Uncategorized

أبو قيس بن الأسلت .. الشاعر والمُحارب والحَنيف

فارسٍ عربي أصيل، ذو خُلُق نبيل، وقد تبايَنت أغراضه الشعريّة بين الغَزَل، والفخر، والحماسة، والهجاء

من هو أبو قيس بن الأسلت ؟

أبو قيس بن الأسلت هو صَيفِيّ بن عامر الأَسْلَت بن جشم ابن وائل بن زيد بن قيس بن عمارة بن مُرَّة بن مالك بن الأوس، اختُلف في اسمه، فقيل صيفي، أو الحارث، أو عبد الله، وقيل غير ذلك، والأسْلَت هو لقب أبيه، وهو شاعر فَحل مُخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وكان من سادة أَوْس وفُرسانها.

أبو قيس بن الأسلت وإسلامه:-

أبو قيس بن الأسلت مختلفٌ بشأن إسلامه، ففي ترجمة ابنه الصحابي عقبة بن أبي قيس – الذي استُشهِد في معركة القادسية – علّق أبو عُبيد القاسم بن سلَّام قائلًا: “له ولأبيه صُحبة”، وقال عنه عبد الله بن محمد بن عمارة بن القداح :”بعد أن اجتمع أبو قيس بن الأسلت بالنبي – صلّى الله عليه وسلّم – كان يَحضّ قومه على الاستباق إلى الإسلام، وقد كان يتألَّه في الجاهلية ويَدعونه الحنيف، وكان الأكثر مُساءلةً عن الحنيفيّة، وكان يُسأل من اليهود عن دينهم، لكنه امتنع عن الاستجابة لدعوة الأحبار والرُّهبان، وقد أوشك على الإسلام، غَير أن عبد الله بن أبي بن سلول – رأس المنافقين  – لَقِيه فقال له : لقد لُذتَ عن حزبنا كل مَلاذ، تارةً تُحالف قريشًا، وتارةً تتبع محمدًا، فقال : لا أتبعه إلا آخر القوم، أو قبل أن يَحول الحَول، فسَبق عليه كتابه ووافته المَنيّة على رأس عشرة أشهرة من الهجرة قبل تمام الحَول، وقِيل أنه لفظ الشهادة عندما حضره الموت، ومن شعره :

ويا ربّ العبــــادِ إذا ضللنــــا .. فيسِّـــــرنا لمعروفِ السبيلِ

فلـــــولا ربنـــا كنـــــا يهــــــودًا .. ومــــــا دين اليهودِ بِذي شكولِ

ولَـــــولا ربَّنـــا كنــــا نَصــــــارى .. مـــــع الرُّهبان في جبلِ الجليلِ

ولكنّــــا خُلقنــــا إذْ خُلقنــــا .. حنيفًــــــا دينُنا عن كلِّ جيـلِ

دوره البارز في حرب الأَوس والخَزرج:-

انتَقَت الأوس أبا قيس بن الأسلت لكي تُسند إليه أمرها يوم بعاث؛ لِما عَهِدت منه من بَسَالة و شدَّة بأس، وهو يوم للأوس على الخزرج قبل الهجرة بخمس سنوات، فآثَرَ أمر الحرب علي نفسه وأهله وماله، وفارق امرأته وظل أشهرًا لا يقربها، حتى شَحُب وجهه وتغيرت هيأته، ثم أراد ليلة أن يأوي إلى بيته، فدّق على امرأته وهمّ بالدخول عندما فتحت له، إلا أنها دفعته وأنكرته لما آلتْ إليه حاله من تغيُّر، فما عرفته إلا من صوته، فنَظم في ذلك قصيدة يقول فيها:

قــــالَت وَلَم تَقصِـــد لِقـيـــلِ الخَنـــــا .. مَهـــلًا فَقَد أَبلَغتَ أســماعي

أَنْكَرْتِــــــهِ حَتّـــى تَوَسَّـــــــمْتِهِ .. وَالحَــــــربُ غولٌ ذاتُ أَوجاعِ

مَن يَذُقِ الحَــربَ يَجِــد طَعمَهــــا .. مُـــرًّا وَتَحبِســـهُ بِجَعجاعِ

قَد حَصَّتِ البَيضَـــةُ رَأسي فَمــا .. أُطعَــمُ غُمضاً غَيرَ تَهجـاعِ

أَسـعى عَلــى جُــلِّ بَنـــي مــــالِكٍ .. كُـــلُّ اِمرِئٍ في شَأنِهِ سـاعِ

لا نألم القتــل ونجــزي به الـ .. ـأعداء كيــل الصاع بالصاع

وفيما يُذكر من نبيل خِصاله مع خُصومه، عفوه عن أسيره أبي مسلمة مُخلٔد بن الصّامت، بعدما أُشير عليه بقتله، وعن ذلك يقول:

أَسَــرْتُ مُخَــلَّـــدًا فعفـــوتُ عنــه .. وعنـــد الله صالحُ ما أتيتُ

مزينــــة عنده ويهـــود قــــررى .. وقــــومــي كل ذلكم كفيتُ

أبو قيس بن الأسلت وإبداعه الشَّعري:-

رَوى الأصفهانيّ في كتابه الأغاني بسنده إلى المبرِّد قال: قال لي صالح بن حسّان: أَنشدني بيتًا خفرًا في امرأة خَفِرَة ذات حياء وشرف؛ فقلنا: قول حاتم:

يُضيء لها البيت الظليـل خصاصـه ..

إذا هي يومًا حــاولت أن تبسمــا

فقال: هذه من الأصنام، أريد أبيَن من هذا! قلنا: قول الأعشى:

كأنّ مَشيتها من بيتِ جارتها..

مرّ السّحابة لا رَيْثٌ ولا عجلُ

فقال: هذه خرّاجة وَلّاجة! قلنا: بيت ذي الرمة:

تنوء بأخراها فلأيًا قيامهــا..

وتمشي الهوينى من قريب فتبهر

فقال: ليس هذا ما أبغي؛ إنما وصف هذه بالسُّمن وثقل البدن! فقلنا: ما عندنا شيء بعد، فقال: قول أبي قيس بن الأسلت:

ويكرمهـــا جــــاراتهـــا فيزرنهــــا .. وتعتـــلّ عـن إتيانهن فتعذر

وليس لهــــا أن تستهين بجـــارة .. ولكنهــــا منهنّ تحيا وتخفر

ثم قال: أنشدوني أحسن بيت في وصف الثُّريا: قلنا: بيت ابن الزبير الأسديّ:

وقد لاح في الغور الثريا كأنما..

به راية بيضاء تخفق للطعن

قال: أريد أبيَن من هذا، فقلنا: بيت امرئ القيس:

إذا ما الثُّريا في السماء تعرّضت ..

تعرّض أثناء الوشاح المفصّل

قال: أريد أحسن من هذا؛ قلنا: بيت ابن الطثرية:

إذا ما الثريا في السماء كأنها..

جمان وهي من سلكه فتسرّعا

قال: أريد أحسن من هذا؛ قلنا: ما عندنا شيء؛ قال: قول أبي قيس بن الأسلت:

وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ..

كعنقود ملاحيّة حين نوّرا

قال: فحكم له عليهم في هذين المعنيَين بالسَّبق.

أبو قيس بن الأسلت وأغراضه الشعرية:-

يكشف شعر أبي قيس بن الأسلت عن فارسٍ عربي أصيل، ذو خُلُق نبيل، وقد تبايَنت أغراضه الشعريّة بين الغَزَل، والفخر، والحماسة، والهجاء، وله مقطوعة وحيدة في مدح أبي أُحَيحة سعد بن العاص بن أميّة، وكان أغلب شعره في الفخر، سواء كان فخرًا قَبَليًا بقبيلته أوس وذكر مَناقبها وغاراتها وحروبها، أو فخره بنفسه وقوة بأسه.

ويتجلّى في هجائه أثر حرب الأوس والخزرج وما دار فيها من أحداث وأيام، وله بعض الهجاء الذي صُنِّف في النَّقائض التي نشأت كنتيجة لتلك الحرب في يَثرب،  منه الهجاء الذي دار بينه وبين حسان بن ثابت الأنصاري، ومنه قصيدته التي يقول في مطلعها:

ألا مَنْ مُبْلِغٌ حسـَّانَ عنِّي..

أَطِبٌّ كانَ داؤك أم جنونُ؟!

ولِحسّان بن ثابت قصيدة بديوانه يقول في مطلعها:

ألا أبلغْ أبا قيسٍ رســولًا..

إذا ألقى لها سَـــمْعاً تُبينُ

جديرٌ بالذكر أن أشعار غَزَل صيفي بن عامر من النوع العفيف، حتى إن بعضها كان في زَوجِه، فيقول فيها:

خفيضةُ أعلَى الصَّوتِ ليست بسَلْفَعٍ .. ولا نَمَّـةٍ خرَّاجةٍ حين تظهَرُ

ويُكْرِمْنَهـــا جاراتُهـــا فَيَزُرْنَهـــا .. وتَعْتَــــلُّ عن إتيانهنَّ فتُعْذَرُ

وليس بها أن تَســـتَهِينَ بجـــارةٍ .. ولكنَّهـــا من ذاك تَحْيا وتَحْصَرُ

وإنْ هي لم تَقْصِـدْ لهــنَّ أتينهـــا .. نواعـــمَ بيضًا مَشيُهُنَّ التَّأطُّـرُ

زوجته كُبيشة بنت معن:-

رَوى عِكرمة في قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ…} [النساء/22] الآية، قال: نزلت في كُبَيشة بنت مِعْن ابن عاصم، وهي من الأَوس، بعدما تُوفي عنها زوجها أَبو قيس بن الأَسلت، فجَنح عليها ابنه، فنزلت فيها هذه الآية، وقال عَدِيُّ بن ثابت: لما مات أَبو قيس بن الأَسلت خطب ابنُه امرأَة أَبيه كبيشة بنت معن، فانطلقَتْ إِلى النبيِّ صَلَّى الله عليه وسلم تَستفتِيه في أمرها، فقالت: إن أَبا قيس قد هَلَك، وإِنّ ابنه قد خطبني إِلى نفسي، وهو من خيار القوم، فقلت: ما أَنا بالذي أَسبق رسول- الله صَلَّى الله عليه وسلم – فسكتَ النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء…}؛ فمْرَأته أوّلُ امرأَة حُرِّمَتْ على ابنِ زَوجِهَا.

أبو قيس بن الأسلت صاحب مكانة شعرية بارزة (تعبيرية)

اقرأ ايضا النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

  • ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصَّحابة، 1939م.
  • البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1979م.
  • أبو قيس بن الأسلت، ديوانه، دار التراث، القاهرة، 1973م.
  • ابن هشام، السِّيرة النَّبويَّة، دار ابن كثير، دمشق، 2003م.
  • أبو فرج الأصفهاني، الأغاني.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى