أعلام

أبو مدين شعيب.. قطب الصوفية في بلاد المغرب

يعرف بـ"شيخ مشايخ الإسلام" ولقبه ابن عربي بـ"معلم المعلمين"

مولده ونشأته:

شعيب بن الحسين الأنصاري الأندلسي (514- 589هـ / 1120- 1193م)، أبو مدين الغوث الذي ينحدر من قرية قطنيانة بإشبيلية، وعلى الرغم من أصله الأندلسي؛ إلا أنه عاش في بلاد المغرب أكثر مما عاشه في الأندلس، فمكانته العلمية وشهرته كأحد أعلام التصوف إنما برزت في بجاية وفاس. إذا فهو أندلسي الأصل والمولد ومغاربي الشهرة.

الارتحال إلى المغرب:

غادر أبو مدين شعيب الأندلس نحو العدوة المغربية، فنزل بطنجة ولما يجد فيها ما يكفي حاجته للعلم والتعلم؛ اتجه نحو مراكش وهي عاصمة دولة الموحدين التي تحكم بلاد المغرب آنذاك.

الإدريسي يصف مدينة طنجة التي عاش فيها الشيخ شعيب
الإدريسي يصف مدينة طنجة التي عاش فيها الشيخ شعيب

حينها قيل له إنه إذا أراد العلم فعليه بمدينة فاس، ففعل وارتحل إليها، فعكف في مسجدها الجامع يحفظ القرآن ويدرس العلوم الدينية والتصوف على يد واحد من كبار رجال التصوف في المغرب الشيخ أبو الحسن علي بن حرزهم، وكثيرا ما كان يثني عليه ويخصه بالتبجيل من بين أصحابه، وتعلم أيضا على يد الفقيه العلامة أبي الحسن ابن غالب، أما تشرُّب الصوفية؛ فقد عكف على الشيخ أبي يعزى ينهل منه حتى أصبح صوفيا.

سافر أبو مدين شعيب إلى المشرق لأداء فريضة الحج، وهناك لقي الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني الذي تنسب له الطريقة القادرية، وأخذ عنه الكثير ودرس عليه علم الحديث، وألبسه الخرقة بيده، وقد كان أبو مدين يفتخر كثيرا بلقائه هذا مع الشيخ عبد القادر.

استقرار شعيب في بجاية:

بعدما أكمل تكوينه الديني والروحي؛ استقر المقام بأبي مدين شعيب في مدينة بجاية وقد كانت في مركز إشعاع علمي وثقافي هام في المنطقة، يشتغل بالتربية والتعليم، وهناك كان يقصده الطلبة والمريدين من شتى أنحاء المغرب والأندلس، فتخرج على يده مئات الشيوخ والعلماء، ويذكر التادلّي أنه تخرج على يده ألف شيخ من الأولياء، فلقب “شيخ مشايخ الإسلام” و”إمام العباد والزهاد“.

لم يغادر أبو مدين شعيب بجاية إلا عندما أرسل إليه السلطان الموحدي يعقوب المنصور لإحضاره إلى مراكش، بسبب وشاية مغرضة استهدفته، ولكنه فيما يبدو لم تكن وشاية بقدر ما كانت شهرة أبو مدين شعيب التي طفقت بلاد المغرب، حيث أضحت كثرة تلاميذه ومريديه مثار قلق السلطان ومخاوفه، خاصة وأن تعاليمه الصوفية كانت تختلف عن منهج الموحدين.

أبو مدين شعيب

يعدّ أبو مدين شعيب أحد أهم أقطاب التصوف في بلاد المغرب، ويعود له الفضل في تأسيس العديد من الطرق الصوفية في المنطقة، فإليه تعود جذور الطريقة الشاذلية.

كراماته:-

أورَد النبهاني في كِتابه ” جامع كَرامات الأولياء” مجموعةً من الكَرامات التي حصلت مع  أبي مدين شعيب ، ننقلها على ذِمَّة المصدر المذكور:

  • قال ابن العربي: وكان شيخنا أبو مدين إذا خَطَرَ له خاطِر في نفسه؛ وَجَدَ جوابه مكتوباً في ثوبه الذي عليه، فَخَطَرَ له يوماً أن يُطلِّق امرأته، وكان بحضور العارِف أبي العبَّاس الخشَّاب، فرأى مخطوطاً في ثوب الشَّيخ:” أمسِك عليكَ زوجك”.
  • كان الوَحش يذِل له، فإذا رآه ارتعَدَ لهيبته، مرَّ بحِمار ٍأكَل َالسبعُ نصفهُ وصاحبه ينظُر عن بُعد، فذَهَبَ بصَاحِب الحِمار إلى الأسد، وقال: امسك بأذنه واستعمله مكان حِمارك حتَّى يموت، فركِبه واستعمله سِنين حتَّى مات.
  • أثناء سياحته؛ دَخَلَ على عجوز في مغارة، فأقام عندها، فجاء ابنها آخر النَّهار فسلَّمَ عليه، فقدَّمت العجوز سُفرةً فيها صَحن وخُبز، فقَعَدَ الشَّيخ والابن يأكلان، فقال الابن: تمنيت أن لو كَان هذا كَذا، فقال الشَّيخ: سَمِ الله وكُل ما تمنيت، فلم يَزَل يُعدِّد التمني وهو يقول مقالته الأولى واللَّون الواحد ينقلب ألواناً كثيرة ويجِد طعم ما يتمنَّى.
  • اتفق له أنَّهُ نَسِيَ في جيبه ديناراً، وكان كثيراً ما ينقطع في جبل الكواكِب، وكانت هناك غَزالة تأتيه فتدرُّ عليه، فيكون ذلك قوته، فلمَّا جاء إلى الجبل؛ جاءت الغزالة وهو مُحتاجٌ إلى الطَّعام، فجاءها على عادته ليشرب من لبنها فَنَفَرَت عنه وما زالت تنطحه بقرونها، وكُلَّما مدَّ يده إليها؛ نَفَرَت منه، فَفَكَّرَ في سبب ذلك، فتذكَّر الدينار فأخرجهُ من جيبهِ ورمى به، فجاءته الغَزَالة وأنِست به ودرَّت عليه.
  • وكان ماشياً يوماً على ساحِلٍ فأسَرَه العَدو وجعلوه في سفينةٍ فيها جماعة من أسرىً مسلمين، فلمَّا استقر في السفينة؛ توقَّفَت عن السَّير، ولم تتحرَّك من مكانها مع قوة الرِّيح ومساعدتها، وأيقنَ الرُّومُ أنَّهم لن يقدورا على السَّير، فقال بعضهم: أنزِلوا هذا المُسلِم فإنَّه قِسَّيس ولعله من أصحابِ السَّرائر مع الله تعالى، وأشاروا له بالنُّزول، فقال: لا افعل إلَّا إن أطلقتُم جميعَ من في السَّفينة مِن الأسارى، فعلموا أن لا بُد لهُم من ذلك، فأنزلوهم كُلهم وسارَت السفينة في الحال.

وفاة شعيب:

توفي أبو مدين شعيب وهو في طريقه إلى مراكش بعدما استدعاه السلطان يعقوب المنصور، في منطقة وادي يسر بالقرب من تلمسان، وقد اختلف في تحديد تاريخ وفاته بالضبط بين 593 أو 594 أو 589 هـ وهو الأرجح، وهناك وقبل وفاته؛ يعتقد بعض المؤرخين أنه التقى بالشيخ محي الدين ابن عربي الذي كان بتلمسان حينها في طريقه إلى بجاية وتونس.

 دفن أبو مدين شعيب في قرية العباد وبني له فيها ضريحا فيما بعد على عهد السلطان المريني الناصر، الذي جعل من العباد مدينة عامرة، ولا يزال ضريحه قائما إلى اليوم.

آثار شعيب:

ترك أبو مدين شعيب الكثير من الأشعار الصوفية، فبالإضافة إلى علمه؛ فقد كان الشيخ أبو مدين شعيب قد قرض شعرا جميلا في اللفظ والتركيب ثرياً في معانيه الروحية،  ويمثل شعره التجربة الشعرية الصوفية بما تحمله من مميزات وخصائص اتسم بها التصوف في الغرب الإسلامي ولعل أبرزها التصوف الفلسفي الذي يعد أبو مدين شعيب أحد أعلامه الكبار.

جمعت أشعار وأزجال موشحاته في ديوان سمي ” ديوان أبي مدين شعيب “، ويعتقد أنه يضم كل ما يعتقد أنه من نظمه.

مختارات من شعره:

مطلع قصيدة “إليك مددت الكف”:

إليك مددت الكف في كُلِ شِدَّة ..

ومنك وجدت اللطف في كل نائب

وأنت ملاذي والأنام بمعزل ..

وهل مستحيل في الرجاء كواجب

فحقق رجائي فيك يا رب واكفني ..

شمات عدو أو إساءة صاحب

قصيدة غياث الورى:

يا من يغيث الورى من بعد ما قنطوا ..

ارحم عبيدا أكف الفقر قد بسطوا

واستنزلوا جودك المعهود فاسقهم ..

ريّا يريهم رضا لم يثنه سخط

وعامل الكل بالفضل الذي ألفوا ..

يا عادلا لا يرى في حكمه شطط

تلمسان
تلمسان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

المصادر:

  • نفح الطيب، ج7، لسان الدين الخطيب
  • أبو مدين الغوث، الإمام عبد الحليم محمود.
  • ديوان أبي مدين الغوث، عبد القادر سعود، سليمان القرشي.
  • جامع كرامات الأولياء للنبهاني، تحقيق إبراهيم عطوه.
الوسوم

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق