أخبار العرب

أبو نواس والرشيد

تعدَّدت المواقف التي جمعت بين كل من الخليفة العباسي هارون الرشيد، وشاعر الخمر والمجون أبي نواس حيث كان للثاني مكانةً خاصَّةً لدى الأول.

وفيما يلي أحد المواقف التي جمعتهما:-

في ذات يوم من الأيام؛ وَجَدَ الرشيد في نفسه انقباضاً (حالة نفسية غير مريحة)، فدخل مقاصير قصره الملوكي في دائرة الحرم وأرسل في طلب أبي نوَّاس، فلمَّا دَخَلَ عليه سلَّم بالخلافة.

فأومأ إليه الخليفة بالجلوس، فجلَسَ، ثمَّ أمرَ بالشَّراب، فلما قُدِّمَ بين يديهما ابتدأ الخليفة يسقيه حتى انفتحت شهيتهُ، وطابتْ نفسه، ودبَّت برأسه حرارةُ الخَمْر، فقال: يا أمير المؤمنين .. إن المُدام من غير طربٍ لا لذلة له.

فقال الخليفة: صدقْتَ يا أبا نوَّاس، ثمَّ أرسَلَ في طلب جارية من المغنِّيات ومعها عودُها، فلمَّا دَخَلَت عليهما لمحها أبو نوَّاس، فإذا هي ميساءُ القَد، حسناءُ الشَّكل، جميلةُ الوجه، تستلفتُ الأنظار بجمالها الباهر، قد ارتدتْ ثوباً أزرق، زادَها حُسناً على حُسْن، وظُرفاً على ظرف، فارتاعَ من هذا الجمال المفرِط وأدهشتهُ ملاحتُها الخلابة، فأنشد:

قُـل للمليحة في الخِمار الأزرقِ ..باللَّه مهلاً واشفِقي وترفَّقي

إنَّ المحبَّ إذا جفاهُ حبيبُه ..هاجتْ به زفراتُ كلِّ تشوُّقِ

فبحقِّ حسنِك من جمالٍ زانه ..هلَّا رَثَيْتِ لقلبِ صبِّ محرقِ

حني عليه وساعِديه على الهوى ..لا تسمعي فيه كلامَ الأحمقِ

فلمَّا فَرَغَ من شعره،، قدَّمت الجارية الشَّراب إلى الخليفة، ثم أخذت العودَ بيدها وأنشدت تقول:

أَتُنصِفُ غيري في هواك وأُظلمُ ..وتُبعِدني والغيرُ فيك منعَّمُ

فلو كانَ قاضٍ للهوى لشكوتُكم ..إليهِ عساهُ بالحقيقةِ يحكُمُ

وإنْ تمنعوني أنْ أمرَّ ببابكـم ..فإني عليكم من بعيدٍ أُسلِّـمُ

فطرِبَ الرَّشيد طرباً شديداً وأمرَ الجارية بإكثار الشَّراب على أبي نوَّاس حتى لعِبَت الخمرةُ برأسه.

فناولتهُ قَدَحاً فأخَذَ منه مصَّةً وأبقاه في يده، فأمر الرشيدُ الجارية أن تأخُذَ منه القَدَح وتُخفيه في حِجرها، ففعلتْ ذلك.. وما كادت الجارية تخفي القَدَحَ حتى هبَّ الرَّشيد واقِفاً وامتشَقَ حُسامه.

ووكَزَ أبا نوَّاس بطرفِهِ ففتَحَ عينيه فأبصَرَ الخليفة واقفاً السيفُ مصلَّتٌ على رأسِه، فَطَاَرَ سكرُه وعادَ إليهِ صوابُه، فوَقَفَ بين يدي الخليفة خاضِعاً، ثم رَكَعَ على قدميه، وقال: عفواً يا أمير المؤمنين، هل حصلَ مني ما أغضبَ جلالتك دون أن أشْعُر؟ فقال الرَّشيد: أنشِدني شعراً.. وأَخبرني فيه عن قَدحِك وإلَّا ضربتُ عُنقَك، فقال أبو نوَّاس مُرتَجِلاً: يا أمير المؤمنين:

قِصتي أعظمُ قِصّـه ..صارِت الظَّبيـةُ لِصَّـه

سرقتْ كأسَ مُدامي ..وامتِصاص منه مصَّـه

سَترتْـه في مكانٍ ..في فؤادي منه غُصَّـه

لا أُسمـيـهِ وَقـــاراً ..للخليفـةِ فيـه حِصّـَه

فضَحِكَ الرَّشيد ثم أعاد سيفه إلى غِمدِه، وقال: قاتَلَكَ الله! ومن أين علِمْتَ ذلك؟

أجاب: بالبداهة .. عندما لم أجِد الكأسَ على الخِوان (ما يوضع عليه الطَّعام ليؤكَل)

فقال الرَّشيد: قد قبِلنا مِنْكَ ما قُلت، ثم أمَرَ له بألفِ درهم وصرفه.

الخليفة العباسي هارون الرشيد

المصدر:-

أبو نواس في نوادره وبعض قصائده، تحقيق سالم شمس الدين.

تعليق واحد

  1. شاعر جميل في عصره ” نرجو ارسال ماهو مفيد للبريد الاكنروني اسفله وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى