أخبار العرب

أبو مِحْجَن الثقفي وطُرَف من حياته

أبو مِحْجَن الثقفي هو عُروة بن حبيب، كان شَاعراً فارِساً، قد اُشتُهِر بمُعاقرة الخَمْر بل ويقول فيه الشِّعر أيضاً.

وبسبب ذلك؛ عاقبهُ الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه عدَّة مرَّات، ثم أخرجه للعراق، فشَرِب، فحدَّه سعد بن أبي وقاص في قصر العُذَيْب، وكان سعد مريضاً في القصر، وأقامَ المسلمون في حرب القادسية أيَّاماً، فوجَّهت الأعاجِمُ قوماً إلى القَصر ليأخذوا من فيه، فاحتال أبو مِحْجَن حتى ركِبَ فرس سعدٍ من دون علمه، فخَرَجَ فأوقَعَ بهم؛ فرآه سعد، فلمَّا انصرف بالظَّفر خلَّى سبيله، وقال: لا أضربُكَ بعدها في الشُّرب، قال: فإنّي لا أذوقها أبداً.

معركة القادسية برواية أخرى أكثرَ توسُّعاً:-

كانَ أبو مِحْجَن مع الصَّحابي الجليل سعد بن أبي وقَّاص في معركة القادسية، وكانَ الأخير لا يزالُ يرى الأول شارِباً، فقال له: لتنتهين أو لأوجِعنَّك ضَرباً، فقال: لسْتُ تاركها لقولِك أبداً، وبلغهُ أنَّه قال:

ألا اسقني يا صـــــاحِ خمراً فإننــــي .. بمـا أنزل الرحمن في الخمر عالمُ

وجِدْ لي بها صـرفاً لازداد مِأثمــــاً .. ففي شُربِها صرفاً تتم المآثم

هي النَّـــــار إلَّا أنني نِلـــــت لـــذةً .. وقضيتُ أوطاري وأن لامَ لائمُ

فأمر سعد به فحُبِس في قصر العُذَيب، فلمَّا تواقَعَ القوم بالقادسية؛ نظَرَ أبو مِحْجَن إلى النَّاس قد فشلوا، فقال:

كفى حَزَناً أن تطعن الخيلُ بالقنا .. وأصْبحَ مشدوداً عليَّ وَثَاقيا

إذا قُمتَ عنّاني الحديدُ وغلقَت .. مَصاريع من دونيْ تصمُّ المُناديا

وقد كُنتُ ذا مالٍ كثير وأخوَّة .. فأصبحتُ منهم واحداً لا أخاليا

فإن مِتُّ كانت حاجة قد قضيتها .. وخلَّفتُ سعداً وحدهُ والأمانيا

وقال لامرأة سعد: أطلقيني ولكِ عليَّ عهدُ الله وميثاقهِ لئن فتَحَ الله على المسلمين وأنا حيٌ لأرجِعنَّ إلى محبسي، فأطلقتهُ فرَكِبَ فرساً بلقاءً لسعدٍ وخَرَجَ فشَقَّ الصُفوف مُقبلاً ومُدبراً وأشرَفَ سعد من القصر، فنَظَرَ فقال: لولا أن أبا مِحْجَن مُقيَّد، لقُلتُ: إن الفارس أبو مِحْجَن وهذه فَرَسيَ البلقاء، فلمَّا انتصر المسلمون؛ أقبل أبو مِحْجَن راجعاً فرأته إحدى زوجات المُجاهدين، فَظنَّت أنه مُنهزم فقالت:

مَن فــــارسٌ كره الطِعـانَ يُعيرني .. رُمحاً إذا نزلوا بمرج الصفرِ

أي يُعيرني رمحه لأُطاعن به عنه، وتعيّره الفرار، وتقول: إذا فرَّ الرجال؛ فينبغي أن يقاتلَ النِّساء، فردَّ عليها أبو محجَن قائلاً:

إنَّ الكِــرام على الجيــــاد مَقيلهم .. فذَري الجِيادَ لأهلها وتعطَّري

فلمَّا رجِعَ سعد إلى منزله؛ سأل امرأته عن أبي مِحْجَن فأخبرته بقصته فدعا أبا مِحْجَن، وقال: لا والله لا عاقبتك على الخمر أبداً، فقال: وأنا والله لا أشربها أبداً، إنَّما كنتُ أشربها إذ كنتم تظهروني.

وعندما انتهى من أداء دوره في القادسية؛ عاد أبو مِحْجَن إلى سجنه ووضع القيود في يديه وأنشد:

لقد عَلِمَـــــتْ ثقيـف غير فخـــــرٍ .. بأنـــا نحنُ أجودُها سُيوفاً

وأكثرها دُروعــاً ضافيــــــــــــاتِ .. وأصبرها إذا كرهوا الوقوفا

وأنــا رفدهم في كُـــــــــــــل يـــومٍ .. فــإن غضُبوا فَسَلْ بهم عريفا

وليلــــةُ قــادسٍ لــــم يشــعروا بي .. ولـم أشِعْر بمخرجي الزحوفـــا

رجلٌ على قبر الثقفي:-

ولمَّا ماتَ أبو مِحْجَن؛ وقَفَ رجلٌ على قبره، فقال: رحمك الله أبت مِحْجَن!، فواالله لقد كُنتَ قليل المِراء، جيَّد الغِناء، غير نعَّاس، ولا عبَّاس، ولا حباس للكاس.

نجله عند معاوية:-

دَخَلَ ابن أبي مِحْجَن على معاوية بن أبي سفيان في دمشق، فقال له: أبوكَ الذي يقول:

إذا مِـــــــــتّ فادْفنِّي إلى جَنْبِ كَرْمةٍ .. تروِّي عظامي بعد موتي عروقُها

ولا تدفنَنِّي في الفَـــــــــــــــلَاة فإنَّني .. أخـــافُ إذا مــَــــــا مِتُّ ألَّا أذوقها

فقال : يا أمير المؤمنين؛ لو شئتَ لذكرتُ مِن شعرهِ ما هوَ أحسَن من هذا وأنشَد:

لا تسألي القومَ عن مالي وكَثْرَتِــــهِ .. وسائلي القومَ عن بأســي وعَن خُلُقي

القـــومُ أعلمُ أني من سُـــــــــــراتهم .. إذا تطيـــشُ يد الرِّعْدِيدة الفَرِقِ

أُعْطِي السّـــــنانَ غداةَ الروعِ حصَّتــهُ .. وعامــلُ الرُّمْحِ أَروِيــهِ منَ العَلَقِ

وأطعنُ الطَّعنةَ النَّجْلاءَ عَن عِرْضٍ .. وأكتُــمُ السرَّ فيـه ضَرْبَةَ العُنُقِ

فقال معاوية: لئن كنَّا أسأنا المقال، لا نسيء الفِعال، وأمر له بصِلَةٍ.

المصادر:-

جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.

ثقيف ودورها في التاريخ العربي الإسلامي حتى أوخر العصر الأموي، الدكتور عاطف القيسي.

ديوان أبي مِحْجَن الثقفي وشرحه، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل.

Image by Steve Buissinne from Pixabay 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى