سبيله.

الزِّي:-

وكان المنصور قد أخذَ النَّاس بلباسٍ قلانس طُوال، وأن يكتبوا في ظهور ثيابهم “فسيكفيكهم الله وهو السَّميعُ العليم”، وأن يطيلوا حمائل سيوفهم.

فدخل أبو دُلامة عليه في ذلك الزِّي، فقال: كيف حالك يا أبا دلامة؟، فقال: ما حال من صارَ وجهه في وسطه، وسيفه في إسته، وقد نبذَ كلام الله وراء ظهره!!، فأمر المنصور بتغيير ذلك الزِّي.

المصادر:-

جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.

ديوان أبي دُلامة، دراسة أسلوبية، دنفوش سلاف، الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى