أعلامانفوجرافيكس

أبو فراس الحمداني .. الفارس الشجاع والشاعر اللامع

قبيل مماته قال : أسأله حسن الختام، فإنَّني لرحمته في البدء والختم طالب

أبو فراس الحمداني – التعريف بالشخصية:-

الحارث بن سعيد بن حمدان، يعود أصل أبو فراس الحمداني من جهة أعمامه إلى قبيلة تغلب، أما من جهة أخواله فيعود أصله إلى قبيلة تميم، ولِدَ سنة 320هـ في مدينة الموصل في العراق على الأرجح، وقُتِلَ والده عندما كان عمره ثلاث سنوات، فنشأ أبو فراسٍ يتيماً في حضن أمه، وقد عطف عليه ابن عمه القائد المشهور سيف الدولة الحمداني، والذي كان له أثرٌ كبيرٌ في الدولة الحمدانية.

وقد كان أبو فراس من جملة من ضمهم بلاط سيف الدولة، فشبَّ في كنف ابن عمه ورعايته، فشمله بحنانه وعطفه، وميَّزه عن غيره بكثير من الإكرام والاهتمام؛ لما رأى عنده من الذكاء والأخلاق والصفات المحمودة، فرسخت محبة سيف الدولة في قلب أبي فراس منذ نعومة أظفاره.

أبو فراس الحمداني وُلِدَ في مدينة الموصل

حياته:-

عاش في بعض أيامه في دلالٍ وراحةٍ، مع أن معظم أيامه قضاها في ميادين المعركة، في حروبٍ وغزواتٍ تعرَّض فيها للأسر والاعتقال والطعن، وقد أصبح أبو فراس الشخصية الثانية في المجتمع الحمداني بعد الأمير سيف الدولة.

صفاته:-

لم يكن صغير الجسم، بل كان طويلاً، وذا جسم كبير، مما يدل على قوته وبطشه وشجاعته، حتى أنه كان يفتخر بهذا، وغزا الشيب رأسه وهو ابن العشرين، وقال في ذلك:

ومَـــا زادَتْ على العشرين سـنِّي..

فمـــا عُذر الشَّيب إلى عــذاري؟

مناصبه:-

حين استقرت أوضاع سيف الدولة في حلب سنة 336هـ قلَّد ابن عمه أبا فراس منبج وما حولها من القلاع، وكان عمره وقتها ستَّ عشرة سنة؛ وذلك لما رأى فيه من النجابة والقدرة على تحمل المسؤولية، ومنذ ذلك الوقت بدأ نجمه يلمع في سماء الفروسية والشعر.

أسره:-

أسرته الروم في بعض وقائعها، وهو جريح، وقد أصابه سهم بقي في فخذه، وكان ذلك سنة 351هـ، وقد استمرت أربع سنوات إلى أن تمت مفاداته بعد أن بقي يكاتب ابن عمه سيف الدولة بذلك.

وفي هذا السياق؛ قال اللغوي والنحوي الشهير ابن خالويه المُقرَّب من البلاط الحمداني: ” وتأخَرت كُتب سيف الدولة عن أبي فراس وهوَ في الأسر، وذلك أنَّه بلغه أنَّ بعض الأُسَراء قال: إنْ ثَقُلَ هذا المال (الفِداء) على الأمير؛ كاتَبْنا فيه صاحب خراسان وغيره من الملوك وخفّفَ علينا الأسر”.

وذكَرَ أيضاً أنهم قرروا مع الرُّوم إطلاق أُسَراء المسلمين بما يحملونه، فاتَّهَمَ سيف الدَّولة أبا فراس بهذا القول لضمانه المال للرُّوم، وقال: ” من أين يعرفهُ أهلُ خُراسان؟”، فقال أبو فراس هذه القصيدة وأنفذَها إلى سيف الدَّولة:

أَسَيْفَ الْعــدَى وَقَـــريعَ العَــرَبْ.. عَـــلامَ الجَفاءُ! وَفيمَ الغَضَبْ!

وَما بـــالُ كُتُبِــكَ قَــد أَصبَحَت.. تَنَكَّــبُنـي مَعَ هَـذي النَكَبْ

وَأَنتَ الكَـــريمُ، وَأَنتَ الحَلـــيـمُ،.. وَأَنـتَ العَطوفُ، وَأَنتَ الحَدِبْ

وَمَــا زِلْــتَ تَسبِقُني بِالجَميــــلِ.. وَتُنـــزِلُني بِالجَنــابِ الخَصِـبْ

وَتَدفَعُ عَن حَــوزَتَيَّ الخُــطوبَ.. وَتَكشِـــفُ عَن ناظِرَيَّ الكُرَبْ

وَإِنَّـــكَ لَـلْجَبَـــلُ المُشْــمَـخِــــر …. لِــــي بَل لِقَومِكَ بَل لِلعَرَبْ

عُلــىً تُسْتَفــــادُ وَمــــالٌ يُفــــادُ.. وَعِــــزٌّ يُشادُ وَنُعمى تُــرَبْ

وَمــا غَــضَّ مِنِّـيَ هَذا الإِســـارُ … وَلـكِــن خَلَصتُ خُلوصَ الذَهَبْ

فَفيـــمَ يُقَرِّعُنـــي بِالـخُمـــــو .. لِ مَــولــىً بِهِ نِلـتُ أَعلى الرُتَبْ

وَكَــانَ عَتيــداً لَــدَيَّ الجَـــوابُ .. وَلَكِــــن لِهَيبَتِــهِ لَم أُجَبْ

أَتُنكِــــرُ أَنّــي شَكَـــوتُ الـــزَّمَــانَ.. وَأَنّـــي عَتَبتُكَ فيمَن عَتَبْ

فَـــأَلّا رَجَعــــتَ فَأَعتَبتَنـــي…. وَصَـيَّــرتَ لـي وَلِقَولي الغَــلَبْ

موضوعات شِعره :-

الفخر:-

كان يفتخر بأنه فتى شجاع يستطيع التفوق على غيره، وينتصر على الأعداء إذا ما لاقاهم في ساحة المعركة، بل كان دوماً يظن أنه لم تلد امرأة مثله يتصف بطول القامة، وسعة ما بين المنكبين؛ إذ يقول:

متى تخلف الأيَّام لكم مثلي فتى..

طويلَ نجادِ السَّيفِ رَحْبَ المقلَّد؟

الغزل:-

ومن ذلك قوله:

تَبَسَّــمَ إِذ تَبَسَّـــمَ عَـن أَقـــاحِ… وَأَســفَــرَ حينَ أَسفَرَ عَن صَباحِ

وَأَتحَفَني بِكَـــأسٍ مِن رُضـــابٍ… وَكَــــأسٍ مِن جَنى خَدٍّ وَراحِ

فَمِـــن لَألاءِ غُــــــرَّتِــهِ صَبـــاحي… وَمِــن صَهباءِ ريقَتِهِ اِصطِبـاحي

فَــلا تَعجَل إِلى تَســريحِ روحـي… فَمَــوتي فيكَ أَيسَرُ مِن سَراحي

الوصف:-

ومن ذلك قوله:

كَأَنَّما المــاءُ عَلَيهِ الجِـسرُ..

دَرجُ بَياضٍ خُــطَّ فيهِ سَطرُ

كَأَنَّنا لَمّا اِستَتَبَّ العَـبرُ..

أُسـرَةُ موسى يَومَ شُـقَّ البَحرُ

الحكمة والموعظة:-

ومن ذلك قوله:

غِنى النَفسِ لِمَن يَعقِـ.. ـلُ

خَيـــرٌ مِن غِنى المـــالِ

وَفَضلُ الناسِ في الأَنفُـ.. ـسِ

لَيـــسَ الفَضلُ في الحــالِ

أقوال الأدباء في أبي فراس:-

  • كان المتنبي يشهدُ لأبي فراس بالتقدُّم والتبريز، ويتحامى جانبه، فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنَّما لم يمدحه ومَدَحَ من دونه من آل حمدان، تهيُباً له وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالاً.
  • كان الصَّاحب بن عباد يقول: “بُدئ الشِّعرُ بملكٍ وخُتِمَ بملِك”، يعني امرأ القيس وأبا فراس.
  • قال الثعالبي عنه: “كان فرد دهره، وشمسُ عصره، أدباً، وفضلاً، وبلاغةً، وبراعةً، وفروسيةً وشجاعةً، وشعره مشهورٌ سائرٌ، بين الحُسن والجودة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ومعه رُواء الطَّبْع وسِمَة الظَرْف وعِزَّة الملك، لم تجتمع هذه الخِلال قبله إلَّا في شعر عبد الله بن المعتز، وأبو فراس يُعدُّ أشْعَرُ منه عند أهل الصَّنعة ونَقَدَة الكَلام”.

أبو فراس الحمداني – وفاته:-

كان أبو فراس الحمداني يشعر أن حياته لن تطول؛ فقد توفي عن سبعٍ وثلاثين عاماً، وقد اتضح شعوره هذا في هذه الأبيات التي خاطب فيها ابنته قائلاً:

أَبُنَيَّتي لاتَحزَني.. كُلُّ الأَنامِ إِلى ذَهابِ

أَبُنَيَّتي صَبراً جَميـ.. ـلاً لِلجَليلِ مِنَ المُصابِ

نوحي عَلَيَّ بِحَسرَةٍ.. مِن خَلفِ سِترِكِ وَالحِجابِ

قولي إِذا نادَيتِني.. وَعَيَيتِ عَن رَدِّ الجَوابِ

زَينُ الشَبابِ أَبو فِرا.. سٍ لَم يُمَتَّع بِالشَبابِ

وكان دوماً يسأل الله تعالى حسن الختام فيقول:

وأسأله حسن الختام، فإنَّني..

لرحمته في البدء والختم طالب

توفي أبو فراس بعد أن تأثر بجراحه في إحدى المعارك، وترك لنا ثروة شعرية كبيرة تدل على تضلعه وقوته في الشعر، وأنه كان رائد عصره في ذلك الوقت.

تمثال للشاعر أبو فراس الحمداني
أبو فراس الحمداني الشَّاعر الفارس

المصادر:

  • أبو فراس الحمداني، شوقي المعري (9-12).
  • أبو فراس الحمداني في رومياته، خالد بن سعود الحليبي (13-22).
  • يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر (57-60).
  • ابن خلكان، وفيات الأعيان.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى