أعلامانفوجرافيكس

أبو نواس .. الشاعر الكبير المفتخر بارتكاب الموبقات

قال الإمام الشافعي: "لولا مجون أبي نواس لأخذت عنه العلم"

أبو نواس – الاسم والنشأة :-

الحسن بن هانئ، أبو علي الحِكَمِيُّ ، من أبرز أعلام شعراء العصر العباسي، وُلِدَ ببلدة باب النار بالأحواز في عهد أبي جعفر المنصور وذلك سنة 141هـ-785م، ونشأ بالبصرة، لقبه أبو نواس ؛ لضفيرتين كانتا تَنُوْسَانِ على عاتقيه؛ أي: تضطربان.

أبو نواس يعيش في بيئة غير صحية:-

لم تكُن بيئةِ الحَسن مناسبةً لتجعل منه صاحب سيرة مستقيمة مستقرة، فقد كانَ منزل أسرة أبو نواس بأطرافِ البصرة في بعض الدروب التي تخرُج من سكَّة المربد، وكان هذا البيت من القَصب تسكنه امرأة أهوازية قصدت المدينة العراقية الجنوبية سنة 143 هجرية وبصحبتها زوجها الطرَّاز الحائك، ونظراً لأن الأخير كان حديث العهد في هذه المدينة العظيمة؛ فقد كان رزقه يسيراً متواضعاً، ما دفع زوجته لتُرضع بلبان الحسن ابن السنتين.

لكنها ومع ذلك، لم تجد في مهنة الرِّضاع كثير الغناء، بيد أنه أعانها وأسرتها قليلاً على مواجهة الحاجة وشظف العيش.

ثم توفِّي والد الحسن بن الهانئ، وأصبحت أمه “جُلبان” أرملة بلا سند ولا عائل لولدها، وكانت امرأة جريئة مقدامة، فلم تفتر لها همَّة، لتعمد إلى ما كان لها من صناعة وحرفة، فجعلت تغشى البيوت بما تصنع من جوارب، فنفقت تجارتها وتحسنت أحوالها المعيشية، لترتحل إلى دار في المدينة مُشيدة من الآجر والجص، وقصَدها بعض الراغبين في أشيائها من الغواني والرجال، ليقال: إنهم كانوا يلتقون عندها على موعدٍ وإنها كانت تجمع الأطراف لريبة…

هذه البيئة التي نشأ وترعرع فيها الشَّاعر الماجن، في المدينة المتسعة الرقعة، والتي تغص بالسُّكان من كل لون وسحنة، فهي واسطة العقد بين الشام وفارس، تمتد تجارتها شرقاً إلى الهند والصين، وتمتد غرباً إلى أقصى بلاد المغرب، وترسو مئات السفن في فرضتها تحمل أصناف المتاجر من ناحية البحر أو الرافدين.

ورغم تحسن حالة أمه المعيشية؛ غير أنها بقيت محافظة على عادة البخل التي نشأت عليها وجُبِلَ عليها أهل الأهواز، فقد كانت تعيش على خبز الأرز والكامخ من صغار السَّمك المملَّح المعروف بالصحناء وبعض التمرات، ولم يزل هذا دأبها على نفسها وولدها الذي عاش حياة الفقر والعوز والفساد والبخل.

مسيرته العلمية:-

نشأ أبو نواس في البصرة، وتتلمذ على علمائها، ولازم والِبة بن الحُبَاب الأسدي، وأخذ عنه، وكان من أهل المجون، فاعتنى بأبي نُوَاس، وجعله يمشي على طريقته ومنهجه، وقد سافر معه إلى الأهواز، ثم سافرا معاً إلى الكوفة، وفيها التقى بخلف الأحمر، وأخذ عنه، ونصح أبا نواس أن يسكن البادية لسنة واحدة؛ كي يوسِّع ثقافته اللغوية والأدبية.

هذه الأمور أدت إلى زيادة علمه ونضوجه الأدبي واللغوي، وقد قيل: إنه لم يبدأ قول الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة فما ظنك بالرجال؟! وكان يحفظ سبعمئة أرجوزة.

يعتبرُّ الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في طليعة الخلفاء المسلمين أبو نواس
هارون الرشيد.. الخليفة العباسي الشهير

انتقل بعد ذلك إلى بغداد، وكان عمره حوالي 30 سنة، فذكر إسحاق الموصلي نجابته إلى الرشيد، فاستقدمه ومدحه أبو نواس ، وتعرَّف آنذاك إلى البرامكة، وحاز حُظوة كبيرة عندهم، فلما نكبهم الرشيد سنة 187هـ رحل أبو نواس إلى مصر؛ ليقضي بها بعض الوقت، فمدح واليها الخصيب، ولكنه عاوده الحنين إلى العراق فرجع إلى بغداد بعد وفاة الرشيد، وحظي بمكانة رفيعة عند الخليفة الأمين، وكان الأمين قد حبسه فترة؛ لخلاعته.

كم من حديثٍ مُعْجِـبٍ عِنـدي لَكَــا .. لـــو قدْ نَبَذْتُ بــهِ إليــك لسَرَّكــا

مِمَّـــــا تَخَيَّـــرَهُ الـــرُّواةُ مهــذَّبٍ .. كالــدُّر منتظِمــاً بنَحْرٍ فَلَّكــــا

أَتَتَبَّـــعُ العلمـاءَ أكتُـبُ عنهـــمُ .. كَيْمـــــا أُحَدِّثَ مَـن لَقِيــتُ فيضحَكــا

شعره:-

نهج أبو نواس في شعره نهج الأقدمين مع شيء من التساهل، وكان من أهل الفسق والمجون، وهذا جلب عليه سخط الخلفاء، وكان أحياناً يفتخر بأمور مشينة، وقد احتوى ديوانه على الكثير من الأدب المكشوف، مما حمل البعض على رميه بالزندقة.

أكثر من اشتُهِر من شعره الخمريات، ونحا في ذلك منحة أستاذيه والبة بن الحُبَاب وخلف الأحمر، واعتُبِر من شعراء الخمر والمجون، ومن شعره في ذلك قوله:

ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخَمْرُ.. ولا تسقِني سرّاً إذا أمكن الجهرُ

وَبُحْ باسمِ مَنْ تَهوى ودعْني من الكُنى.. فلا خير في اللّذَّات من دونِها سِتر

الرحالة الإصطخري يصف مدينة البصرة التي ولد فيها قطرب أبو نواس
الرحالة الإصطخري يصف مدينة البصرة التي نشأ فيها الشاعر قبل انتقاله إلى بغداد

وقال أيضاً:

عــاذلِي في المُـــدام غيــر نصيـحـي .. لا تَلُمني على شقيقةِ روحي

لا تَلُمـنــي علــى التــي فتَنَـتـنـي .. وأرَتنـــي القبيحَ غيرَ قبيحِ

قهوةٌ تتــرُكُ الصَّحيــحَ سقيمـــاً .. وتُعِيــرُ السَّقيمَ ثوبَ الصَّحيحِ

إن بَذلـي لها لَبَـــذلُ جــــوادٍ .. واقتنـــــائي لها اقتـــناءُ شحيحُ

وفي الخمريات؛ قال أبو نواس أيضاً:

تَـفتيـــرُ عينيـــكَ دلـيـــلٌ علـــــى .. أنَّــــكَ تشكو سَهَرَ البارِحَــة

عـليــــكَ وجــــهٌ سَـــيءُ حـــالُـــه .. مِـن ليلةِ بِتَّ بها صالِحــه

رائِحَـــةُ الخَمـــرِ وأنفاسُهــــا .. والخَمــــرُ لا تخفى لها رائحه

وغــادةٍ هاروتُ في طَرفِهـــا .. الشمـــسُ في قرقَرها جانِحــه

تستنطِـــقُ العُــــودَ بأطرافِهــا .. ونغمــــةٍ في كبِدي قادِحــه

أبو نواس المشهور بخمرياته

وقال في الخمريات أيضاً:

الأ سَقَنِي خَمراً، وقُل لي هيَ الخمرُ.. ولا تَسقِني سِرَّاً إذا أمكنَ الجهرُ

فما الغُبنُ إلَّا أن تــرانَي صــاحِيـــاً .. ومــا الغُنمُ إلَّا أن يُتعتعني السُّكرُ

فبُح باسمِ مَن تهوى ودَعني مِن الكُنى. فلا خيرَ في اللَّذات من دونِها سترُ

وخَمَّــارةٍ نبَّهتُها بعدَ هَجعــةٍ وقَد .. غــابت الجوزاءُ، وانحدَرَ النَّسرُ

المديح :-

المديح في شعره قليل مقارنةً بخمرياته، ويظهر فيه جانب التكلف، في حيت تظهر أحاسيس المرهفة الصادقة في الرثاء، وغزله يتصف بالرقة والصدق، وقد كان حاد وسليط اللسان في الهجاء.

برز التجديد في شعره من خلال بعض القصائد التي تحدث فيها عن الصيد ووصف الحيوان.

وقد مدح محمد الأمين ابن هارون الرشيد قائلاً:

لقد قامَ خيرُ الناسِ مِن بعدِ خيرِهم.. فليسَ في الأيامِ إذ قامَ معتبُ

فأمسى أميــرُ المــؤمنيـنَ محـمـــد .. ومَـــا بعدهُ للطَّالب الخيرِ مطلبُ

فــلا زالت الآفــــاق عنـــكَ بمعـــزِلٍ .. ولا زِلت تحلو في القُلوب وتعذُبُ

لكَ الطينةُ البيضاءُ من آل هاشمٍ.. وأنتَ وإن طابوا أعفُّ وأطيبُ

أبو نواس كان قريباً من خلفاء بني العبَّاس
أبو نواس كان قريباً من خلفاء بني العبَّاس

وقال يمدح الأمين ويعزيه بالرَّشيد:

نُعزّي أميــرَ المؤمنيــنَ مُحمـــداً .. علــى خَير ميتٍ غيَّبته المقابرُ

فــــإنَّ أميـــرَ المؤمنين مُحمـداً .. لــرابطُ جأشٍ للخطوبِ وصابرُ

زَهَت بأميــرِ المؤمنين محمــد .. أســــرَّةُ ملك، واستقرَّت منابرُ

فــلا زلتَ للإســلامِ عِـــزَّا وناصـــراً .. كمــا أنتَ للإسلامِ عزُّ وناصرُ

ولا زلتَ مرعيَّــــاً بعيــنٍ حفيظـــةٍ .. مِــن اللهِ لا تخطو إليكَ المقادرُ

تَسوسُ أمورَ النَّاسِ تسعين حجَّةٍ.. وهديُكَ محمودٌ ودينك وافرُ

الزهد:-

وأما زهديات أبو نواس فلا وصيف لها؛ إذ تُعبِّر عن صدق لهجته، وخصوصاً وأنه نظَّمها آخر حياته، فأجاد فيه أيما إجادة، ومن زهدياته قوله:

إِلَهَنَا، مَا أَعْـدلَكْ.. مَلِيــكَ كُلِّ مَا مَلَكْ

لبَّيْكَ، قَدْ لَبَّيتُ لَكْ. لَبَّيكَ إِنَّ الْحَمْدَ لكْ

وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكْ.. وَاللَّيلَ لَمَّا أَنْ حَلَكْ

مَا خَابَ عَبْدٌ أَمَّــلَكْ. أَنْتَ لَهُ حَيْثُ سَلَكْ

من شعر أبو نواس

ويقول شاكياً ومتضرعاً:

يَا رَبِّ، إِنْ عَظُمَــتْ ذُنُــوبِي كَثْرَةً .. فَلـقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ

إِنْ كَـانَ لا يَرْجُــوكَ إِلَّا مُحْسِـــنٌ .. فَبِمَــنْ يَلُوذُ، وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ

أَدْعُـوكَ رَبِّ كَمَــا أَمَرْتَ تَضَرُّعـــاً .. فَـــإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ

مَــا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَــةٌ إِلَّا الرَّجَــا.. وَجَمِيــلُ عَفْوِكَ… ثُمَّ أَنِّي مُسْلِــمُ

الهجاء:-

وقال يهجو جعفر بن يحيى البرمكي، الوزير الذي لم يبلغ سواه من الوزراء منزلته ومكانته عند هارون الرشيد:

لقد غرَّني من جعفر حُسنُ بابــــهِ .. ولم أدرِ أنَّ اللؤمَ حشو إهابــهِ

ولستُ وإن أخطأتُ في مَدحِ جعفرٍ.. بأول خلقٍ خارئٍ في ثيابــهِ

وقال للعباس بن جعفر بن محمد الأشعث الخزاعي:

قُل لبني الأشعَث لن تُصلــحوا .. بالَّلـــــوم عِندي أمرَ عَبَّــاسِ

حتـــى تــردُّوه إلـى ربِّــــه …. يطبــعــــــهُ خلقاً من الرَّاسِ

ألــــومُ عبــاســاً علـى بخلــــهِ .. كـــــــأنَّ عبَّاســـاً من النَّـــاسِ

وإنَّمَـــــا العبَّـــــاسُ في قومــهِ .. كالثَّــــوم بين الـوردِ والآسِ

الرثاء:-

أبو نواس ليس من هؤلاء الشُّعراء الذين يميلون لنظْم الشِّعر الرثائي، غير أنه كان ينظم بعض الأبيات التي تعبِّر عن شعوره بفقدانه لعزيز عليه، فحينما صُرِعَ الخليفة الأمين بن هارون الرَّشيد؛ استولى على أبي نوَّاس يأسٌ وقنوط، فأنشَدَ قائلاً:

طَوى الموتُ ما بيني وبين محمــــدٍ .. وليـسَ لِـمَا تطوي المنية ناشِرُ

فَــلا وصل إلَّا عِبرةً تَسْتديمهــا .. أحــاديثُ نفـسٍ مَا لها الدَّهر ذَاكِر

وكُنتُ عليهِ أحــذرُ المَــوتَ وحْـدَهُ .. فلَـم يبقَ لي شيءٌ عليهِ أُحاذِرُ

لئـــن عُمِـــرَت دورٌ بِـمَـــن لا أودّه .. لقَــــد عُمِرَت ممن أحُبُّ المقابر

أقوال العلماء فيه:-

قال أبو عبيدة: ” أبو نواس لِلْمُحْدَثِيْنَ، كَامْرِئِ القَيْسِ لِلْمُتَقَدِّمِيْنَ”.

وقال الجاحظ: “ما رأيتُ أحداً كان أعلمُ باللغة من أبي نواس ولا أفصح لهجةً ، مع حلاوة ومجانبة لاستكراه”.

الجاحظ الأديب المتهكم اللاذع والفيلسوف المعتزلي يتحدث عن أبو نواس
الجاحظ.. الأديب والفيلسوف

وأنشد له النظَّام شعراً ثم قال: “هذا الذي جمع له الكلام فاختار أحسنه”.

وقال كلثوم العتابي: “لو أدرك أبو نواس الجاهلية ما فُضِّلَ عليه أحد”.

وقال الإمام الشافعي : “لولا مجون أبي نواس لأخذت عنه العلم”.

وقال عنه أبو بكر الصولي : “واعلم – أعزَّك الله- أن أبا نواس أشد الناس اختصاراً للفظ، وأبلغهم في شعره، وأبعد أهل طبقته أن يقع عليه تدليس في شعره أو تشبيه كلامه بكلامهم، ولو لم يكن كذلك؛ لما ذهب أيضاً على العلماء بالشعر، ولا يخفى عليهم صحيحه من سقيمه”.

وصفه ابن المعتز فقال: “كان أبو نواس آدب الناس وأعرفهم بكل شعر، وكان مطبوعاً لا يستقصي ولا يحلل شعره، ولا يقوم عليه، ويقوله على السكر كثيراً، فشعره متفاوت لذلك، وكان يسحر الناس؛ لظرفه وحلاوته وكثرة مُلحه، وكان شديد التعصب لقحطان على عدنان، وله فيهم أشعار كثيرة، يمدحهم ويهجو أعداءهم”.

ويقول أبو عمرو الشيباني العالم اللغوي الشهير: ” لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرَّفَث لاحتججنا بشعره، لأنه محكم القول”.

يقول عنه الدكتور جميل سعيد في مقدمة ديوان أبي نواس برواية الصولي والذي حقَّقه بهجت الحديثي: “هو شاعر مرهف الحس، وقد يكره العرب ساعةً؛ فيقول فيهم ما لا يستطيع أن يقول مثله غيره، وقد يكره الفرس ساعةً؛ فيقول فيهم ما لا يقول غيره أيضاً”.

ويقول الدكتور علي الجرجاني: “لو تأملَّتَ شِعر أبي نواس حقَّ التأمُل، ثم وازنتَ بين انحطاطه وارتفاعه، وعَدَدتَ منفيِّه ومختاره، لعظَّمت من قَدرِ صاحبنا ما صغّرت، ولأكبرتَ مِن شأنهِ ما استحقرت.. وهو الشَّيخُ المُقدَّم والإمامُ المفضَّل الذي شَهِدَ لهُ خَلَف وأبوعبيدة والأصمعي، وفسَّر ديوانه انُ السكيت، فهل طَمَست معايُبه محاسنَه؟ هل نقَصَ رديُّه من قَدرهِ الجيِّد..”.

كان أبو نوَّاس رقيق الطَّبع، ظريف النُكتة، خفيف الظِّل، شديد السُّخرِ والاستهزاء، ماجِناً لا يُبالي ما يقولُ وما يفعل، وقد يتزيَّا بزيِّ الزُّهَّاد ليتوصَّل إلى فاحِشَةٍ يرتكبها أو معصية يقترفُها، وكان يُؤثِر المُجَاهَرَةَ بفُجُورهِ وسُكْرِه، ويكره التَستُّر والمُتستِّرين، وصراحتهُ جعلتهُ لا يحفل بأقوال النَّاس، ولا يخجل من التَّحدُّث بتعهُّرِهِ.

— بطرس البستاني.

ملامح من معالم شخصية وأفكار أبي نواس:-

  • ركِب المحارم وبالغ في مجاهرته بالمعاصي فعلاً وقولاً في شعره الذي غصَّ بالمجون والقبح الذي ينال من حرمة الدين أحياناً.
  • هذا الأمر جعله عُرضة للقتل، لأن شعره جرَّ عليه فتاوى التعزير والضرب والحبس.
  • رغم فواحشه؛ غير أنه لم يكن من الملاحدة، فقد كان مؤمناً مصدِّقاً بقلبه، حيث ردَّ على من كان يوبخه على أفعاله بالقول: “والله إني أعلم ما تقولون، ولكن المجون يفرط بي، وأرجو أن أتوب فيرحمني الله عز وجل”.
  • كذلك كانت البيئة التي عاشها في طفولته في البصرة وفي مرحلة نضوجه وشيخوخته ببغداد؛ بيئة غير مثالية وذلك نظراً لتفشي ممارسة الرذائل في كل موضع من مواضع المدينين.
  • لقد ختم أبو نواس إحدى قصائده في وصف الخمر، معرِّضاً ببعض أصحابه من وجوه فلاسفة المعتزلة، وتحديداً إبراهيم النظَّام، نظراً لمعارضته مثلهم لهذا المذهب في العفو عن مرتكب الكبيرة قائلاً:

فقُل لِمن يدَّعي في العِلمِ فلسفةً: حَفِظتَ شيئاً وغَابت عَنكَ أشياءُ

لا تَحظرِ العفوَ إن كنت امرأً حَرِجاً.. فــإن حَظـركَهُ بِالدّين إزراءُ

عاش أبو نواس مقربا من الرشيد والأمين واستفاد من مدحهما
عاش مقربا من الرشيد والأمين واستفاد من مدحهما

تقهقر:-

لقد دفع أبو نواس ثمن حياة اللهو باهظاً، إذ ساءت صحته وتدهورت، وفعلت فِعلتها في بُنيته، ليدُب الوهن إلى قوته، ولتبادره الشيخوخة قبل أوانها، وليُسرع له الشيب مبكراً، ليقولَ في ذلك:

شيَّبَ رأسِيَ الهــوى على صِغَــرِ .. وليـس شيبيَ من باطــن الكِبَرِ

وإذا عَدَدتُ سِنيَّ كم هِيَ ، لم أجِد.. للشيب عُذراً في النُّزول برأسِي

وتقهقرت صحته بشكل متسارع، حيث تتابعت عليه الأسقام والأوصاب، وهو يغالبها بالشراب واللهو، حتى أثقله المرض وحال دون تمكنه من الحركة، فلزم بيته أياماً، وقد عاده أصدقاؤه، حيث أن لم ينفك ينظم الشعر رغم ذهاب لحمه والوهن الذي أصاب عظمه، ليقول لأصحابه:

شِعـرُ حيٍّ أتـــاكَ في لفــظِ مَيتٍ .. صَــارَ بين الحياةِ والموتِ وقفــا

لو تــأملـتَنــي وأبصـــرتَ وجــهــي .. لَـــم تجِد من مثالِ رسميَ حرفــا

نَفَسٌ خافِتٌ، وجســمٌ نحيـــلٌ .. أرمضتــهُ الأسقـــامُ حتى تعفَّى

وفاته:-

وكانت وفاته ببغداد في سنة تسع وتسعين ومائة، وعمره حينذاك تسع وتسعون سنة، ودُفِنَ في مقابر الشونيزي في التل المشهور بـ”تل اليهود”، على شاطئ نهر عيسى.

 وقبل وفاته؛ قال أبو نواس لعواده: “لا تشربوا الخمر صِرفاً، فإني شربتُها صِرفاً؛ فأحرقت كَبِدي”.

تعرف على جامع خالد بن الوليد في حمص .. مرقد سيف الله المسلول

المصادر:

  • الأعلام (2/225).
  • أدباء العرب في الأعصر العباسية، بطرس البستاني.
  • سير أعلام النبلاء (9/279/رقم 77).
  • العصر العباسي الأول، شوقي ضيف.
  • أبو نواس ، قصة حياته وشعره، عبدالرحمن صدقي.
  • ديوان أبي نواس برواية الصولي، تحقيق بهجت الحديثي.
  • الوساطة بين المتنبي وخصومه، علي الجرجاني.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه.
  • الموسوعة العربية (21/103).
  • المكتبة الرقمية العالمية.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى