أعلام

الإمام أبو منصور الماتريدي .. الزاهد والمتكلم الأصولي

يذهب إلى أن الإنسان بوسعه معرفة اللَّه، وهو ملزم بذلك

اسمه ونشأته:-

الإمام أبو منصور الماتريدي السمرقندي هو محمد بن محمد بن محمود، نسبته إلى ما تُريد محلة بسمرقند، متكلم أصولي، وُلِدَ في سمرقند، ولم يذكر المؤرخون تاريخ ولادته، ولكنه من علماء القرن الرابع الهجري.

مكانة الإمام أبو منصور الماتريدي العلمية:-

من أئمة علماء الكلام، حنفي المذهب، متكلم، وفقيه، ومُفسِّر للقرآن الكريم، ويعتبر مؤسس مدرسة مذهبية أصبحت فيما بعد إحدى مدرستين سُنِّيتين في علم الكلام.

أحد مساجد سمرقند في العام 1905م المدينة التي ولد فيها الإمام أبو منصور الماتريدي
أحد مساجد سمرقند في العام 1905م

وقد تلقى العلم أساساً على يدي شيخه أبي نصر أحمد بن العباس العياضي، وقد قُتل في الفترة بين عامي 261-276هـ، وقد قيل: إنه كان محل احترام من معلمه الذي لم يكن ليدخل في جدال فكري مع أحد إلا بحضوره.
ويقول بعض المؤلفين من أهل المرحلة المتأخرة عنه: إنه درس أيضاً على يدي معلمي العياضِية أبي سليمان الجُزْجَاني، ونُصير بن يحيى البَلْخِي، ومحمد بن مقاتل الرازي.

ويقال: إنه عاش حياة الزهد، وكانت له بعض الكرامات.  
ومن بين تلاميذه أبو أحمد العيَّاضي ابن شيخه أبى نصر، وأبو الحسن الرُّشْتُغْفَني، وعبد الكريم بن موسى اليزْدوي الجَد الأكبر لأبي اليسر اليزدوي.

مذهب الإمام أبو منصور الماتريدي ومنهجه:-

تقيد الماتريدي بمذهب أبى حنيفة، على نحو ما نقله وطوره فقهاء الحنفية فى بَلْخ وما وراء النهر، وذلك على عكس الأشعري مؤسس مذهب السنة في علم الكلام الذي زاوج أفكاره بالمذهب الحنبلي التقليدي.كما عمل على تطوير تعاليم المذهب الحنفي التي سبق لها أن ذاعت في الشرق الإسلامي، وذلك بطريقة منهجية، وداحضاً بالأدلة مواقف المعتزلة، لا سيما ممثلهم الرئيسي في المشرق أبو القاسم البَلْخي، وداحضاً الكُرَّاميَّة (الحشوية) من أهل السنة التقليديين، والشيعة الإمامية، والإسماعيلية ممثلين في محمد بن أحمد النسفي (ت 322هـ) فيما وراء النهر.

مسجد أبو حنيفة في مدينة بغداد
مسجد أبو حنيفة في مدينة بغداد

أما عن الأديان الأخرى؛ فقد رد على آراء المسيحيين، واليهود، والزرادشتيين، والمانوية، وغيرها.

ومذهبه -في جوهره- أكثر عقلانية بصفة عامة، وباستثناء تعريفه للإيمان القائم على فكر المرجئة، فهو أقرب إلى المعتزلة منه إلى الأشاعرة، ولكنه في مفاهيمه ومصطلحاته الفنية كان أقل تأثراً بالمعتزلة منه بالأشاعرة، وكان معتزلياً متدربًا قبل أن ينشق عليهم.

آراؤه العقدية:-

يذهب إلى أن الإنسان بوسعه معرفة اللَّه، وهو ملزم بذلك، وملزم بحمد اللَّه وشكره وهو في التزامه هذا يستند إلى العقل وحده دون الاستعانة بالوحي أو النبوة.
وفيما يتعلق بصفات اللَّه فهو يرى -شأنه شأن المعتزلة- أنه من الجائز اللجوء إلى التفسير المجازي للتعبيرات التي تنطوي على تشبيه الذات الإلهية بالإنسان في القرآن الكريم، وذلك على الرغم من أنه رفض بعض التفسيرات المعتزلية في هذا الشأن.

وفى مواضع أخرى نراه يستند إلى صيغة “بلا كيف” التقليدية، إذ يصر على قبول النص الذي نزل به الوحي دون تساؤل، وهو يرى -على عكس المعتزلة- أن الصفات الإلهية؛ مثل: العلم والقدرة، صفات حقيقية وقائمة بالذات الإلهية وعلى الرغم من قبوله التمييز -من حيث المصطلحات الفنية- بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، إلا أنه يرى -على عكس المعتزلة والأشاعرة- أن الصفات الفعلية أبدية أيضاً وقائمة في الذات الإلهية.

ولذلك فهو يؤكد على أن التعبيرات من قبيل “اللَّه هو الخالق أبدا”، وأن اللَّه “لم يزل” خالقاً، تعبيرات صحيحة رغم أن العالم المخلوق عالم مؤقت.
وكان رأيه القائل بأن “التكوين”؛ أي إيجاد الموجودات، أبدي ويتميز عن “المكوّن”؛ يعنى الموجودات، إلا أن هذا الرأي كان محل جدل مع الأشاعرة.

بغداد في العام 1932 وهي إلى جانب البصرة شهدتا خلال العصر العباسي جدلاً كلامياً واسعاً
بغداد في العام 1932 وهي إلى جانب البصرة شهدتا خلال العصر العباسي جدلاً كلامياً واسعاً

وكان الماتريدي يؤكد “رؤية” المؤمن للَّه في الآخرة، ولكنه يرفض فكرة إمكانية إدراكه؛ أي إمكان إدراكه بالعين.
ويرى أن “الكلام” صفة من صفات اللَّه الأبدية، وإن كنا لا نسمع هذا الكلام، وهو بذلك -شأنه شأن المعتزلة- يؤكد طبقاً لما جاء في القرآن الكريم {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] أن اللَّه خلق صوتاً وجعل موسى يسمعه.

أما عن القدر المكتوب وحرية الإرادة فكان موقف الماتريدي وسطًا بين المعتزلة والأشاعرة، فهو يرى أن أفعال الإنسان من خلق اللَّه وخاضعة لإرادة اللَّه ومشيئته، وإذا كانت أفعال الإنسان هي من فعل اللَّه من جهة، فهي من جهة أخرى أفعال صادرة عن الإنسان، على سبيل الحقيقة لا المجاز، ونابعه من اختياره الحر.

ويؤكد الماتريدي أن اللَّه لا يُضل إلا من يعلم أنهم سيختارون الطريق المعوج، ولا يهدى إلا من يعلم أنهم سيختارون الطريق المستقيم، فالاختيار مبدئياً هو اختيار الإنسان لا اختيار اللَّه كما يرى الأشاعرة.

كتب الإمام أبو منصور الماتريدي:-

كتاب التوحيد أشهر مؤلفات الإمام أبو منصور الماتريدي
  1. التوحيد.
  2. أوهام المعتزلة: وهو يرد فيه على ما جاء في ثلاثة كتب للمعتزلي القاسم البلخي الكعبي (ت 319هـ)، وكتاب «أوائل الأدلة»، وكتاب «تهذيب الجدل»، وكتاب «في وعيد الفسوق»، وهي ردود على كتاب «الأصول الخمسة» للمعتزلي عمر الباهلي، وهو من المقربين إلى أبي علي الجُبَّائي.
  3. الرد على القرامطة.
  4. مآخذ الشرائع، في أصول الفقه.
  5. الجدل.
  6. تأويلات القرآن: كتاب في تفسير القرآن الكريم، جمعه تلاميذه، ومن هنا جاء أقل غموضاً من مؤلفاته الأخرى التي كتبها بنفسه.
  7. تأويلات أهل السنة.
  8. شرح الفقه الأكبر المنسوب للإمام أبي حنيفة.
  9. رسالة في العقائد.

وفاته

توفي في سمرقند (أوزبكستان) سنة 333هـ.





المصادر:

  • الأعلام (7/19).
  • معجم المؤلفين (11/300).
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (29/8957).
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق